السفير الأميركي يشيد بالحوار اللبناني – الإسرائيلي ويثمّن احتضان لبنان للبابا لاوون الرابع عشر
مصادر دبلوماسية لـ"بيروت تايمز": خطوة عون احتواء للانفجار... في خطوة نحو الاستقرار وتحول لافت في مسار التعامل مع الضغوط التي تراكمت على لبنان
مصادر عسكرية أكدت لـ"بيروت تايمز" أن الخطر الإسرائيلي لم يكن يقتصر على احتمال ضرب مواقع حزب الله أو مناطقه، بل استهداف بنى تحتية حيوية ومؤسسات رسمية.
بيروت – بيروت تايمز – منى حسن
في لحظة سياسية بالغة الحساسية، وفي ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على لبنان، جاءت خطوة رئيس الجمهورية جوزاف عون بالموافقة على الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وتكليف شخصية دبلوماسية مدنية لترؤس الوفد اللبناني، لتشكّل منعطفًا استثنائيًا في مسار التعاطي الرسمي مع التهديدات المتراكمة.
فما بين التلويح الإسرائيلي بالتصعيد العسكري، والتضييق الاقتصادي المتزايد، وجد لبنان نفسه أمام خيار حاسم: إما الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، أو التقاط فرصة تفاوضية قد تفتح نافذة تهدئة وتمنح البلاد هامشًا من الاستقرار في لحظة إقليمية متقلّبة.
المناخ الذي سبق هذا القرار لم يكن عاديًا، بل كان مشحونًا بمؤشرات خطيرة، بعضها عسكري مباشر تمثّل في تحليق مكثف للطيران المسيّر الإسرائيلي فوق العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية، وبعضها الآخر سياسي واقتصادي، تمثّل في تصعيد الضغوط الغربية وتضييق الخناق على لبنان ماليًا ودبلوماسيًا. هذه التهديدات المتعددة الأوجه وضعت البلاد على حافة مواجهة شاملة، كانت ستطال مؤسسات الدولة وبناها التحتية، وتُغرقها في دوامة من الفوضى والانهيار.
في هذا السياق، بدت مبادرة الرئيس عون بمثابة محاولة استباقية لاحتواء الانفجار، وفتح مسار تفاوضي غير مباشر يخفف من حدة التوتر، ويمنح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه. وقد جاءت هذه الخطوة ضمن مظلة توافق وطني نادر، شمل موافقة رئيس مجلس النواب نبيه بري، بصفته الممثل الأبرز للطائفة الشيعية، ودعم رئيس الحكومة نواف سلام، ما أضفى على القرار شرعية سياسية وطائفية واسعة، وأسقط أي ذريعة يمكن أن تستخدمها إسرائيل لتبرير تصعيد عسكري واسع النطاق.
هذا التفاهم الداخلي، الذي تبلور في لحظة دقيقة، لم يكن مجرد إجراء تقني، بل عكس إرادة سياسية واضحة في إدارة الأزمة بأقل كلفة ممكنة، ومنع انزلاق البلاد إلى المجهول. كما أنه وجّه رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج: مفادها أن لبنان، رغم أزماته، لا يزال قادرًا على اتخاذ قرارات سيادية متزنة، وأنه منفتح على الحلول السياسية التي تحفظ أمنه واستقراره دون التفريط بثوابته الوطنية.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز أهمية الدور الأميركي، الذي عبّر عنه السفير ميشال عيسى بإشادة واضحة بقرار الحكومة اللبنانية، معتبرًا أن فتح قناة حوار مع إسرائيل في هذا التوقيت الحرج خطوة بنّاءة تعبّر عن نية صادقة في السعي إلى حلول سلمية مسؤولة. كما أكد التزام بلاده بدعم كل جهد يهدف إلى تعزيز الاستقرار وتخفيف المعاناة عن الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة في صراعات المنطقة.
