بيروت - بيروت تايمز متابعة - منى حسن
احتضنت ساحة الشهداء في وسط بيروت اللقاء المسكوني والحواري بين الأديان، حيث شارك في لقاء البابا لاوون الرابع عشر كل من: البطريرك الماروني يشارة بطرس الراعي، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية والقدس للروم الكاثوليك مار يوسف الاول العبسي، كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس لبيت كيليكيا الكاثوليكوس آرام الأول، بطريرك كيلّيكيا للأرمن الكاثوليك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون مينيسيان، بطريرك السريان الارثوذكس مار اغناطيوس افرام الثاني، بطريرك السريان الكاثوليك الانطاكي مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان المطران ميشال قصارجي، النائب الرسولي للاتين في لبنان المطران سيزار أسايان، رئيس الطائفة الاشورية المطران مار مليس زيا، رئيس الطائفة القبطية في لبنان وسوريا القمص اندراوس الانطوني، رئيس المجمع الاعلى للطائفة الإنجيلية في لبنان وسوريا القس جوزف قصاب، مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ علي الخطيب، المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان، شيخ العقل لطائفة الموحّدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، رئيس المجلس الاسلامي العلوي الشيخ علي قدور، راعي أبرشية بيروت المارونية المطران بولس عبد الساتر، بطريرك الاسكندرية للأقباط الكاثوليك الأنبا إبراهيم إسحق سدراك، بطريرك الكلدان في العراق والعالم الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو، بطريرك القدس للاتين الكاردينال بيير بتيستا بيتسابالا.
كما حضر المطارنة: شارل مراد، دانيال كورية، يوسف سويف. وأمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، رئيس مجمع تعزيز الوحدة المسيحية الكاردينال كورت كوخ، رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال كلاوديو غوجيروتي، رئيس مجمع الحوار بين الأديان الكاردينال جورج جاكوب كوفاكاد.
افتتح بطريرك الكنيسة السريانية الكاثوليكية، مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان، اللقاء بكلمة مؤثرة، قال فيها: "كما قال البابا يوحنا بولس الثاني، لبنان ليس مجرّد بلد، وإنما رسالة إلى منطقتنا والعالم أجمع."
وأضاف البطريرك يونان خلال اللقاء المسكوني مع البابا لاوون الرابع عشر في ساحة الشهداء:
"زيارة البابا تتزامن مع محطتين أساسيتين: الحدث الأول هو الذكرى الأولى للمجمع المسكوني، والثاني هو الدعوة إلى الحوار ما بين الأديان."
وتابع: "زيارتكم تُعبّر عن الاحترام العميق الذي تُعطيه الكنيسة العالمية لهذه المنطقة."
وأكد البطريرك أن هذه الزيارة المباركة:
"ستشجعنا وتحثّنا على تقوية إيماننا، وعلى العيش المشترك والاحترام المتبادل بين الأديان."
وختم بالقول: "يجب أن نكون صُنّاع سلام في لبنان وفي الشرق الأوسط، ودعونا نضع ثقتنا بالله."
من جهته رحّب البطريرك يوحنا العاشر يازجي بالبابا لاوون الرابع عشر، مؤكدًا أن لبنان هو الأرض التي انغرس فيها صليب المسيح، بلد فريد يتنفس في بيئتيه المسيحية والإسلامية، مشددًا على رمزية الزيارة وأهميتها كرسالة روحية ووطنية.
وعبّر مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان عن سروره باستقبال البابا، معتبرًا أن لبنان بلد التعايش والتعدد الطائفي، حيث تُحترم الحريات الدينية وحقوق الإنسان، وتُصان شرائع الطوائف وفق الدستور. وأكد أن الإسلام هو امتداد لمسيرة إيمانية توحيدية من آدم إلى محمد، مشيرًا إلى مواقف تاريخية تجسّد التعايش، كقصة هجرة المسلمين إلى الحبشة واستقبال النجاشي لهم. كما استشهد بوثيقة المدينة المنورة التي أرست مبدأ الأمة الواحدة بين المسلمين وأهل الكتاب، مؤكدًا أن وثيقة الأخوة الإنسانية تجسّد هذا النهج.
وختم المفتي دريان كلمته بالتشديد على أن لبنان هو أرض الرسالة، وأن اللبنانيين مؤتمنون دينيًا وأخلاقيًا ووطنياً على حمل مشعلها حتى يعمّ السلام والمحبة بين الأمم.
استُقبل البابا بتصفيق حار، واعتلى المنصة وسط هتافات "ليحيا البابا"، مصافحًا رؤساء الطوائف المشاركين في اللقاء والقى الكلمة التالية.
أيها الأخوة والأخوات والأعزاء،
بتأثرٍ عميقٍ وامتنانٍ كبير، أقف معكم اليوم هنا، في هذه الأرضِ المبارَكَة، الأرض التي مجَّدَها أنبياء العهدِ القديم، الذين رأوا في أرزها الشامخ رمزًا للنفس البارة التي تُزهِرُ تحت نظرةِ السَّماءِ السَّاهِرَة ، والأرض التي لم يَنطَفِئُ فيها صدَى الكلمة Logos" قط، بل استمرَّ ، جيلا بعد جيل، ينادي كل الراغبينَ لكي يفتحوا قلوبهم للهِ الحَيّ.
في الإرشادِ الرّسولي بعد السينودس، "الكنيسة في الشرق الأوسط"، الذي وقعه البابا بندكتس السادس عشر هنا في بيروت سنة 2012، شدَّدَ قداسته على أنَّ طبيعة الكنيسة ودعوتها الجامعة تقتَضيان منها أن تفتح الحوار مع أعضاء سائر الديانات. يرتكز هذا الحوارُ في الشَّرقِ الأوسط على الرّوابِطِ الرّوحيّةِ والتّاريخيّةِ التي تَجمَعُ المسيحيين مع اليهود والمسلمين. هذا الحوار لا تمليه أولا اعتبارات براغماتية سياسية أو اجتماعية، بل يستند ، قبل كل شيء، إلى أُسَسٍ لاهوتية مرتبطة بالإيمان (رقم)19 .
الأصدقاء الأعزّاء،
إنَّ حضوركم هنا اليوم، في هذا المكان الفريد، حيث تَقِفُ المآذنُ وأجراس الكنائس جنبًا إلى جنب، مرتفعةً نحو السّماء، يَشْهَدُ على إيمانِ هذه الأرضِ الرّاسخ وعلى إخلاص شعبها المتين للإله الواحد. هنا، في هذه الأرض الحبيبة، لِيَتَّحدُ كلُّ جَرَسٍ يُقرَع، وكلُّ آذان، وكلُّ دعوة إلى الصّلاةِ في نشيدٍ واحدٍ وسام، ليس فقط لتمجيد الخالقِ الرّحيم، خالِقِ السّماءِ ،والأرض، بل أيضًا لِرَفع ابتهال حارّ من أجل عطيّة السّلام الإلهيّة.
منذ سنواتٍ عديدة، ولا سيّما في هذه الأيّام، توجهت أنظارُ العالم إلى الشرق الأوسط، مهد الديانات الإبراهيمية، تَنظُرُ إلى المسيرةِ الشَّاقَةِ والسَعِي الدَائِمِ لعطيّةِ السّلام. أحيانًا تَنظُرُ الإنسانية إلى الشرق الأوسط بقلقٍ وإحباط أمام صراعاتٍ مُعَقَّدَةٍ ومُتَجَذِّرَةٍ عبر الزمن. مع ذلك، وسط هذه التحدّيات، يمكننا أن نَجِدَ معنّى للرّجاءِ والعزاء عندما نُرَكَّزُ على ما يَجمَعُنا: أي على إنسانيتنا المشتركة، وإيماننا بإله المحبّة والرّحمة في زمن يبدو فيه العيش معا حُلُمًا بعيد المنال، يبقى شعبُ لبنان، بدياناته المُختَلِفَة، مذكّرًا بقوة بأنّ الخوف، وانعدام الثقة والأحكام المُسبَقَةِ ليست لها الكلمةُ الأخيرة، وأنّ الوحدة والشركة والمصالحة والسّلامَ أمرٌ مُمكن. إنّها رسالة لم تتغيَّر عبر تاريخ هذه الأرض الحبيبة:
الشهادة للحقيقة الدائمة بأنّ المسيحيين والمسلمين والدّروز وغيرهم كثيرون، يُمكنهم أن يَعِيشُوا معا ويَبنُوا معًا وطنًا يَتَّحدُ بالاحترام والحوار.
قبل ستين سنة، فتح المجمع الفاتيكاني الثَّاني، بإعلانه وثيقة في عصرنا - Nostra aetate“ ، أُفُقًا جديدًا للقاء والاحترام المتبادل بين الكاثوليك وأبناء الديانات المختلفة، وأكَّد أنَّ الحوار الحقيقي والتّعاوُنَ الصَّادِقَ مُتَجَذِرانِ في المحبّة، الأساس الوحيد للسّلام والعدل والمصالحة. هذا الحوار، الذي يَستَمِدُّ إلهامه من المحبّة الإلهيّة، يجب أن يُعانِقَ كلَّ أصحاب النوايا الحسنة، ويرفض التحيّز والتفرقة والاضطهاد، ويُؤكِّد على مساواة كرامة كلّ إنسان.
تمَّت خدمة يسوع العلنية بشكل رئيسي في الجليل واليهوديّة، إلّا أنّ الأناجيل تروي أيضًا أحداث زيارته لمنطقة المدن العشر، وأيضًا لنواحي صُور وصيدا، حيث التقى المرأة السريانية الفينيقية التي دَفَعَه إيمانُها الرّاسِخُ لِيَشفِيَ ابنتها (راجع مرقس ،7 24-30 ). هنا، صارَت الأرضُ نفسُها أكثر من مجرّدِ مكان لقاء بين يسوع وأمّ تَبْتَهِلُ إليه، بل صارت مكانًا يتخطّى فيه التّواضع والثّقة والمثابرة كلَّ الحواجز، وتلتقي بمحبّةِ اللهِ اللامتناهية التي تُعانِقُ كلَّ قلبٍ بشر. في الواقع، هذا هو "جوهر الحوار بين الأديان: اكتشافُ حضور الله الذي يتجاوز كل الحدود، والدّعوة إلى أن نبحث عنه معًا باحترام وتواضع".
وإن كانَ لبنان مشهورًا بأرزه الشامخ، فإنَّ شجرة الزيتون أيضًا تُشَكَّل حجرًا أساسيا في تراثه وشجرةُ الزّيتون، لا تُزَيَّنُ فقط المكان الذي نحن مُجتَمِعُونَ فيه اليوم، بل هي مُكَرَّمَةٌ في النّصوص المقدّسة في المسيحية واليهوديّة والإسلام، وتُشكّلُ رمزًا خالدًا للمصالحة والسّلام. عُمرُها الطّويلُ وقُدرَتُها الفريدة على الازدهار، حتّى في أشدّ البيئاتِ قَساوةً، يرمزان إلى البقاء والرّجاء، ويَعكِسانِ التزامها وصُمودَها لتنمية العيش معًا، من هذه الشَّجرةِ يَتَدَفَّقُ زيتٌ يَشفِي، وهو بَلسَمٌ لجِراحِ الجسدِ والرّوح، يُظهِرُ رحمة الله اللامحدودة لكل المتألّمين، وزيت يوفّرُ النّور أيضًا، ويُذَكَّرُنا بالدّعوة إلى أن تنير قلبنا بالإيمان والمحبّةِ والتّواضع.
كما تمتد جذورُ الأرز والزّيتونِ عميقًا وتَنتَشِرُ في الأرض، كذلك أيضًا يَنتَشِرُ الشَّعبُ اللبناني في العالم، لكنَّه يَبقَى مُتَّحِدًا بقوَّةِ وطنِهِ الدّائمةِ وتراثه العريق. حضورُكم هنا وفي العالم كلّه يُغنِي الكَوكَبَ بارثِكُم الذي يَرجِعُ إلى آلاف السنين، وهو أيضًا دَعوة. ففي عالمٍ يزدادُ ترابطًا، أنتم مدعُوُونَ إلى أن تكونوا بُناة سلام وأن تواجهوا عدم التسامح، وتَتَغَلَّبُوا على العُنف، وتَرفُضُوا الإقصاء، وتُنِيرُوا الطَّريق نحو العدل والوئام لِلجَمِيع، بشهادَةِ إيمانِكُم.
أيُّها الإخوة والأخواتُ الأعزّاء،
إنّ الخامس والعشرينَ مِن آذار من كلّ سنة هو عيد وطني تحتفلون به في بلدكم، وتُكَرِمُون معًا، مريم، سيّدة لبنان، المُكَرَّمَةَ في مزارِها في حريصا، الذي يُزَيّنُهُ تمثال مهيب للعذراء وذراعاها مَفتُوحَتَانِ لَكَي تُعائنقَ كُلَّ الشَّعبِ اللبناني.
ليَكُن هذا العِناقُ الوالِدِيُّ والمُحِبُّ من مريم العذراء، أم يسوع وملكة السّلام هداية لكلّ واحدٍ منكم، حتّى تفيض في وطنكم، وفي كل الشرق الأوسط، وفي العالم أجمع، عطيّة المصالحة والعيش السلمي "مثل الأنهار التي تَجري مِن لبنان" (راجع نشيد الأناشيد 4 /15)، وتحمل الرّجاءَ والوحدة والشركة للجميع.
تلاوات روحية جامعة
بعد الكلمات، تمت تلاوة آيات من القرآن الكريم، تلتها تلاوة للإنجيل مرنّمة وفق الطقس البيزنطي، في لحظة روحية جامعة تعكس عمق التلاقي بين الأديان، وتُجسّد رسالة لبنان كجسر للحوار والسلام في المنطقة والعالم.













12/01/2025 - 14:02 PM





Comments