يوسف بك كرم... قداسة تنبت من تراب لبنان
بقلم الأب الخوري نبيل مونس *
في لحظة وُصفت بأنها مفصلية في الوجدان الماروني والوطني، أُعلن رسميًا عن فتح دعوى تطويب يوسف بك كرم، أحد أبرز رجالات لبنان في القرن التاسع عشر، ورمز النضال والشهامة والكرامة. لم يكن هذا الإعلان مجرد حدث كنسي، بل لحظة وجدانية أعادت إلى الواجهة شخصية وطنية استثنائية جمعت بين البطولة السياسية والفضائل المسيحية، بين السيف والمسبحة، بين الأرض والسماء.
من هو يوسف بك كرم؟
وُلد يوسف بك كرم في إهدن عام 1823، في كنف عائلة عريقة حملت إرثًا سياسيًا واجتماعيًا كبيرًا. نشأ في بيئة مشبعة بالقيم الوطنية والدينية، وتفتّح وعيه مبكرًا على مفاهيم العدالة والحرية والدفاع عن المظلوم. لم يكن مجرد زعيم محلي، بل قائد وطني حمل همّ الجبل ولبنان بأسره، وواجه الاحتلال العثماني والإقطاع بصلابة وشجاعة.
قاد كرم حركات وطنية إصلاحية، وكان من أوائل من نادوا بحكم شفاف وعادل يحترم الإنسان وحقوقه. وقد دفع ثمن مواقفه الجريئة نفيًا إلى الخارج، حيث أمضى سنوات طويلة في المنفى، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن قضيته، ولا عن إيمانه.
وما يميّز يوسف بك كرم ليس فقط مواقفه السياسية، بل أيضًا حياته الروحية العميقة. فقد كان رجل صلاة وتأمل، عاش الإيمان المسيحي في تفاصيل حياته اليومية، وكان يرى في الدفاع عن الكرامة والعدالة امتدادًا لرسالته كمؤمن. لم يكن النضال عنده منفصلًا عن القداسة، بل كانا وجهين لحقيقة واحدة. وقد شهد معاصروه على تواضعه، سخائه، محبته للفقراء، وحرصه على المصالحة بين المتخاصمين. كان بيته مفتوحًا للجميع، وصوته صوت حقّ في زمن الظلم.
إعجوبة فتحت الباب
بحسب ما أعلنته لجنة دعاوى القديسين، فإن فتح ملف التطويب استند إلى إعجوبة نُسبت إلى شفاعة يوسف بك كرم، وهي قيد الدراسة والتوثيق. هذه الإعجوبة، التي لم يُكشف عن تفاصيلها الكاملة بعد، كانت الشرارة التي أعادت تسليط الضوء على سيرة رجل عاش في رائحة القداسة، ومات في المنفى عام 1889. وقد شكّلت هذه الإعجوبة حافزًا لتجميع الوثائق والشهادات التي تؤكد فضائل كرم، وتُظهر كيف عاش الإنجيل في حياته اليومية، وكيف بقيت ذكراه حيّة في وجدان الناس.
دور الكنيسة واللجنة البطريركية
بتوجيه من غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، تم تشكيل لجنة خاصة لمتابعة ملف التطويب، برئاسة سيادة المطران جوزف نفاع، النائب البطريركي العام في إهدن – زغرتا. وقد باشرت اللجنة بجمع الأرشيف الكامل لحياة كرم، من رسائل ومواقف وشهادات، كما أنشأت غرفة خاصة في بيت الكهنة في زغرتا لهذا الغرض. وأكد المطران نفاع أن "السرعة في قبول الملف تعكس جدية الكنيسة في الاعتراف بقداسة هذا الرجل، وتقديرها لتضحياته في سبيل لبنان والإنسان".
البعد الوطني للتطويب
لا يمكن فصل دعوى تطويب يوسف بك كرم عن بعدها الوطني. فهو لم يكن فقط رجل إيمان، بل أيضًا رجل دولة، حمل مشروعًا إصلاحيًا سابقًا لعصره، ودافع عن وحدة لبنان واستقلاله. واليوم، في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالوطن، يأتي هذا التطويب ليذكّر اللبنانيين بأن القداسة ليست حكرًا على الرهبان والمتنسّكين، بل يمكن أن تتجلى في قلب المعترك السياسي والاجتماعي، حين يكون العمل العام نابعًا من ضمير حيّ وإيمان عميق.
تطويب يوسف بك كرم هو أيضًا تطويب لقيم الشجاعة، النزاهة، والوفاء، وهو دعوة لكل مسؤول أن يكون خادمًا للحق، لا عبدًا للمصالح، وأن يرى في السلطة رسالة لا غنيمة.
منذ الإعلان عن فتح الدعوى، شهد مزار يوسف بك كرم في كنيسة مار جرجس – إهدن، توافدًا كثيفًا من المؤمنين من مختلف المناطق اللبنانية. وقد تحوّل المكان إلى محجّة روحية، حيث تُرفع الصلوات وتُضاء الشموع، ويُطلب شفاعته في زمن يحتاج فيه اللبنانيون إلى رجالات من طينته.
كما نظّمت رعية زغرتا – إهدن ومؤسسة يوسف بك كرم قداسًا احتفاليًا في كنيسة مار يوحنا المعمدان، بحضور رسمي وشعبي واسع، احتفاءً بقبول الفاتيكان للملف، في مشهد جمع بين الإيمان والوفاء، وبين التاريخ والرجاء.
بين التاريخ والرجاء
يوسف بك كرم ليس مجرد صفحة من الماضي، بل هو حاضر حيّ في ضمير الأمة. وفتح دعوى تطويبه هو اعتراف بأن التاريخ لا يُكتب فقط بالحبر، بل أيضًا بالدموع والعرق والصلاة.
إنه رجل جمع بين البطولة والقداسة، بين السيف والمسبحة، بين الأرض والسماء. واليوم، إذ ننتظر ما ستؤول إليه مراحل الدعوى، نرفع صلاتنا أن يكون هذا المسار مناسبة لإعادة اكتشاف معنى الالتزام، ومعنى أن يكون الإنسان قديسًا في قلب العالم.
في زمن تتكاثر فيه الخيبات، وتضيع فيه البوصلة، نحتاج إلى نماذج مضيئة كيوسف بك كرم، تذكّرنا بأن لبنان لم يكن يومًا بلدًا عاديًا، بل وطن رسالة، وأن القداسة ليست بعيدة عن أرضنا، بل تنبت من ترابها، وتثمر في قلوب أبنائها.
فلنصلِّ معًا، أن يُكلَّل هذا المسار بالفرح، وأن نرى قريبًا يوسف بك كرم مكرّمًا على مذابح الكنيسة، شفيعًا للبنان، ورمزًا حيًّا لقداسة تُولد من رحم الألم، وتُزهر في حقول الرجاء.
* الأب الخوري نبيل مونس هو كاهن ماروني لبناني يقيم في الولايات المتحدة، ويخدم رعية سيدة لبنان في بلدة نورمان – ولاية أوكلاهوما الاميركية. يُعرف برسالته الروحية والفكرية، وبدوره في تعزيز الهُوِيَّة المارونية والروحية في بلاد الانتشار، كما يكتب في الشأن الكنسي والوطني، جامعًا بين الإيمان العميق والالتزام الثقافي والوجداني بقضايا لبنان والكنيسة.













12/07/2025 - 11:14 AM





Comments