بيروت – بيروت تايمز - تحقيق جورج ديب
في لحظة سياسية دقيقة، وفي ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية وتكثيف الضغوط الدولية على لبنان، شكّل تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيسًا للوفد اللبناني في لجنة "الميكانيزم" تطورًا نوعيًا في مقاربة الدولة اللبنانية لمسار التفاوض غير المباشر مع إسرائيل. هذه الخطوة، التي جاءت بتوافق بين الرؤساء الثلاثة، اعتُبرت بمنزلة رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج: مفادها أن لبنان لا يزال يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات سيادية مسؤولة، وأنه منفتح على مسارات التهدئة دون التفريط بالثوابت الوطنية.
تحوّل دبلوماسي في لحظة مفصلية
قرار رئيس الجمهورية جوزاف عون بتكليف شخصية مدنية ودبلوماسية لترؤس الوفد اللبناني لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا، بل تحوّلاً لافتًا في مسار التعاطي مع الضغوط المتراكمة. فالسفير كرم، المعروف بخبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي والسياسي، لا سيما خلال فترة عمله كسفير للبنان في الولايات المتحدة ومشاركته في لقاء قرنة شهوان وثورة 14 آذار، يجسّد خيارًا سياديًا وهادئًا في آن، يطمئن الداخل ويخاطب الخارج بلغة يفهمها.
رسالة إلى المجتمع الدولي: لبنان شريك موثوق
تلقّى المجتمع الدولي هذه الخطوة بإيجابية واضحة، واعتبرها مؤشّرًا على نضج سياسي لبناني في إدارة الملفات الحساسة. وقد عبّر السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، عن ترحيبه بالقرار، مشيدًا بـ"الخطوة البنّاءة" التي اتخذتها الحكومة اللبنانية، ومؤكدًا استعداد بلاده لدعم أي مسار يعزز الاستقرار ويخفف من معاناة الشعوب.
احتواء التصعيد وتحصين الداخل
مصادر سياسية مطلعة أكدت لـ"بيروت تايمز" أن تعيين كرم جاء في إطار تفاهم وطني واسع، شمل الرئيس نبيه بري والرئيس نواف سلام، ما أضفى على القرار غطاءً سياسيًا وطائفيًا جامعًا، وأسقط أي ذريعة يمكن أن تُستخدم لتأجيج الانقسام الداخلي أو تبرير تصعيد خارجي. كما أن هذه الخطوة ساهمت في تبريد الأجواء، ووفّرت مظلة تفاوضية قد تتيح للبنان التقاط أنفاسه في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتهديدات أمنية متصاعدة.
"الميكانيزم" بين التفاوض والتهدئة
رغم الضجة التي أثارها تكليف كرم، خصوصًا في بعض الأوساط الشيعية، فإن مصادر متابعة شددت على أن التفاوض لا يزال ضمن الإطار غير المباشر، وأن إدراج شخصية مدنية لا يعني تطبيعًا أو تنازلًا، بل هو محاولة لتعزيز الطابع المؤسساتي والوطني للوفد اللبناني. كما أن التنسيق المسبق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الراعي التقليدي لهذا الملف، أضفى على الخطوة شرعية إضافية، وقطع الطريق على أي تأويلات مغلوطة.
توازن دقيق في لحظة إقليمية مضطربة
في ظل بيئة إقليمية متقلبة، ووسط تصعيد إسرائيلي متواصل، بدا أن لبنان اختار السير على حبل دقيق بين التهدئة والحفاظ على الثوابت. فالمسيرات الإسرائيلية لم تغادر الأجواء اللبنانية، والتهديدات بشنّ حرب واسعة لا تزال قائمة، لكن تعيين كرم أرسل إشارة واضحة بأن لبنان لا يسعى إلى التصعيد، بل إلى احتواء الأزمة عبر أدوات دبلوماسية مدروسة.
نافذة أمل مشروطة بالثبات الداخلي
ترؤس السفير سيمون كرم للوفد اللبناني في "الميكانيزم" ليس مجرد تعيين إداري، بل خطوة سياسية بامتياز، أعادت بعضًا من الثقة الدولية بالسلطة اللبنانية، وفتحت نافذة أمل في جدار الأزمة. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بقدرة الداخل اللبناني على الحفاظ على التماسك، وبمدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية لالتقاط هذه الإشارة الإيجابية والبناء عليها.













12/04/2025 - 16:25 PM





Comments