تقرير خاص من اعداد منى منصور
رغم أن مشاركة اللبنانيين المنتشرين حول العالم كان يُفترض أن تشكّل إحدى أبرز نقاط القوة في الانتخابات النيابية المقبلة في ربيع 2026، تكشف البيانات الرسمية عن واقع مختلف تمامًا: عزوف واسع، تسجيل محدود، وغيابٌ يكاد يكون ممنهجًا لدور الجاليات التي طالما شكّلت رئة اقتصادية واجتماعية للبلاد.
من أصل مليون مغترب لبناني مؤهل للاقتراع، لم يُسجَّل سوى 151,985 مغتربًا للاقتراع في الانتخابات النيابية، وذلك وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية والمغتربين. ورغم أن هذا الرقم يُظهر ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بالأعوام السابقة، إلا أنه لا يزال بعيدًا جدًا عن الإمكانات الحقيقية للانتشار اللبناني، الذي يُعدّ من أكبر الجاليات في العالم نسبةً إلى عدد سكان البلد.
في الانتخابات النيابية السابقة، شهد عدد المسجلين من اللبنانيين في الاغتراب تزايدًا تدريجيًا، لكنه ظل دون المستوى الذي يعكس فعليًا حجم هذا الانتشار. إليك لمحة عن الأرقام الرسمية:
• انتخابات 2018: بلغ عدد المسجلين في الخارج حوالي 92,810 ناخبًا، وهو أول استحقاق يُسمح فيه للمغتربين بالاقتراع من بلدان إقامتهم.
• انتخابات 2022: ارتفع العدد إلى نحو 244,442 ناخبًا مسجلًا، شارك منهم فعليًا حوالي 60%.
• انتخابات 2026 (الحالية): حتى 20 تشرين الثاني 2025، بلغ عدد المسجلين 151,985 ناخبًا، حَسَبَ وزارة الخارجية.
ويُعزى هذا التراجع هذه المرة إلى تقاعس الدولة اللبنانية، ووزارة الخارجية تحديدًا، عن أداء دورها في تعبئة المغتربين. فالسفارات والقنصليات لم تبادر إلى تنظيم حملات توعية أو تسهيل إجراءات التسجيل، كما غابت الدعوات الرسمية عبر القنوات الدبلوماسية والإعلامية، ما ترك آلاف اللبنانيين في الخارج دون إرشاد أو دعم تقني.
وعبّر عدد من المواطنين في الخارج لـ"بيروت تايمز" عن استغرابهم من غياب أي تواصل مباشر من ممثلي الدولة، مؤكدين أن التسجيل تطلّب منهم جهدًا شخصيًا ومتابعة فردية، في ظل غياب شبه كامل لأي مبادرة رسمية. اللافت أن تسجيل الناخبين تركز في دول تُعتبر تقليديًا مركزًا للوجود اللبناني: فرنسا، ألمانيا، أميركا الشِّمالية، كندا، أستراليا، الخليج العربي، وساحل العاج. لكن في عشرات الدول الأخرى، خصوصًا في أميركا اللاتينية وشرق آسيا، يكاد التسجيل يكون معدومًا، إما بسبب غياب التمثيل الدبلوماسي، أو نتيجة غياب أي تواصل رسمي مباشر مع الجاليات هناك.
مصادر دبلوماسية أكدت لـ "بيروت تايمز" أن عددًا من السفارات لم يتلقَّ أي موازنة إضافية تساعده على إدارة ملف التسجيل، وأن بعضها يعمل بـ "إمكانات شبه متلاشية"، وسط نقص في الكوادر الإدارية. وبحسب موظف في إحدى القنصليات، فإن المنصة الإلكترونية المخصّصة للتسجيل شهدت أعطالًا متكررة، ما أدى إلى تراجع أعداد الراغبين واستسلام آخرين بعد محاولات فاشلة متتالية.
أما الأحزاب السياسية، التي لطالما اعتبرت الانتشار امتدادًا لها، فقد بدت الأكثر غيابًا عن هذا الاستحقاق. فباستثناء مبادرات فردية هنا وهناك، لم تُطلق معظم القوى مبادرات تستهدف قواعدها في الخارج، رغم معرفتها بأن الصوت الاغترابي بات يُنظر إليه كصوت تغييري أكثر منه صوتًا تابعًا.
الجمعيات المدنية بدورها حاولت ملء بعض الفراغ، لكن محدودية مواردها وقلة التنسيق فيما بينها جعل دورها ثانويًا، ولا يمكن أن يعوّض غياب الدولة أو ضعف الحزب. ويخشى عدد من النواب المستقلين، بحسب ما نقلته مصادرهم للصحيفة، أن يكون هذا التقصير "غير بريء"، وأن بعض القوى السياسية تفضّل إبقاء نسبة المشاركة الاغترابية منخفضة، لأنها قد تساهم في قلب نتائج بعض الدوائر الحسّاسة، خصوصًا مع تراجع نسب الاقتراع في الداخل.
تداعيات هذا التغييب تتجاوز مسألة الأرقام. فالمغتربون، الذين يضخّون سنويًا أكثر من ستة مليارات دولار في الاقتصاد اللبناني، يشكّلون قوة سياسية حقيقية قادرة على إعادة توازن المشهد الانتخابي، لو أُتيحت لهم المشاركة الكاملة. ولعل الأخطر أن ضعف مشاركتهم يحرم العملية الانتخابية من أحد أهم عناصر شرعيتها التمثيلية، ويُبقي القرار السياسي محصورًا داخل حدود المنظومة التقليدية.
وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة من مخاطر استمرار هذا النهج، لم تُظهر الحكومة اللبنانية أي خطة واضحة لمعالجة مكامن الخلل. فملف اقتراع المغتربين لم يُدرج كأولوية في مجلس الوزراء، ولم تُخصص له موازنة مستقلة أو هيكلية إدارية تليق بأهميته. أما وزارة الخارجية، المعنية مباشرة بالملف، فلا تزال تتعامل معه بآليات تقليدية، رغم توسّع الانتشار اللبناني وتنوعه جغرافيًا.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبرز الحاجة إلى خطوات عاجلة، أبرزها: إطلاق حملة وطنية منظمة بالتعاون بين الوزارات والسفارات والجمعيات والأحزاب؛ تحسين المنصة الإلكترونية وتوفير دعم تقني فوري؛ زيادة عدد مراكز الاقتراع وتغطية الدول التي لا وجود دبلوماسيًا للبنان فيها؛ وتفعيل دور الإعلام الاغترابي، الذي يبقى الوسيلة الأكثر فعالية للوصول إلى اللبنانيين المنتشرين.
يبقى حق المغتربين في الاقتراع أحد أعمدة الديمقراطية اللبنانية الحديثة. لكن هذا الحق مهدد بالتآكل، ما لم تتحرك الدولة والقوى السياسية والمجتمعية بسرعة وجدية.
فإما أن تكون الانتخابات المقبلة محطة تأسيس لدولة المواطنة، أو فرصة ضائعة جديدة تُكرّس منطق التهميش والانقسام.
وفي ظل ما يشهده لبنان من أزمات متراكمة، تبقى مشاركة المغتربين في الانتخابات فرصة لإعادة وصل ما انقطع بين الداخل والخارج، ولإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، أينما كانوا.













11/19/2025 - 13:16 PM





Comments