هكذا، يجد لبنان نفسه اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة تموضعه في المشهد الإقليمي، عبر مقاربة عقلانية للأزمات، تستند إلى التهدئة والحوار، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تحمل في طياتها بداية الخروج من النفق، إذا ما أحسن الداخل اللبناني التقاط اللحظة وتحصينها بتماسك سياسي ووطني حقيقي.
الخطر الإسرائيلي
مصادر عسكرية أكدت لـ"بيروت تايمز" أن الخطر الإسرائيلي لم يكن يقتصر على احتمال ضرب مواقع حزب الله أو مناطقه، بل إن المقاربات الغربية والإسرائيلية كانت تتحدث عن إمكانية استهداف بنى تحتية حيوية، ومؤسسات رسمية، وحتى شبكات الخدمات الأساسية. وفوق كل ذلك، كان لبنان مهددًا بضغوط اقتصادية ضخمة، تشبه في بعض أوجهها ما عاشته غزة خلال سنوات الحصار، بما يشمل تجفيف مصادر التمويل والتضييق على حركة التحويلات والمساعدات.
وفي هذا المناخ المضطرب، أكدت مصادر سياسية لـ"بيروت تايمز" أن قرار الرئيس عون يُعدّ خطوة جريئة، لا سيما أنه جاء تحت مظلة توافق وطني واسع، شمل موافقة الرئيس نبيه بري، بصفته الممثل الأبرز للطائفة الشيعية، إلى جانب دعم الرئيس نواف سلام. وأن هذا التفاهم الداخلي وضع حدًا لمحاولات الدفع نحو التصعيد، وأسقط أي ذريعة يمكن أن تستخدمها إسرائيل لتبرير خطوات عسكرية واسعة ضد لبنان.
الأهم أن عون اختار مقاربة هادئة ومنهجية، بعيدة عن الصدام مع أي مكوّن لبناني، ومنسجمة مع الخطاب الذي اعتمده منذ يوم انتخابه، مرورًا بمواقفه في المحافل الدولية، وصولًا إلى كلمته الأخيرة خلال استقبال الحبر الأعظم البابا ليون الرابع عشر، حيث شدد على حاجة لبنان إلى الأمن والاستقرار.
وكشفت مصادر دبلوماسية عربية أن هذه الخطوة قد تكون المدخل الأساسي لمسار أطول، يبدأ بتهدئة حقيقية، وقد يُفتح لاحقًا على مرحلة إعادة الإعمار وعودة الاستثمارات العربية والخليجية، وهذا ما يتطلع إليه الشعب اللبناني.
وبذلك يثبت الرئيس جوزيف عون أنه يتعامل مع اللحظة المفصلية بكثير من المسؤولية، وأنه يتحمّل أعباءً شاقة ربما لم يكن أي رئيس آخر ليتصدى لها، في وقت يقف فيه لبنان أمام خيارين: الانهيار الكامل أو التقاط فرصة إنقاذ أخيرة قبل فوات الأوان في محيط عربي يجنح نحو السلام ووقف مسار الحروب.
الضجة الكبيرة
الضجة الكبيرة التي أثارها تكليف السفير السابق سيمون كرم ترؤس الوفد اللبناني في منصة "الميكانيزم" لا تنسحبُ حصرًا على المعترضين، بل تنعكسُ على الشارع الشيعي – الشيعي.
ما فُهم علنًا بشأن تكليف كرم هو أنّ لبنان سلك التفاوض المباشر مع إسرائيل، علمًا أن الأمر ليس كذلك، فلبنان ما زال يتفاوض مع تل أبيب عبر "الميكانيزم"، وبالتالي الحفاظ على الطريق "غير المباشر" الذي يتمسك به لبنان حاليًا، وفق ما تقول مصادر سياسية لـ"بيروت تايمز".
في الواقع، فإن شظايا "قنبلة" تعيين كرم انعكست على أوساط الطائفة الشيعية نفسها، خصوصًا أن بيان رئاسة الجمهورية بشأن كرم أكد أن مسألة اختيار الأخير جاءت بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، علمًا أن الأخير كان وما زال متمسكًا بعدم حصول أي تفاوضٍ مباشر مع إسرائيل، فيما إدراج عنصرٍ مدنيّ لا يعني حصول تطبيع أو حتى تسليم بما تريده تل أبيب.
