قصة حلم عمره نصف قرن لدى طالب بجامعة القاهرة!

12/26/2025 - 12:41 PM

San diego

 

 

 

الإمارات - ألفة السلامي

حكاية مكان بدأت بحلم وتحولت إلى مصنع. أتحدث في هذه المساحة عن مشاريع الأمن الغذائي في إمارة الشارقة، مثل ألبان مليحة التي دشنها منذ أيام الدكتور سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة عضو المجلس الأعلى للاتحاد في دولة الإمارات، لتكون خير ختام لعام 2025. ويعدّ مصنع مليحة للألبان إضافة مهمة لباقي المشروعات الغذائية مثل مزرعة قمح "سبع سنابل" وبذور "غراس"، وطيور "فلي"، ومصنع الفاية للعسل، وجميعها مشرعات تقدم نموذجاً للاقتصاد الدائري الرحيم، الذي يحترم قوانين الخالق في إحياء الأرض وإنمائها كما جاء في كلمته عند تدشين المشروع.

بدأت قصة هذا الحلم منذ أكثر من نصف قرن، عندما كان الدكتور سلطان القاسمي طالبا في كُلِّيَّة الزراعة بجامعة القاهرة وتحديدًا قبل تخرجه كمهندس زراعي حيث كان اهتمامه منصبًا على دراسة تحسين الأبقار في الإمارات، لإنتاج الألبان. وروى تفاصيل القصة بنفسه فذكر أنه تردد على أستاذه الدكتور محمد توفيق رجب أستاذ علوم الأغذية والإنتاج الحيواني، وأساتذة قسم الألبان، وعلى أساتذة آخرين، كان من بينهم من درسوا في الجامعات الأجنبية، وخرج بمحصلة بعد لقاءاته وهي أن سلالة أبقار الحليب "الفريزيان"، وموطنها الأصلي شمال غرب ألمانيا، تتصدر مزارع إنتاج الحليب في العالم، حيث يبلغ إنتاجها السنوي للحليب بين 7500 و11000 لترًا.

يضاف إليها سلالة أخرى من أصل بريطاني تسمى أبقار "الجيرسي" وتنتج حليباً من أغنى أنواع الحليب يستخدم عادة لإنتاج الزبدة والجبن وبكمية تبلغ نحو 4500 لترا في 300 يوم من فترة الرضاعة. لكنه اكتشف أيضا أن السلالتين لن يناسبهما المناخ في دولة الإمارات والمعروف بارتفاع درجات الحرارة خاصة صيفاً. كما أنه عدل عن تنفيذ فكرة تهجين أبقار الإمارات بالذكور من "الفريزيان" أو "الجيرسي" من أجل تحسين إنتاج الحليب الذي لا يتعدى للبقرة الواحدة في السنة 1000 لتراً، والسبب يتمثل في احتمال نفوق البقرة، حيث أن العجل أكبر من أحشاء البقرة المحلية.

لكن حلم القاسمي لم يتوقف بل استمر حيث علم من أحد أساتذته في قسم الألبان بالكلية أن دراسة انجليزية تحدثت عن سلالة هندية، تنتج ما بين 1600 إلى 2650 لتراً سنوياً، وهي أبقار "ساهيوال". وبالفعل ذهب إلى الهند بحثا عن تحقيق حلمه، وركب الطائرة من مطار القاهرة إلى مطار بومبي، نهاية شهر رمضان سنة 1390ه، الموافق شهر أكتوبر عام 1970م وقضى إجازة عيد الفطر هناك.

وروى الدكتور سلطان تفاصيل الرحلة الطويلة التي أوصلته في النهاية إلى مزرعة الألبان التي تملكها شركة "كاتيراج" وتقع في قرية "ساتارا" والتي تبعد عن مدينة "بونا" قرابة الساعتين، وبدورها تبعد الأخيرة ثلاث ساعات بالقطار عن العاصمة بومبي. وعلى امتداد ثلاثة أيام، توصل طالب الزراعة إلى نتيجة مهمة للغاية وهي أن استعمال ذكر "الجيرسي" في تلقيح أبقار "ساهيوال" قد فكرت فيه الشركة بالفعل وتبيّن أن أستراليا قد هجّنت أبقار "ساهيوال" بثور "جيرسي" وأعطت النتيجة النهائية أن الجيل الأول جيد وكذلك الثاني؛ أما الجيل الثالث فينحلّ ويضعف ويتدهور القطيع.

وهكذا لم تفلح الفكرة، لكن الحلم لم يندثر بل استفاد الشيخ سلطان من هذه الرحلة ونتيجتها في وقت لاحق، وبعد التخرج كمهندس زراعي وعودته لبلاده وتدرجه في المناصب حتى تأسيس دولة الإمارات في تلك الفترة حيث أصبح حاكما للشارقة ليعود الحلم من جديد ويكبر أكثر فأكثر فيشمل تطوير الزراعة في كل قطاعاتها، بما في ذلك إنتاج الألبان. وقد كلّف شركة إنجليزية بالاشتراك مع شركة متخصصة في بناء محطة للأبقار في منطقة الذيد، حتى إذا ما أتت تلك الشركات لمناقشة المشروع، حضر مندوبون عن شركة أسترالية وعرضوا أن يقوموا ببناء المحطة كاملة وتزويدها بالأبقار.

وعرف منهم أن نوعها "ساهيوال" هندي، مهجّنا بـ "الجيرسي" الإنجليزي. سألهم عن الجيل فأجابوا أنه الجيل الثاني، والأبقار عشراوات. وسألهم إذا كان ما في بطنها الجيل الثالث فردّوا بالإيجاب. وهنا أوضح الدكتور سلطان حاكم الشارقة أن الجيل الثالث من الهجين "ساهيوال" و"الجيرسي" سيخرج وجيناته قد تدهورت وانحلّت، وقال لهم إنه سيحضر الشرطة لهم لضبط عملية الغش والاحتيال!

اعتذروا مبررين ذلك بأنهم تلقوا هذا العرض من شركة أسترالية. فصرفهم قائلا: "لا أريد مشروعكم!"، ولم يكتب لذلك المشروع التنفيذ، وتأجل طيلة ثلاثة أجيال حتى كتب لمشروع مزرعة ومصنع "مليحة" للألبان أن يرى النور أخيراً على يد الجيل الرابع من أبناء الشارقة المتعلّمين، المتمكّنين من أدوات العصر. وقد تُوّج هذا المجهود بحصول مزرعة مليحة للألبان على شهادة من موسوعة غينيس للأرقام القياسية، تسلمها صاحب السمو حاكم الشارقة، باعتبارها أكبر مزرعة أبقار من سلالة "A2A2" في العالم، حيث يزيد عدد أبقارها عن 6400 بقرة، كما قدمت جمعية مربي بقر هولشتاين الدنماركية درعاً تذكاريا تسلمه سموه وذلك تقديراً وامتناناً لجهوده في الحفاظ على هذه السلالات من الأبقار النادرة حول العالم.

وأستشهِدُ هنا بقصة أخرى تعكس أهمية الخلفية الفكرية وراء هذه المشروعات الغذائية، رواها الدكتور خليفة مصبح الطنيجي رئيس دائرة الزراعة والثروة الحيوانية، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشارقة للإنتاج الزراعي والحيواني "اكتفاء"، حيث أشار إلى ما حدث في مجلس "كسرى أنوشروان" –أحد ملوك بلاد فارس المعروف بالعدل والحكمة بين 531 -579 م-حين سأل كسرى أحد الأطباء عن كيفية الحفاظ على صحة المرء إن وقع المرض، فردّ قائلا: يُبدأ بعلاجه بالغذاء، فإن لم يُغن الغذاء، فبالدواء المفرد، فإن لم يُجدِ، فبالدواء المركب. ثم علق الدكتور خليفة: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء"، مؤكداً بأن الطب الحديث عاد لنظرية محور الأمعاء والدماغ، التي تؤكد أن الأمعاء هي "الدماغ الثاني" للإنسان، وأنَّ ما يدخلها من غذاء، هو الذي يحدد صفاء الذهن واتقاد الفكر.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment