تحقيق إخباري - من اعداد ليلى ابو حيدر
في تطور لافت على الساحة الإقليمية، تتزايد المؤشرات على أن الولايات المتحدة قد منحت إسرائيل ضوءًا أخضر لتنفيذ ضربة عسكرية ضد "حزب الله" في لبنان، وسط تصاعد التوترات على الحدود الجنوبية وتكثيف الخطاب الإسرائيلي بشأن سلاح الحزب. هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة التنسيق الأميركي الإسرائيلي، ومآلات التصعيد المحتمل، وانعكاساته على الداخل اللبناني والمنطقة بأسرها.
في هذا السياق، برز تصريح السفير اللبناني الأسبق مسعود معلوف لـ«المصري اليوم»، حيث حذّر من أن إسرائيل تسعى إلى إيقاع "حزب الله" في فخ الحرب المفتوحة، مستغلة التوترات الحدودية والضغوط الدولية.
وأضاف السفير معلوف أن إسرائيل تحاول توريط حزب الله لكسر قواعد الاشتباك كل ساعة، وكأنها تسعى عمدًا إلى دفعه نحو مواجهة مفتوحة، لتختلق بذلك ذريعة أمام المجتمع الدولي لإحياء القرار 1701 سياسيًا، وإقناع الحزب بالعودة إلى ما وراء نهر الليطاني. هذا التوجه، بحسب معلوف، أدخل التسوية الدولية في صلب معادلة التوتر الراهنة، إلى جانب الحرب الشاملة التي تُحضّر ضد لبنان.
واعتبر السفير أن تل أبيب لا تبحث فقط عن ردع تكتيكي، بل عن تفجير شامل يعيد رسم المعادلة الأمنية في جنوب لبنان، ويضع الحزب في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.
هذا التحليل يعكس قلقًا متزايدًا في الأوساط الدبلوماسية من أن إسرائيل قد تستدرج الحزب إلى ردّ عسكري واسع، ثم تستخدمه ذريعة لتبرير ضربات مدمّرة تحت غطاء "الدفاع عن النفس". ويضيف معلوف أن أي تصعيد من هذا النوع لن يكون محصورًا في الجنوب، بل قد يمتد إلى بيروت والبقاع، ويهدد بانهيار ما تبقى من الاستقرار اللبناني.
خلفية التوتر: سلاح الحزب في قلب المعادلة
منذ انتهاء حرب تموز 2006، بقي ملف سلاح "حزب الله" نقطة خلافية داخل لبنان وخارجه. الحزب يعتبره جزءًا من منظومة "المقاومة"، بينما ترى إسرائيل فيه تهديدًا استراتيجيًا متناميًا. في الأشهر الأخيرة، تصاعدت التصريحات الإسرائيلية التي تطالب بتجريد الحزب من سلاحه، مترافقة مع تهديدات مباشرة بقصف بيروت إذا تعرضت المستوطنات الشمالية لأي هجوم.
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صرّح مؤخرًا بأن "إسرائيل ستعود لقصف بيروت إذا استُهدفت مستوطناتها"، بينما أكد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن "تل أبيب ستدافع عن نفسها وفق اتفاق وقف النار مع لبنان، ولن تسمح بتحوّل لبنان مجددًا إلى جبهة ضدها".
الإشارة الأميركية: دعم ضمني أم تفويض مباشر؟
التصريحات الأميركية الأخيرة، سواء من الموفدين أو المسؤولين، توحي بأن واشنطن لا تمانع في أن تتخذ إسرائيل إجراءات عسكرية ضد الحزب. مصادر دبلوماسية وإعلامية نقلت أن الولايات المتحدة أعطت "ضوءًا أخضر" لإسرائيل لتنفيذ ضربة عسكرية محدودة، في حال استمرت التهديدات على الحدود.
هذا الضوء الأخضر لا يعني بالضرورة مشاركة أميركية مباشرة، لكنه يعبّر عن غطاء سياسي يسمح لإسرائيل بالتحرك دون خشية من ردود فعل دولية قاسية. ويأتي ذلك في سياق أوسع من التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين، خاصة في ظل إدارة أميركية تعتبر "حزب الله" منظمة إرهابية وتدعم جهود إسرائيل في "الدفاع عن النفس".
الحسابات الإسرائيلية: ضربة استباقية أم ردّ على تهديد؟
إسرائيل، بحسب مصادر أمنية، لا تنوي الانسحاب من النقاط الخمس في جنوب لبنان، ولن تسمح بإعادة إعمار القرى الحدودية التي ترى فيها تهديدًا محتملًا. كما أن الجيش الإسرائيلي يضع سيناريوهات متعددة تشمل أيامًا من القتال النشط ضد الحزب، في حال اندلاع مواجهة.
الخشية الإسرائيلية الكبرى تكمن في استمرار الحزب ببناء ترسانته العسكرية، مستفيدًا من الوقت والمفاوضات الطويلة حول سلاحه، والتي يشبّهها البعض بمفاوضات الملف النووي الإيراني. هذا ما يدفع تل أبيب إلى التفكير بضربة استباقية قد تعيد رسم قواعد الاشتباك.
موقف "حزب الله": سلاح المقاومة ليس مطروحًا للتفاوض
في المقابل، يتعامل "حزب الله" مع ملف سلاحه كقضية تفاوضية طويلة الأمد، وليس كأولوية وطنية قابلة للتسليم. الحزب يراهن على الانتخابات النيابية المقبلة لتجديد شرعيته السياسية، ويعتبر أن صناديق الاقتراع هي الوسيلة لحماية سلاحه من الضغوط الداخلية والخارجية.
هذا الموقف يضعه في مواجهة مباشرة مع المطالب الإسرائيلية والدولية، ويزيد من احتمالات التصعيد، خاصة إذا اعتبرت إسرائيل أن الوقت ينفد وأن الحزب يستغل الهدوء لبناء قدراته العسكرية.
الحكومة اللبنانية تجد نفسها في موقف حرج، إذ لا تملك القدرة على فرض نزع سلاح الحزب، ولا تملك هامشًا واسعًا للمناورة بين الضغوط الدولية والداخلية. الدعوات الإسرائيلية المتكررة للحكومة اللبنانية بتنفيذ التزاماتها وفق اتفاق وقف النار، تضعها أمام اختبار صعب.
في الداخل، الانقسام السياسي حول سلاح الحزب لا يزال قائمًا، بين من يعتبره ضمانة ردع، ومن يراه سببًا للعزلة والعقوبات. هذا الانقسام يضعف الموقف اللبناني الرسمي ويجعل البلاد عرضة للتجاذبات الإقليمية.
السيناريوهات المحتملة: من التهويل إلى المواجهة
السيناريو الأول يتمثل في استمرار التهويل الإسرائيلي دون تنفيذ فعلي، بهدف الضغط على الحزب والحكومة اللبنانية. السيناريو الثاني هو تنفيذ ضربة محدودة تستهدف مواقع عسكرية للحزب، دون الانجرار إلى حرب شاملة. أما السيناريو الثالث، فهو اندلاع مواجهة واسعة، في حال ردّ الحزب بقوة على أي ضربة، ما قد يؤدي إلى حرب جديدة على غرار 2006.
كل سيناريو يحمل تبعات خطيرة على لبنان، الذي يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، ويواجه تحديات داخلية تهدد استقراره.
البعد الإقليمي والدولي: إيران، سوريا، والردود المحتملة
أي ضربة إسرائيلية ضد "حزب الله" لن تكون محصورة في لبنان فقط، بل ستطال المحور الإيراني السوري، الذي يدعم الحزب سياسيًا وعسكريًا. إيران قد تعتبر الضربة استهدافًا مباشرًا لها، وقد ترد عبر وكلائها في المنطقة. سوريا، رغم ضعفها، قد تشهد تحركات عسكرية أو أمنية مرتبطة بالتصعيد.
الدول الأوروبية، رغم تحفظها على سلاح الحزب، لا تؤيد التصعيد العسكري، وتفضل الحلول الدبلوماسية. أما روسيا، فهي تراقب التطورات بحذر، خاصة في ظل وجودها العسكري في سوريا.
الإعلام والتحليل السياسي: بين التهويل والتأكيد
التحليلات الإعلامية والسياسية تتفاوت بين من يرى في التصريحات الإسرائيلية مجرد تهويل انتخابي، ومن يؤكد وجود خطة عسكرية جاهزة تنتظر اللحظة المناسبة. بعض الصحف اللبنانية نقلت عن مصادر أمنية أن "الضوء الأخضر الأميركي" ليس مجرد كلام، بل هو جزء من تفاهمات إقليمية تشمل ملفات أخرى.
في المقابل، يرى محللون أن واشنطن لن تسمح بتفجير الوضع في لبنان، خاصة في ظل انشغالها بملفات دولية أخرى، وأن أي ضربة إسرائيلية ستكون محدودة ومدروسة.
ساعة الصفر؟
الضوء الأخضر الأميركي، إن صحّت التقديرات، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد بين إسرائيل و"حزب الله"، ويضع لبنان أمام تحديات وجودية. بين التهديدات والردود، يبقى السؤال: هل نحن أمام حرب جديدة، أم أن التوازنات الإقليمية ستفرض التهدئة؟ الإجابة لا تزال معلّقة، لكن المؤشرات تنذر بأن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة.













11/15/2025 - 08:38 AM
.jpg)




Comments