بيروت – بيروت تايمز – تحقيق من إعداد جورج ديب
في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، تطرح الإدارة الأميركية ورقة شروط صارمة لإعادة الانخراط في الملف اللبناني، تتضمن تفكيك حزب الله، إعادة هيكلة النظام السياسي، والانضمام إلى محور إقليمي جديد. هذه الشروط، التي جاءت بعد لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، تعكس تحولات عميقة في خارطة النفوذ الإقليمي، وتضع لبنان أمام خيارين: الانخراط في مشروع دولي للتغيير، أو التمسك بالوضع القائم بكل ما يحمله من أزمات.
في بيروت تايمز، نؤمن أن أي مشروع إصلاحي لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن ينبع من إرادة وطنية جامعة، تحترم التعددية، وتحمي السيادة، وتعيد الاعتبار للمواطن اللبناني كصاحب القرار الأول والأخير.
نحن لا نرفض الحوار، بل ندعو إليه. لا نتهرب من الإصلاح، بل نطالب به منذ سنوات. لكننا نرفض أن يُختزل لبنان إلى ملف أمني أو ورقة تفاوض إقليمية. نرفض أن يُفرض علينا نموذج سياسي لا يراعي خصوصيتنا التاريخية، ولا يضمن العدالة الاجتماعية.
إن تفكيك حزب الله، مهما كانت المواقف منه، لا يمكن أن يتم بقرار خارجي، بل يجب أن يكون جزءاً من رؤية وطنية شاملة، تضمن الأمن للجميع، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن. كما أن إعادة هيكلة النظام السياسي يجب أن تتم عبر مؤتمر تأسيسي لبناني، لا عبر إملاءات دولية.
نحن نراقب التحولات الإقليمية، وندرك أن لبنان ليس جزيرة معزولة. لكننا نرفض أن نُستعمل كأداة في صراع المحاور. نرفض أن يُفرض علينا الانضمام إلى أي محور دون نقاش وطني واسع، يراعي مصالحنا، ويضمن استقلالنا.
نرفع الصوت دفاعاً عن لبنان الحر، المستقل، المتنوع، القادر على الإصلاح من الداخل، لا عبر شروط الخارج. ونؤمن أن مستقبلنا يُبنى بالحوار، لا بالإملاء. بالعدالة، لا بالانتقام. وبالكرامة، لا بالتبعية.
الورقة الأميركية: شروط غير قابلة للتفاوض
الوفد الأميركي الذي زار بيروت مؤخراً حمل وثيقة تعتبرها واشنطن "غير قابلة للتفاوض"، وتشكل أساساً لأي دعم مالي أو سياسي للبنان في المرحلة المقبلة. أبرز البنود:
- نزع سلاح حزب الله بالكامل، بما يشمل السلاح الثقيل والخفيف، وتسليمه تدريجياً إلى الجيش اللبناني تحت إشراف دولي.
- إلغاء امتيازات الحزب داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الوزارات، الأجهزة الأمنية، والمرافئ.
- إعادة هيكلة النظام السياسي اللبناني عبر مؤتمر تأسيسي يفضي إلى إنهاء نظام الطوائف واعتماد صيغة مدنية للحكم.
- دمج القوى الأمنية والعسكرية تحت قيادة موحدة، وإخضاعها لرقابة دولية مؤقتة لضمان الشفافية.
- إغلاق المعابر غير الشرعية مع سوريا، وتوسيع صلاحيات لجنة "الميكانيزم" لتشمل مراقبة الحدود البرية والجوية.
- وقف أي تمويل خارجي لحزب الله، بما في ذلك الدعم الإيراني أو عبر شبكات تحويل الأموال.
- إطلاق حوار وطني شامل برعاية دولية، يضم أطرافاً غير حزبية وممثلين عن المجتمع المدني.
- الانضمام إلى محور إقليمي جديد، يضم الولايات المتحدة، تركيا، السعودية، وسوريا، كبديل عن المحور الإيراني.
لقاء ترامب والشرع: نقطة تحول إقليمي
اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض يوم 10 نوفمبر 2025، شكّل منعطفاً استراتيجياً في السياسة الأميركية تجاه دمشق. الشرع، الذي تولى الحكم بعد الإطاحة ببشار الأسد، أصبح أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض منذ استقلال سوريا، في خطوة تعكس رفع العقوبات الأميركية عنه وإعادة تأهيله دولياً.
المباحثات بين الطرفين شملت:
- انضمام سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية.
- فتح أبواب الاستثمار الأميركي في سوريا.
- تعاون أمني ضد الإرهاب.
- ترحيل الفصائل الفلسطينية المسلحة من سوريا.
- اعتراف دبلوماسي بإسرائيل كشرط للتطبيع الكامل.
هذه الخطوات تشير إلى رغبة أميركية في إعادة دمج سوريا ضمن محور إقليمي جديد، بعيداً عن النفوذ الإيراني، وهو ما ينعكس مباشرة على لبنان، الذي تعتبره واشنطن الحلقة الأضعف في المشروع الإيراني.
حزب الله تحت الضغط: تمويل إيراني مقابل حصار دولي
رغم العقوبات الأميركية والغارات الإسرائيلية شبه اليومية على جنوب لبنان، كشفت وزارة الخزانة الأميركية أن إيران حولت نحو مليار دولار لحزب الله في عام 2025، في محاولة للحفاظ على نفوذه في لبنان.
لكن واشنطن كثّفت ضغوطها عبر مسارين:
- مالي: فرض عقوبات على شخصيات لبنانية متورطة في تمويل الحزب، وتجميد أصول مالية في الخارج.
- عسكري: دعم إسرائيل في ضربات جوية تستهدف مواقع الحزب، رغم وقف إطلاق النار المعلن نهاية 2024.
في المقابل، يعقد مجلس الوزراء اللبناني اجتماعات متكررة برئاسة الرئيس جوزيف عون، لمناقشة ملف سلاح حزب الله، وسط انقسام داخلي حاد بين من يرى في نزع السلاح خطوة نحو السيادة، ومن يعتبرها تهديداً للتوازن الوطني.
الداخل اللبناني: بين الفرصة والانفجار
ردود الفعل داخل لبنان جاءت متباينة:
- قوى سيادية رحّبت بالشروط الأميركية، معتبرة أنها "فرصة تاريخية لإنقاذ لبنان من الانهيار".
- أطراف أخرى حذّرت من أن هذه الشروط قد تؤدي إلى انفجار داخلي، إذا لم تُطرح ضمن إطار حوار وطني شامل يراعي التوازنات الدقيقة في البلاد.
- الحكومة اللبنانية لم تصدر أي موقف رسمي حتى الآن، فيما تشير مصادر سياسية إلى أن تنفيذ هذه الشروط يتطلب توافقاً داخلياً غير متوفر حالياً.
إعادة رسم خارطة النفوذ الإقليمي
التحرك الأميركي يأتي في سياق إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط:
- تراجع الدور الإيراني في سوريا ولبنان.
- صعود محور واشنطن - أنقرة - الرياض - دمشق.
- إعادة تأهيل سوريا دولياً بعد عقود من العزلة.
- إعادة تعريف دور لبنان كدولة مدنية غير طائفية، ضمن منظومة إقليمية جديدة.
هذه التحولات قد تؤدي إلى:
- تفكيك المنظومة الإقليمية التي تديرها طهران.
- إعادة توزيع النفوذ داخل لبنان.
- إطلاق مرحلة جديدة من الحوار الوطني، برعاية دولية، تشمل المجتمع المدني والمغتربين.
قراءة مستقبلية: هل يتغير لبنان؟
لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي:
إما الانخراط في مشروع التغيير الأميركي، بما يحمله من تحديات وفرص، أو التمسك بالوضع القائم، مع ما يرافقه من عزلة دولية وانهيار اقتصادي.
القرار لن يكون سهلاً، لكنه سيكون حاسماً في تحديد مستقبل البلاد لعقود قادمة.













11/11/2025 - 06:25 AM





Comments