بيروت - اعداد جورج ديب
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يجد الجيش اللبناني نفسه في قلب معادلة معقدة تتقاطع فيها السيادة الوطنية مع التحديات الأمنية والسياسية. فبينما تتصاعد التهديدات الإسرائيلية على الحدود الجنوبية، تبرز إلى الواجهة مجددًا قضية حصرية السلاح بيد الدولة، كأحد أبرز الملفات السيادية التي لم تُحسم منذ اتفاق الطائف.
منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، شكّل ملف السلاح غير الشرعي، لا سيما سلاح حزب الله، نقطة خلافية بين القوى السياسية اللبنانية. ورغم أن اتفاق الطائف نصّ على حصرية السلاح بيد الدولة، إلا أن الواقع الميداني ظلّ مختلفًا، حيث احتفظ حزب الله بترسانته العسكرية تحت ذريعة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
العماد رودولف هيكل
تولّى العماد رودولف هيكل مهامه رسميًا كقائد للجيش اللبناني في 13 آذار 2025، ليصبح القائد الخامس عشر للمؤسسة العسكرية، خلفًا للعماد جوزاف عون. ويُعدّ العماد هيكل من أبرز الضباط في الجيش اللبناني، إذ يتمتع بخبرة ميدانية وإدارية تمتد لعقود، وكان يشغل قبل تعيينه منصب مدير العمليات في الجيش.
ويأتي تعيينه في وقت بالغ الحساسية، وسط تحديات أمنية وسياسية متصاعدة على الصعيدين الداخلي والإقليمي. ويواجه العماد هيكل مهمة صعبة تتمثل في تعزيز سيادة الدولة اللبنانية، والعمل على حصر السلاح بيد الجيش، في ظل استمرار التوترات على الحدود الجنوبية وتنامي الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويُعوّل على القيادة الجديدة للجيش في الحفاظ على الاستقرار، وتفعيل التعاون مع الشركاء الدوليين لدعم قدرات المؤسسة العسكرية، إلى جانب تعزيز ثقة المواطنين بالجيش كضامن للوحدة الوطنية والسلم الأهلي.
خطة الجيش: خمس مراحل نحو السيادة
في خطوة وُصفت بالمفصلية، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني مؤخرًا خِطَّة من خمس مراحل وضعها الجيش اللبناني لحصر السلاح بيد الدولة. تبدأ الخطة من جَنُوب الليطاني، وتمتد تدريجيًا إلى باقي المناطق، مع آلية رِقابة شهرية ترفع تقاريرها إلى الحكومة. وتفترض الخطة تعاونًا من الأطراف المعنية، وعلى رأسها حزب الله، ما يطرح تساؤلات حول مدى واقعية التنفيذ في ظل التوازنات الداخلية المعقّدة.
يتزامن هذا التوجّه مع تصعيد إسرائيلي متواصل على الحدود الجنوبية، حيث كثّفت إسرائيل مناوراتها العسكرية، ورفعت منسوب التهديدات ضد لبنان، ملوّحة بإجراءات أحادية في حال لم تُتخذ خطوات ملموسة لنزع سلاح حزب الله. وتعتبر تل أبيب أن وجود سلاح خارج إطار الدولة يشكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ما يضع لبنان أمام اختبار دقيق بين الحفاظ على سيادته وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
الجدل الداخلي حول حصرية السلاح لا يزال محتدمًا. فبينما ترى قوى سياسية أن لا دولة من دون احتكار السلاح، تعتبر قوى أخرى أن سلاح المقاومة لا يمكن فصله عن معادلة الردع مع إسرائيل. هذا الانقسام يعقّد مهمة الجيش، الذي يجد نفسه مطالبًا بتنفيذ خطة نزع السلاح دون غطاء سياسي موحّد.
التحديات اللوجستية والعسكرية
إلى جانب التحديات السياسية، يواجه الجيش اللبناني صعوبات لوجستية حادّة، أبرزها نقص المُعِدَّات والتمويل. فالمؤسسة العسكرية تعاني من تراجع الدعم الدُّوَليّ، وتدهور الوضع الاقتصادي، ما يحدّ من قدرتها على تنفيذ خطة نزع السلاح بفعالية. ويؤكد خبراء عسكريون أن نجاح الخِطَّة يتطلب دعمًا دوليًا واضحًا، وإجماعًا وطنيًا حقيقيًا.
الموقف الدولي: دعم مشروط
رحّبت جهات دولية، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بخطة حصر السلاح، معتبرةً إياها خطوة نحو تعزيز سيادة الدولة. إلا أن هذا الدعم يبقى مشروطًا بمدى التزام الحكومة اللبنانية بالتنفيذ، وبقدرة الجيش على فرض سلطته على كامل الأراضي اللبنانية.
حزب الله: بين الترقّب والتحفّظ
من جهته، لم يصدر عن حزب الله موقف رسمي حاسم تجاه خِطَّة الجيش، إلا أن مصادر مقرّبة منه عبّرت عن تحفظها، معتبرةً أن أي محاولة لنزع سلاح المقاومة تصبّ في مصلحة إسرائيل. ويبدو أن الحزب يراهن على الوقت، وعلى تعقيدات الداخل اللبناني، لتأجيل أو تعطيل تنفيذ الخِطَّة.
في ظل هذا المشهد، يخوض الجيش اللبناني معركة صامتة على جبهتين: داخلية تتطلب توافقًا سياسيًا وشعبيًا، وخارجية تفرضها التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة. وبين ضغوط الخارج وتناقضات الداخل، تبقى حصرية السلاح بيد الدولة معركة طويلة الأمد، لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بإرادة وطنية جامعة، ورؤية استراتيجية تُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة.
- ضرورة توفير دعم دولي تقني ومالي للجيش اللبناني.
- إطلاق حوار وطني شامل حول استراتيجية الدفاع الوطني.
- تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن من خلال الشفافية والعدالة.
- تحييد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية لضمان حياديتها وفعاليتها.













12/06/2025 - 14:21 PM





Comments