وتشير المصادر إلى أن بري أراد تنظيم التفاوض عبر "الميكانيزم" وتدعيمه أكثر لتبقى هي الإطار الوحيد والأساسي، موضحة أن وجود كرم من عدمه لا يؤثر على عمل اللجنة ولا حتى على القرارات التي ستأخذها الولايات المتحدة مع إسرائيل.
مصادر سياسية اكدت لـ"بيروت تايمز" ان "حزب الله" بات ملزماً القبول أكثر بأي شرط يوافق عليه بري، من شأنه أن يؤدي إلى لجم أي تصعيد إسرائيلي تجاه لبنان، مشيرة إلى أنّ كرم لن يُفاوض "على كيفه"، بل انطلاقًا من المبادئ التي يتبناها رئيس الجمهورية جوزاف عون بالتنسيق مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام.
عمليًا، ترى المصادر أن ما قام به بري يعتبر أساسيًا لتحصين الطائفة الشيعية من أي خطر يتهددها حاليًا، وهذا هو الأمر الذي لا يمكنه التنازل عنه بتاتًا. وللعلم، فإنّ سيناريو حصول معركة ضد "حزب الله" لم ينتهِ نهائيًا، فهو أمرٌ ما زال مطروحًا، وبالتالي قد تشهد مرحلة ما بعد تعيين كرم ضغوطًا عسكرية للانتقال إلى شروط أكثر صرامة.
وعليه، تقول المصادر إن مسألة كرم قد تكون جس نبضٍ للشارع ولمعرفة نوايا إسرائيل أيضًا، فيما هناك سيناريو يتحدث عن إمكانية استبدال كرم لاحقًا، وهو أمرٌ لا يمكن نفيه أو تأكيده طالما أنّ الأمور في بداياتها وخواتيمها غير معروفة.
الحدث المفاجئ
لعلّ حصول "الحدث" المفاجئ غداة زيارة استثنائية الطابع للبابا لاوون الرابع عشر، أفعم الآمال الكبيرة في نفوس اللبنانيين، وأكسبه دلالات استثنائية أيضًا، دفعت بمعظم اللبنانيين إلى التفاؤل بإمكان إزاحة حجر الخوف من حرب جديدة عن صدورهم.
ولكن مع ذلك، فإنّ الاختبار الطارئ لا يزال في بداية رحلته، بما يوجب البقاء على درجة عالية من الحذر، بدليل أنّ إسرائيل لم تتأخر في إطلاق اجتهاداتها وتفسيراتها الخاصة لتوسيع مستوى المفاوضين في لجنة "الميكانيزم"، بإضافة موفدين مدنيين صارا رئيسي الوفدين الأمنيين اللبناني والإسرائيلي.
يمكن القول، بعد اليوم الدبلوماسي المفاجئ، إنّ لبنان خطا بقوة عبر قرار مفاجئ استثنائي اتخذه رئيس الجمهورية جوزف عون، وتشاور حياله مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، كما كثّف التنسيق بشأنه مع واشنطن، في اتجاه محاولة متقدمة جدًا لاحتواء أو تطويق أو منع تفجّر سيل التهديدات الإسرائيلية بحرب واسعة على "حزب الله" ولبنان، من خلال تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيسًا دبلوماسيًا مدنيًا للوفد اللبناني إلى اجتماعات لجنة "الميكانيزم".
المفاجأة أخذت مداها الأقصى لجملة أسباب، أولها موافقة الفريقين، لبنان وإسرائيل، على رفع مستوى التفاوض داخل اللجنة، ولو أنه لا يرقى واقعيًا إلى مستوى مفاوضات دبلوماسية – سياسية مباشرة من شأنها أن تفضي إلى اتفاق ذي طابع تطبيعي.
