لم تعد الدراما، في صورتها المعاصرة، مجرد وسيلة للترفيه أو ملء أوقات الفراغ، بل تحولت تدريجيًا إلى أحد أكثر الأدوات تأثيرًا في تشكيل الوعي المجتعي، وإعادة ضبط الذوق العام، وتعميم أنماط من الأفكار والسلوكيات التي لم تنشأ داخل بيئتنا الثقافية والاجتماعية، ومع التوسع اللافت في التطبيقات الرقمية الدرامية الأجنبية، وتحديدًا القادمة من شرق آسيا، لم يعد السؤال المطروح مقتصرًا على ما نشاهده، بل امتد ليشمل: لماذا نشاهده؟ وكيف نتلقاه؟ وبأي قدر من الوعي؟
ما يقدم اليوم عبر الشاشات ليس مجرد أعمال فنية منفصلة عن سياقها، بل منظومات ثقافية كاملة تنتقل بهدوء من مجتمع إلى آخر. الدراما الآسيوية القادمة من الصين، واليابان، وكوريا، تحمل معها تصورات واضحة عن العلاقات الإنسانية، وبناء الأسرة، وحدود الحرية، ومفهوم النجاح، ودور الفرد داخل المجتمع. هذه التصورات في كثير من الأحيان، لا تنسجم مع طبيعة المجتمعات العربية ولا مع السياق الشرقي الأوسع الذي تحكمه منظومة قيم دينية واجتماعية تشكّلت عبر قرون. غير أن الخطورة لا تكمن في الاختلاف ذاته، فالتنوع الثقافي سنة كونية، بل في الطريقة التي يقدم بها هذا الاختلاف على أنه الشكل الطبيعي، بل والمفضل، للحياة الحديثة.
بعد أن نجحت دول آسيوية كبرى في ترسيخ حضورها الاقتصادي داخل الأسواق العربية عبر التجارة والصناعة والتكنولوجيا، يبدو أن المرحلة التالية انتقلت إلى مستوى أكثر عمقًا، مستوى تشكيل الوعي؛ فالقوة الناعمة لا تحتاج إلى شعارات سياسية ولا إلى خطابات مباشرة، بل تكتفي بحكاية مشوقة، وصورة جذابة، وبطل يمكن التعاطف معه، ومع تراكم المشاهدة، يتحول ما كان غريبًا إلى مألوف، وما كان مرفوضًا إلى قابل للنقاش، ثم ربما إلى مقبول دون مقاومة تُذكر.
في هذا السياق، يعد الشباب العربي الفئة الأكثر استهدافًا من تصاعد المحتوى الدرامي، ليس باعتبارهم أضعف، بل لأنهم الأكثر تفاعلًا مع التجارب الجديدة، والأوسع استخدامًا للمنصات الرقمية. وعندما يعتمد الشاب في تكوين تصوّراته عن الحب والعلاقات والاستقلال والحرية على أعمال درامية لا تنتمي إلى بيئته الثقافية، ينشأ لديه تعارض بين واقعه اليومي وما يتلقاه من صور وقيم. ومع غياب الوعي النقدي، يتحول التلقي من مجرد متابعة إلى إعجاب، ثم إلى تقليد، دون إدراك للفارق القيمي والحضاري بين الواقع المعاش والمحتوى المعروض.
أحد أخطر ما تمرره هذه الأعمال لا يظهر في المشاهد الصادمة بقدر ما يتجلى في التكرار الهادئ. الجرأة هنا لا تقدَّم كحدث استثنائي، بل كجزء طبيعي من تفاصيل الحياة اليومية، ومع التكرار، يفقد العقل حساسيته، وتعاد صياغة مفهوم المقبول والمرفوض على مهل، حيث يعتبر الضرر في هذه الحالة تراكميًا، يبدأ بالاعتياد، ثم التبرير، ثم المحاكاة، وصولًا إلى تصادم صريح مع القيم السائدة، وتفكك تدريجي في البنية الأخلاقية والعلاقات الإنسانية داخل المجتمع.
ولا يمكن فصل هذا التأثير الثقافي عن بعده الاقتصادي؛ فسهولة الاشتراك، وتعدد وسائل الدفع، والإغراء المستمر بمحتوى جديد، تضع فئة واسعة من الشباب داخل دائرة استنزاف مادي وذهني لا ينتهي. المال المدفوع هنا لا يشتري الترفيه فقط، بل يشتري الوقت، والتركيز، والانتباه، وهي أثمن موارد الإنسان في عصر الاقتصاد الرقمي، ومع الوقت، تتحول المشاهدة من اختيار واعٍ إلى عادة يومية يصعب التخلص منها.
ورغم كل ذلك، فإن المواجهة لا يمكن أن تكون بالمنع الكامل أو الرفض الأعمى؛ فالعزل لا يصنع وعيًا، بل يصنع فضولًا، والخوف لا يبني حصانة، بل يؤجل الصدام. المواجهة الحقيقية تبدأ من بناء عقل قادر على التمييز، وعلى قراءة المحتوى في سياقه، لا استهلاكه بوصفه حقيقة مطلقة، نواجه دون انغلاق كي نعلّم أبناءنا كيف يشاهدون المحتوى، لا ماذا يشاهدون فقط، حيث نزرع فيهم مهارة السؤال والتحليل وربط ما يعرض عليهم بواقعهم وقيمهم.
هذه المواجهة مسؤولية مشتركة لا يتحملها طرف واحد. الأسرة مطالبة بفتح باب الحوار بدل الاكتفاء بالرقابة، والتعليم مطالب بإدماج الثقافة الإعلامية والتفكير النقدي ضمن المناهج، والإعلام المحلي مطالب بتقديم محتوى معاصر يعكس المجتمع دون تقليد أعمى، كما أن على المؤسسات الثقافية دعم الإبداع الجاد لا الاكتفاء بالخطاب الوعظي. وفي النهاية، يبقى الفرد مسؤولًا عن اختياراته، مدركًا أن الانفتاح لا يعني الذوبان، وأن الاختيار الواعي ضرورة لا رفاهية.
لسنا ضد التعلّم من تجارب الآخرين، ولا ضد الانفتاح على ثقافات العالم، بما فيها الثقافة الآسيوية التي نجحت في تقديم نماذج مبهرة في الانضباط وجودة الإنتاج واحترام الوقت، ولكن الخطورة تكمن في الاستهلاك الأعمى، وفي استيراد النموذج كاملًا دون مساءلة. يمكننا أن نأخذ الإيجابي دون أن نفرط في قيمنا، وأن ننفتح دون أن نفقد ملامحنا.
في النهاية، المعركة الحقيقية اليوم لا تدور على الشاشات، بل في العقول، وهي ليست صراعًا بين ثقافة وأخرى، بقدر ما هي مواجهة بين الوعي والغياب؛ فإما أن نكون مجتمعات منفتحة بوعي، قادرة على الاختيار والفهم، أو نتحول إلى مستهلكين بلا بوصلة، تنقلهم الشاشات من فكرة إلى أخرى دون إدراك، والاختيار ما زال حتى هذه اللحظة بأيدينا.
-------
* أحمد عبدالفتاح خيري، كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية والتنمية الذاتية. يقدّم محتوى تحليليًا وإنسانيًا يركّز على فهم العلاقات والتواصل، وما يمرّ به الأفراد من تحديات يومية. نُشرت له مقالات في عدد من المنصّات العربية، وهو مؤلّف كتاب «فن ترميم القلوب». كما يقدّم محتوى فيديو بعنوان «صوت من القلب»، يتضمّن رسائل قصيرة تُلامس التجربة الإنسانية بأسلوب بسيط وصادق.
http://www.facebook.com/ahmedfatah.officialpage












12/26/2025 - 13:39 PM
.jpg)




Comments