نقد لفكرة “حكومة المعارضة من الخارج” ومنازعة الشرعية في لبنان

12/26/2025 - 10:17 AM

San diego

 

 

الإعلامي كريم حداد

في الآونة الأخيرة، انتشرت أفكار غريبة على منصات التواصل الاجتماعي، مثل ما نشره أحد المعارضين اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة على منصة "إكس"، حيث يدّعي أن فكرة تشكيل "حكومة معارضة من الخارج" ومنازعة الشرعية للسلطات اللبنانية لم تعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبحت خطة عملية. وقد أكّد هذا المعارض في حديث إعلامي أنهم يجرون اتصالات مع معارضين سياسيين داخل وخارج لبنان، بالإضافة إلى مسؤولين في دول معنية بالشأن اللبناني، مع التركيز على معارضة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، مطالبين إياه بتقديم "تنازلات"، ومستشهدين بمثال أحمد الشرع (المعروف بالجولاني) الذي استولى على السلطة في سوريا بعد إطاحة النظام السابق.

هذا الطرح، بكل بساطة، يُمثّل تهديدًا خطيرًا للديمقراطية اللبنانية واستقرار البلاد، وهو يعكس محاولة لفرض أجندات خارجية على حساب الإرادة الشعبية.

أولًا، فكرة "حكومة معارضة من الخارج" ليست سوى محاولة لتقسيم الصف الوطني وإضعاف المؤسسات الدستورية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها لبنان. من يدّعي تمثيل الشعب من الخارج، دون تفويض انتخابي حقيقي، يتجاهل تمامًا الآليات الديمقراطية التي يعتمدها النظام اللبناني. فالمعارضة الحقيقية تتم داخل الإطار الدستوري، من خلال البرلمان والانتخابات، لا من خلال اتصالات سرية مع دول أجنبية قد تكون لها مصالحها الخاصة في المنطقة.

ثانيًا، وهو الأمر الأكثر إثارة للاستياء، هو المقارنة السخيفة بين رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون وبين أحمد الشرع في سوريا. هذه المقارنة لا تجوز أبدًا، وهي تكشف عن جهل أو تجاهل متعمّد للفرق الجوهري بين النظامين. فالرئيس اللبناني، سواء كان عون أو غيره، يُنتخب من قبل ممثلي الشعب في البرلمان، الذي يُمثّل تنوّع الطوائف والآراء في لبنان وفقًا للدستور. هذا الانتخاب يعكس إرادة شعبية مدعومة بآليات ديمقراطية، رغم كل العيوب في النظام الطائفي. أما الجولاني، فقد وصل إلى السلطة عبر الاستيلاء العسكري والإطاحة بنظام سابق، في سياق حرب أهلية دامية استمرت سنوات، دون أي تفويض انتخابي حقيقي أو إطار دستوري مستقر.

كيف يمكن مقارنة رئيس مُنتخب ديمقراطيًا برجل استولى على السلطة بالقوة؟ هذه المقارنة ليست فقط غير منطقية، بل هي إهانة للشعب اللبناني الذي يسعى للحفاظ على سيادته وسط تدخلات خارجية مستمرة.

إن مطالبة الرئيس بـ"تنازلات" تحت هذا الضغط الخارجي تُشبه محاولة انقلاب ناعم، يهدف إلى زعزعة الاستقرار بدلًا من حل المشكلات الجذرية مثل الإصلاح الاقتصادي والقضاء على الفساد. بدلاً من ذلك، يجب على المعارضين الحقيقيين العمل داخل الإطار الدستوري، من خلال الانتخابات والحوار الوطني، لتحقيق تغيير حقيقي يخدم مصلحة لبنان لا مصالح الخارج.

أي محاولة لمنازعة الشرعية بهذه الطريقة لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات، وستكون كارثة على البلاد التي تعاني بالفعل من أزمات متعددة. الديمقراطية اللبنانية، رغم هشاشتها، هي الطريق الوحيد للخروج من الهاوية، لا الاستعانة بأمثلة من دول مجاورة غارقة في الفوضى.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment