زيارة البابا الى لبنان: صلاة على أرض ممزقة… ورسالة وحدة من السماء

11/24/2025 - 21:55 PM

secureaisystems

 

 لبنان يريد السلام، من بابا السلام

 

بيروت تايمز - تحقيق إخباري من إعداد الأب الدكتور نبيل مونس

 

لبنان يستعد لاستقبال حدث تاريخي وروحي بالغ الأهمية: الزيارة الرسولية لقداسة البابا لاوون الرابع عشر، والتي تمتد من 30 تشرين الثاني إلى 2 كانون الأول، وتحمل شعارًا مؤثرًا: "طوبى لفاعلي السلام".

هذه الزيارة، الأولى منذ انتخابه البابا في أيار الماضي، تأتي في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، وَسَط أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة، وتُعد فرصة لإعادة بث الرجاء في النفوس، وتعزيز الحوار بين الطوائف، وتأكيد مكانة لبنان كرسالة تعايش في الشرق الأوسط.

الزيارة الباباوية تأتي في سياق تاريخي طويل من العِلاقة الروحية بين الكرسي الرسولي ولبنان، البلد الذي صمد لأكثر من 1600 عام في وجه التحديات الدينية والسياسية، محليًا وإقليميًا وعالميًا، مستندًا إلى إيمانه العميق وسلامه الذي لا يقهر.

فمنذ أن وطأت أقدام السيد المسيح أرضه، ووجد فيها إيمان المرأة الكنعانية، إلى تأسيس مار بطرس الصخرة جماعات مسيحية في صور وصيدا وجبيل وأنطاكية، بقي لبنان أرضًا للسلام والكلمة والنور، محروسًا بروح الرب الذي "يهبّ حيث يشاء".

لبنان شهد ثلاث زيارات بابوية تاريخية: الأولى عام 1964 حين توقّف البابا بولس السادس في مطار بيروت، والثانية عام 1997 مع البابا القديس يوحنا بولس الثاني الذي كرّس لبنان "بلد الرسالة واللقاء"، والثالثة عام 2012 حين زار البابا بندكتوس السادس عشر بيروت وسلّم الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط".

تأتي الزيارة المرتقبة للبابا لاوون الرابع عشر لتؤكّد مجددًا على مكانة لبنان الروحية، ولتقديس تضحيات الأبرياء في بيروت، وحماية أرض الجنوب، وتثبيت رسالة العيش المشترك في وطنٍ لا يزال يحمل مشعل القداسة رغم الجراح والانقسامات.

في ظلّ الأزمات المتلاحقة، يرفع اللبنانيون صلاتهم إلى السماء، مردّدين مع النبي إشعيا: "ليتك تشقّ السماوات وتنزل، فتتزلزل الجبال من وجهك" (إش 64: 1)، آملين أن تمطر عليهم السماء سلام الصدّيق، وتظلّلهم بركة القديسين والشهداء، من شربل إلى رفقا، ومن يعقوب إلى إسطفان، ومن الأب بشارة إلى الشهيد وهيب كيروز، وجميع الأبرار الأحياء والمخطوفين والمظلومين.

المسيحيون في لبنان: جذورٌ راسخة ورسالةٌ مهدّدة

لطالما شكّل المسيحيون في لبنان ركيزة الهوية الوطنية، وحملة رسالة العيش المشترك، والثقافة، والانفتاح، أسّسوا المدارس والمستشفيات، وشاركوا في بناء الدولة، وحافظوا على التنوّع في وجه العواصف. لكنهم اليوم يعيشون قلقًا وجوديًا، أمام التهجير، والانهيار، وتراجع الحضور في القرار الوطني. يخافون أن يُمحى دورهم، أو يُختزل في رمزية تاريخية.

تأتي زيارة البابا إلى لبنان كنداء رجاء، لتثبيت هذا الدور، وتكريس لبنان بلدًا للرسالة، ولإعادة إحياء الإيمان في أرضٍ تعب فيها القديسون، ونزف فيها الأبرياء، وما زالت تنتظر سلامًا لا يُقهر.

خلفية الزيارة: من نيقية إلى بيروت

قبل وصوله إلى لبنان، يشارك البابا في احتفالات الذكرى الـ1700 لانعقاد مجمع نيقية المسكوني في تركيا، ما يضفي على زيارته طابعًا كنسيًا ورسوليًا عميقًا. وتُعد هذه الزيارة أول محطة خارجية له منذ اعتلائه السدة البابوية، ما يعكس اهتمامًا خاصًا بلبنان، الذي وصفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني بأنه "أكثر من وطن، إنه رسالة".

التحضيرات الأمنية واللوجستية

تشرف اللجنة الوطنية، برئاسة السيدة الأولى نعمت عون، على التحضيرات اللوجستية، بالتنسيق مع اللجنة الكنسية التي يرأسها المطران ميشال عون. تشمل التحضيرات تجهيز المنصات، تأمين وسائل النقل، تنظيم الحشود، وتوفير التغطية الإعلامية الشاملة.

 

اللقاء المسكوني في ساحة الشهداء: إعلان الترتيبات الرسمية

في مؤتمر صحافي عُقد في المركز الكاثوليكي للإعلام، تم الإعلان عن تفاصيل اللقاء المسكوني بين الأديان الذي سيُقام بمشاركة قداسة البابا لاوون الرابع عشر، وذلك عند الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم الإثنين، الأول من كانون الأول، في ساحة الشهداء.

شارك في المؤتمر كلٌّ من رئيس اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي-الإسلامي في لبنان ومنسق اللقاء، المطران مار متياس شارل مراد، ورئيس اللجنة الأسقفية للعمل المسكوني المطران يوسف سويف، إلى جانب مدير المركز الكاثوليكي والمنسق الإعلامي الكنسي لزيارة البابا، المونسنيور عبده أبو كسم. كما حضرت ميشلين أبي سمرا ممثلةً عن شركة "سوليدير"، وعضو لجنة تنظيم اللقاء الإعلامية ليا عادل معماري.

البُعد الروحي والرسالة الإنسانية

تحمل زيارة البابا رسالة سلام إلى شعوب الشرق الأوسط، وتُعد فرصة لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين، وتعزيز الحوار بين الأديان. اللقاء المسكوني في ساحة الشهداء، سيجمع ممثلين عن مختلف الطوائف، ويُقام تحت خيمة رمزية تُجسد التلاقي المسيحي الإسلامي.

كما يُتوقع أن تحمل عظة البابا في بيروت مضامين روحية وإنسانية عميقة، قد تُعيد توجيه الخطاب الوطني نحو المصالحة والرجاء، في وطن يبحث عن قيامته وَسَط الانقسامات.

العائلة اللبنانية: استعداد وجداني

تستعد العائلات اللبنانية لهذا الحدث بروح من الترقب والفرح، إذ يُنظر إلى الزيارة كفرصة للشفاء من جراح الانقسامات المادية والنفسية والسياسية. في ظل الأزمات المتراكمة، تُعد لحظة اللقاء مع الحبر الأعظم نافذة رجاء، تعيد ربط القلوب وتُحيي الإيمان في زمن الظلام.

اللبنانيون ينتظروا من زيارة البابا إلى لبنان دعمًا روحيًا ومعنويًا

زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل لحظة استثنائية ينتظرها اللبنانيون بشغف وأمل، وسط واقع مثقل بالأزمات والانقسامات. هي زيارة تحمل في طياتها رمزية عالية، إذ تأتي في زمن يحتاج فيه اللبنانيون إلى من يذكرهم بأنهم ليسوا وحدهم، وأن صوتهم لا يزال يُسمع في أروقة العالم الروحي والإنساني، ينتظر اللبنانيون من البابا أن يحمل همّهم معهم، أن يصلي من أجلهم، أن يضع يده على جراحهم، وأن يطلق من بيروت نداءً عالمياً يعيد لبنان إلى خارطة الاهتمام الدولي.

هم ينتظرون منه أن يزور الأماكن التي اختزلت الألم، كمرفأ بيروت، وأن يلتقي بعائلات الضحايا، ويمنحهم لحظة عزاء روحي لا تُشترى. ينتظرون منه أن يلتقي بالشباب الذين فقدوا الثقة بوطنهم، وأن يزرع فيهم بذور الرجاء. ينتظرون منه أن يلتقي برجال الدين من مختلف الطوائف، ليؤكد أن لبنان لا يزال نموذجًا للتعايش، رغم كل ما أصابه من تصدعات. ينتظرون منه أن يوجّه رسالة إلى العالم، بأن لبنان ليس مجرد ملف سياسي، بل وطن حيّ، فيه شعب يستحق الحياة والكرامة.

اللبنانيون لا ينتظرون معجزات، بل كلمة صادقة، نظرة حانية، وصوتًا عالميًا يقول إنهم يستحقون الأفضل. هم ينتظرون من البابا أن يكون رسولًا للسلام، لا فقط بين الطوائف، بل بين المواطن ودولته، بين الإنسان وأخيه الإنسان. في زيارته، يحمل البابا رسالة تتجاوز الدين، لتصل إلى جوهر الإنسانية، حيث لا فرق بين مسيحي ومسلم، بين غني وفقير، بين مقيم ومغترب. كلهم أبناء هذا الوطن الذي يتوق إلى من يضمد جراحه، ويعيد إليه بعضًا من كرامته المفقودة.

 

برنامج الزيارة

يتضمن برنامج زيارة البابا لاوون الرابع عشر المحطات التالية:

اليوم الأول:

  • وصول قداسة البابا إلى مطار رفيق الحريري الدولي، حيث تجرى له مراسم الاستقبال الرسمية.
  • زيارة القصر الجمهوري، وإجراء لقاءات رسمية.
  • الانتقال إلى مقر الإقامة في السِّفَارة البابوية.

اليوم الثاني:

  • زيارة دير مار مارون، عنايا، والصلاة عند ضريح القديس شربل.
  • زيارة ساحة الشهداء، والمشاركة في اللقاء المسكوني.
  • زيارة بازيليك حريصا، ولقاء مع الأساقفة.
  • زيارة الصرح البطريركي، ولقاء مع الشبيبة.

اليوم الثالث:

  • زيارة دير الصليب في بقنايا، ولقاء مع الموظفين والمرضى.
  • زيارة مرفأ بيروت للصلاة من أجل شهداء انفجار مرفأ بيروت.
  • الاحتفال بالقداس الإلهي في الواجهة البحرية.

شعار البابا لاوون الرابع عشر  

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment