بين الدولة والحزب: قراءة في تصريحات السفير الأميركي ميشال عيسى من عين التينة

12/11/2025 - 12:20 PM

San diego

 

بيروت - بيروت تايمز - تحقيق جورج ديب

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وفي ظل تصاعد التوترات على الحدود الجنوبية للبنان، أطلق السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، موقفًا لافتًا من عين التينة، عقب لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، أكد فيه أن "إسرائيل تفرّق بين المفاوضات مع الحكومة اللبنانية وحربها ضد حزب الله"، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن "المساعدات الأميركية للجيش اللبناني مستمرة".

هذه التصريحات، التي جاءت في سياق لقاء جمع وفدًا من "مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان" برئاسة السفير السابق إدوارد غابرييل، تطرح أكثر من علامة استفهام حول موقع الدولة اللبنانية في المعادلة الإقليمية، وحدود الفصل بين المؤسسات الرسمية والقوى غير الرسمية التي تمارس أدوارًا عابرة للحدود.

دلالات التوقيت والمكان

أن يُطلق السفير الأميركي هذا الموقف من عين التينة، مقر رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف السياسي لحزب الله، يحمل في طياته رسالة مزدوجة: من جهة، تأكيد على استمرار التواصل مع مؤسسات الدولة اللبنانية، ومن جهة أخرى، تمييز واضح بين هذه المؤسسات وبين الحزب الذي تعتبره واشنطن منظمة إرهابية.

التوقيت أيضًا ليس عابرًا. فالتصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله بلغ مستويات غير مسبوقة منذ حرب تموز، وسط مخاوف من انزلاق لبنان إلى مواجهة شاملة. وفي ظل هذا المشهد، تسعى واشنطن إلى تثبيت معادلة "الفصل بين الدولة والحزب"، كمدخل لأي تسوية محتملة أو تفاهمات إقليمية.

المساعدات للجيش اللبناني... استمرار مشروط؟

أكد السفير عيسى أن "المساعدات الأميركية للجيش اللبناني مستمرة"، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المؤسسة العسكرية التي تواجه تحديات مالية ولوجستية خانقة. لكن هذا التأكيد لا يخلو من شروط ضمنية، إذ لطالما ربطت واشنطن دعمها للجيش بقدرته على النأي بنفسه عن نفوذ حزب الله، والحفاظ على دوره كضامن وحيد للأمن والسيادة.

في هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول مدى قدرة الجيش اللبناني على لعب هذا الدور في ظل التوازنات الداخلية الدقيقة، والانقسام السياسي الحاد، والتداخل بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في القرار الأمني والعسكري.

الفصل بين المسارين... واقعية أم وهم؟

تصريحات السفير الأميركي تعكس مقاربة أميركية واضحة: التفاوض مع الدولة اللبنانية ممكن، لكن المواجهة مع حزب الله مستمرة. هذا الفصل بين المسارين — السياسي والعسكري — يعبّر عن رغبة واشنطن في تحييد الدولة اللبنانية عن تداعيات أي تصعيد، لكنه يصطدم بواقع لبناني معقّد، حيث يصعب الفصل بين الحزب والدولة، لا سيما في ظل وجوده في البرلمان والحكومة، وتأثيره على القرار السيادي.

من هنا، يرى مراقبون أن هذا الفصل قد يكون أقرب إلى "الافتراض الديبلوماسي" منه إلى الواقع العملي، إذ أن أي تصعيد عسكري واسع النطاق لن يميّز بين المؤسسات، وقد يطال البنية التحتية للدولة، كما حصل في حروب سابقة.

حزب الله والدولة... من يملك القرار؟

منذ سنوات، يدور نقاش داخلي وخارجي حول "ازدواجية السلطة" في لبنان، حيث تمتلك الدولة مؤسسات رسمية، لكن القرار الأمني والعسكري في بعض المناطق "لا سيما في الجنوب والبقاع" يخضع لسلطة حزب الله. هذا الواقع يضعف موقع الدولة في أي مفاوضات، ويجعلها في موقع المتلقي لا المبادر.

تصريحات السفير عيسى تسلّط الضوء على هذه الإشكالية، وتعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن للبنان أن يكون طرفًا فاعلًا في أي تسوية إقليمية، في ظل غياب القرار الموحد، وتعدد المرجعيات الأمنية والعسكرية؟

واشنطن وبيروت... دعم مشروط أم شراكة استراتيجية؟

منذ عقود، شكّلت المساعدات الأميركية للجيش اللبناني ركيزة أساسية في العلاقة بين البلدين. لكن هذه العلاقة شهدت توترات متكررة، خصوصًا مع تصاعد نفوذ حزب الله، وتنامي دوره الإقليمي. في السنوات الأخيرة، برزت أصوات في الكونغرس تطالب بوقف الدعم للجيش، بحجة "تسرب السلاح إلى الحزب"، وهو ما تنفيه القيادة العسكرية اللبنانية باستمرار.

في هذا الإطار، تأتي تصريحات السفير عيسى لتطمئن، لكنها في الوقت نفسه تضع سقفًا سياسيًا لهذا الدعم، وتربطه بمدى التزام الدولة اللبنانية بسياسة النأي بالنفس، وبقدرتها على التمايز عن الحزب.

عين التينة... بين الوساطة والاصطفاف

اختيار عين التينة كموقع لإطلاق هذه التصريحات ليس تفصيلًا. فالرئيس نبيه بري، المعروف بدوره كوسيط داخلي وخارجي، يجد نفسه اليوم أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقته الاستراتيجية مع حزب الله، وفي الوقت نفسه، إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن والعواصم الغربية.

من هنا، قد يكون اللقاء مع السفير الأميركي محاولة لإعادة التوازن إلى المشهد، وتأكيد أن لبنان الرسمي لا يزال شريكًا في الحوار، حتى لو كانت واشنطن تفرّق بينه وبين الحزب.

نحو أي أفق؟

في ظل انسداد الأفق السياسي، وتعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، وتراجع الثقة الدولية بقدرة لبنان على الإصلاح، تبدو تصريحات السفير الأميركي بمثابة "جرس إنذار" لا أكثر. فهي لا تحمل مبادرة واضحة، بل تكرّس واقعًا قائمًا: دعم مشروط للجيش، وتواصل محدود مع الدولة، ومواجهة مفتوحة مع الحزب.

لكن هذا الواقع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فلبنان، الذي يقف على حافة الانهيار، يحتاج إلى أكثر من رسائل ديبلوماسية. يحتاج إلى مشروع إنقاذ وطني يعيد الاعتبار للدولة، ويضع حدًا لازدواجية السلطة، ويعيد وصل ما انقطع بين الداخل والخارج.

الدولة أولًا... وإلا

تصريحات السفير الأميركي ميشال عيسى ليست مجرد موقف ديبلوماسي، بل هي مرآة لواقع لبناني مأزوم، تتداخل فيه الحسابات الداخلية بالتجاذبات الإقليمية. وبين حكومة عاجزة، وحزب مسلح، وشعب منهك، يبقى السؤال: هل لا يزال هناك متّسع لبناء دولة؟

الجواب لا يكمن في عين التينة وحدها، ولا في السِّفَارة الأميركية، بل في إرادة وطنية جامعة تعيد تعريف الأولويات، وتضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment