بيروت - بيروت تايمز - تحقيق اخباري من اعداد جورج ديب
في حدث سياسي غير مسبوق، دخل الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض في نوفمبر 2025، ليصبح أول رئيس سوري يُستقبل رسميًا في هذا المعلم السياسي الأميركي، متقدّمًا بذلك على أي رئيس لبناني في الوصول إلى هذا المستوى من العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة.
هذا التطور أثار تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية والعربية: لماذا سبق الرئيس السوري نظيره اللبناني إلى البيت الأبيض؟ وما هي العوامل التي مهّدت لهذا التحوّل في العلاقات الأميركية السورية؟ وهل يعكس ذلك تغيّرًا في موازين النفوذ الإقليمي؟
في هذا التقرير، نسلّط الضوء على السياقات السياسية، الدبلوماسية، والداخلية التي ساهمت في هذا الحدث، مستندين إلى مصادر وتحليلات متعددة.
من هو أحمد الشرع؟ وما الذي يميّز نهجه؟
الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي تولّى السلطة في أعقاب مرحلة انتقالية حساسة، تبنّى منذ البداية خطابًا سياسيًا قائمًا على "التوازن عبر التعدد"، أي الانفتاح على القوى الكبرى دون الارتهان لأي منها. زار موسكو، ثم الرياض، والآن واشنطن، في محاولة لإعادة تعريف موقع سوريا في خريطة الشرق الأوسط.
الشرع أطلق شعار "سوريا أولًا"، وركّز على تصفير المشاكل الإقليمية، وتقديم نفسه كقائد إصلاحي يسعى إلى فك العزلة الدولية عن بلاده، دون التخلّي عن علاقاتها التاريخية مع روسيا وإيران.
التحوّل في السياسة الأميركية تجاه سوريا
زيارة الشرع إلى البيت الأبيض لم تكن مجرد بروتوكول، بل جاءت بعد سلسلة من الخطوات:
- رفع العقوبات تدريجيًا: بدأت واشنطن بتخفيف العقوبات على سوريا، خصوصًا بعد أن أظهر الشرع استعدادًا للتعاون في ملفات مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار.
- الانفتاح على الحلفاء التقليديين لأميركا: الشرع زار السعودية، الإمارات، وأبدى استعدادًا للتقارب مع أوروبا، ما عزّز من فرصه في بناء جسور مع واشنطن.
- الابتعاد عن التصنيفات التقليدية: الشرع رفض أن يُصنّف ضمن محور ضد آخر، وفضّل خطابًا براغماتيًا، ما جعله مقبولًا لدى دوائر القرار الأميركية.
الرسائل الرمزية للزيارة
زيارة الشرع إلى البيت الأبيض تحمل رمزية سياسية عميقة:
- كسر العزلة: سوريا، التي كانت لعقود عنوانًا للعقوبات والعزلة، تدخل اليوم البيت الأبيض بثقة لاعب إقليمي.
- إعادة التموضع الإقليمي: الشرع يقدّم نفسه كقائد قادر على لعب دور الوسيط بين الشرق والغرب، وهو ما لم ينجح فيه أي رئيس لبناني حتى الآن.
- إعادة تعريف العلاقات الثنائية: الزيارة تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات السورية الأميركية، قد تشمل التعاون في ملفات أمنية واقتصادية.
انعكاسات الحدث على لبنان
السبق السوري في الوصول إلى البيت الأبيض يضع لبنان أمام تحديات:
- إعادة النظر في السياسة الخارجية: هل يستطيع لبنان تبنّي سياسة أكثر استقلالية وانفتاحًا؟ وهل يمكن للرئاسة اللبنانية أن تتحرّر من الحسابات الداخلية؟
- الحاجة إلى مبادرة لبنانية: غياب المبادرة اللبنانية في الانفتاح على واشنطن يعكس أزمة في الرؤية السياسية، لا في الإمكانيات.
- إعادة بناء الثقة: واشنطن تنظر إلى لبنان من زاوية الاستقرار الأمني، وملف حزب الله، ما يتطلب من بيروت تقديم رؤية متكاملة تُطمئن الشركاء الدوليين.
هل يمكن للرئيس اللبناني اللحاق بالركب؟
الفرصة لا تزال قائمة، لكن بشروط:
- إطلاق خطاب إصلاحي واضح: على الرئيس اللبناني أن يقدّم نفسه كقائد إصلاحي، لا كنتاج تسوية داخلية فقط.
- التحرّك دبلوماسيًا: زيارات إلى العواصم المؤثرة، وفتح قنوات مع واشنطن، قد تعيد لبنان إلى الخارطة.
- فصل الملفات الداخلية عن العلاقات الخارجية: لا يمكن للرئاسة اللبنانية أن تبقى رهينة الملفات الداخلية، خصوصًا في ظل التحوّلات الإقليمية.
لماذا لم يصل أي رئيس لبناني مؤخراً إلى البيت الأبيض؟
رغم العلاقات التاريخية بين لبنان والولايات المتحدة، لم يُسجّل أي استقبال رسمي لرئيس لبناني في البيت الأبيض منذ عقود. الأسباب متعددة:
- الانقسام السياسي الداخلي: الرئاسة اللبنانية غالبًا ما تكون نتاج تسويات داخلية وإقليمية، ما يجعل الرئيس اللبناني محدود الحركة خارجيًا، خصوصًا في ظل الانقسام بين محور المقاومة والمحور الغربي.
- الارتباط بملفات إقليمية حساسة: المِلَفّ اللبناني غالبًا ما يُربط بملف حزب الله، وهو ما يجعل أي تقارب أميركي مع الرئاسة اللبنانية مشروطًا بمواقف من سلاح الحزب، وهو أمر لا يستطيع أي رئيس لبناني تجاوزه دون إثارة أزمة داخلية.
- لم تُسجّل في السنوات الأخيرة أي مبادرة لبنانية جريئة لكسر الجمود القائم مع واشنطن، رغم أن الولايات المتحدة ما زالت تُبدي دعمًا مستمرًا للبنان وجيشه منذ فترة طويلة. وعلى غرار ما قام به الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي أطلق حملة دبلوماسية نشطة منذ تولّيه الحكم، يبقى لبنان بحاجة إلى تحرّك سيادي يُعيد وصل ما انقطع ويعزّز حضوره على الساحة الدولية.
- يُذكر أن الرئيس اللبناني الوحيد الذي زار البيت الأبيض رسميًا هو أمين الجميل، وذلك في أكتوبر 1982، حيث التقى بالرئيس الأميركي الراجل رونالد ريغان في زيارة هدفت إلى تعزيز الدعم الدولي للبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين، لم يُسجّل أي استقبال رسمي لرئيس لبناني في البيت الأبيض، ما يظهر تعقيدات السياسة اللبنانية الداخلية وتداخلها مع الملفات الإقليمية الحساسة.
سبق الرئيس السوري أحمد الشرع نظيره اللبناني إلى البيت الأبيض نتيجة مزيج من المبادرة السياسية، والانفتاح الدبلوماسي، والقدرة على تقديم خطاب متوازن. في المقابل، لا يزال لبنان غارقًا في حساباته الداخلية، ما يعيق أي تحرّك خارجي فعّال.
فالرئيس نبيه بري، بصفته أحد أبرز أركان السلطة التشريعية، يواصل التمسّك بمنهج التوازن الداخلي، لكنه لم يدفع باتجاه مبادرة خارجية واضحة تعيد وصل لبنان بالمحافل الدولية. أما رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يحظى بقبول دولي واسع، فلم يُمنح حتى الآن مساحة كافية لتفعيل دوره الدبلوماسي في صياغة رؤية خارجية متكاملة. ويبقى حزب الله، بما يمثّله من ثقل سياسي وعسكري، عاملًا حاسمًا في رسم حدود الحركة اللبنانية الخارجية، إذ ترتبط مواقف واشنطن تجاه لبنان بشكل مباشر بموقف الدولة من سلاح الحزب ودوره الإقليمي.
الحدث ليس مجرد زيارة، بل هو مؤشر على تغيّر في موازين التأثير الإقليمي، وعلى لبنان أن يقرأه جيدًا قبل أن يفوته قطار التحوّلات.













11/08/2025 - 11:54 AM
.jpg)




Comments