فالطابع الأمني صار مطعّمًا بطابع دبلوماسي، الأمر الذي لا يمكن تجاهل أثره الضمني والعلني الفعّال، خصوصًا أنّ لبنان تعمّد التأكيد أنه فعل ذلك بالتنسيق الاستباقي المباشر مع الراعي الكبير لمجمل هذه العملية، أي الولايات المتحدة الأميركية.
الاعتبار الآخر لأهمية الحدث أنّ رئيس الجمهورية نجح في اختيار شخصية مرموقة ومجرّبة وتُعتبر من رموز الخط السيادي الصلب، إذ إنّ السفير السابق في الولايات المتحدة، سيمون كرم، معروف بخبرته وبطول باعه في الدبلوماسية والتعامل الخبير مع الأميركيين، كما في العمل السياسي، خصوصًا إبان حقبة عمله ضمن لقاء قرنة شهوان وثورة 14 آذار. واختياره أحدث ارتياحًا واسعًا، واقترن بطبيعة الحال بتوافق الرؤساء الثلاثة.
وثمّة سبب ثالث أضفى أهمية على الخطوة، تمثّل في معطيات تتوقع أن يُسرّع لبنان خطواته الميدانية في جنوب الليطاني، وإطلاق إشارة عملية إلى الانتقال إلى شماله، بما قد يساعد محاولاته لاحتواء الخطر المتصاعد من اقتراب موعد تنفيذ التهديدات بالضربات الإسرائيلية الواسعة.
موقف الحزب
رغم أنّ الكثير من النقاش الدائر يتركّز على موقف "الحزب" من التطورات الجارية، إلا أنّ جوهر اللحظة السياسية يتجاوز حساباته المباشرة ليطال قدرة الدولة نفسها على انتزاع مكسب فعلي من المناخ القائم.
وبحسب المصادر، فإنّ مجرّد الإعلان عن الاستعداد للانخراط في مسار تفاوضي أوسع لا يعني تلقائيًا أن الطرف المقابل سيتجاوب، خصوصًا في ظل بيئة إسرائيلية داخلية مضطربة تجعل أي خطوة باتجاه التهدئة مخاطرة سياسية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
وفي هذا الإطار، يتحرك لبنان بمنطق الحدّ من الخسائر قدر الإمكان، عبر تبريد الساحة وانتزاع الذرائع التي قد تُستخدم لرفع مستوى التصعيد، مع ترك المجال للقوى الدولية لتحديد الجهة التي تُعرقل الوصول إلى تهدئة مستقرة تُخرج البلد من دائرة الاستنزاف.
ومن هنا يمكن فهم التقاطع بين مواقف الرئاسات الثلاث باعتباره محاولة لإدارة المرحلة بأقل كلفة ممكنة، وليس سعيًا لفرض معادلة جديدة في ظل ميزان قوى لا يسمح بترف الخيارات الواسعة.
في النهاية، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة دقيقة تتراكم فيها الضغوط وتتقلّص فيها الخيارات، بحيث يُضطر للتقدّم وفق منطق إدارة الأزمة لا وفق ما يطمح إليه من حلول.
وهذا الواقع يفرض على بيئة "حزب الله" التعامل مع توازنات سياسية مختلفة، بما يحمله ذلك من تحديات داخلية وخارجية.
ومع محدودية القدرة على تغيير المشهد في المدى القريب، تبقى البلاد معلّقة على ما ستشهده الساحات الإقليمية والدولية من تبدلات قد تعيد رسم خطوط اللعبة وتحدّد شكل موقع لبنان في المرحلة المقبلة.
المسيرات الإسرائيلية لم تهدأ
استفاق سكان الضاحية الجنوبية والعاصمة بيروت على هدير المسيرات الإسرائيلية التي تجول في سماء العاصمة بيروت، وعلى هدير منخفض وبوتيرة تصاعدية في صوتها.













12/04/2025 - 16:12 PM





Comments