بيروت – بيروت تايمز – تحقيق ليلى ابو حيدر
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتسارع فيها التحركات السياسية والدبلوماسية من حولنا، يواصل لبنان الرسمي غيابه المقلق عن المشهد. فبينما تتحرك العواصم وتُبنى تفاهمات جديدة، من زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع المرتقبة إلى واشنطن، إلى الإعلان عن جولة خامسة من المفاوضات المباشرة بين سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية، يلتزم لبنان صمتًا لا يليق بدولة تقع في قلب هذه الجغرافيا المتفجرة.
رئاسة الجمهورية والحكومة اللبنانية لم تُصدر أي موقف، ولم تبادر إلى أي تحرك، وكأن ما يجري لا يعنيها. هذا الغياب لا يُفسَّر فقط بالعجز السياسي، بل يُنذر بتآكل ما تبقى من الدور اللبناني في المعادلات الإقليمية والدولية. فالمتغيرات الجارية تمسّ مباشرة أمن لبنان القومي، وحدوده الجنوبية، ومستقبل علاقاته مع محيطه العربي والدولي.
إن استمرار هذا النهج القائم على الانتظار وردّ الفعل، لا على المبادرة وصناعة القرار، يضع لبنان في موقع المتلقّي، لا الشريك. وإذا لم تُبادر القيادة اللبنانية إلى استعادة زمام المبادرة، وتحديد موقع لبنان في هذه المرحلة المفصلية، فإن الواقع الجديد سيتشكّل من دونها، وربما على حسابها.
لقد آن الأوان لطرح الأسئلة الصعبة، واتخاذ القرارات الجريئة. فلبنان لا يستطيع أن يبقى على هامش الأحداث، ولا أن يكتفي بدور المتفرّج في زمن يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ والتحالفات.
غياب الرؤية… وتآكل الدور
يرى النائب وضاح الصادق أن "لبنان يعيش حالة من الانفصال عن الواقع الإقليمي. في الوقت الذي تعود فيه سوريا إلى طاولة التفاوض، وتُعيد تموضعها دوليًا، لا تزال الدولة اللبنانية تتخبط في أزماتها الداخلية، دون أي رؤية استراتيجية أو موقف موحد من الملفات الكبرى".
أما النائب نعمة أفرام، فاعتبر أن "الفرصة لا تزال قائمة أمام لبنان ليكون جزءًا من أي تسوية إقليمية، لكن ذلك يتطلب قرارًا سياديًا شجاعًا، يبدأ بإعادة ترتيب البيت الداخلي، وفتح حوار وطني حقيقي حول موقع لبنان في المرحلة المقبلة".
تحذير من التهميش
الوزير السابق مروان شربل حذّر من أن "استمرار الغياب اللبناني عن المشهد الإقليمي سيؤدي إلى تهميشه بالكامل. لا يمكن للبنان أن يبقى متفرجًا على مفاوضات تجري على حدوده، بين جيرانه، وبوساطة دولية، دون أن يكون له صوت أو دور".
في المقابل، دعا النائب ملحم خلف إلى "إعادة تفعيل الدبلوماسية اللبنانية، والانفتاح على كل المبادرات العربية والدولية، لأن الحياد السلبي لم يعد خيارًا، بل خطرًا وجوديًا".
كيف يستعيد لبنان موقعه؟
يرى الوزير السابق زياد بارود أن "المدخل الأساسي لاستعادة الدور اللبناني يبدأ بإعادة بناء الثقة الداخلية، وتشكيل حكومة فاعلة قادرة على اتخاذ قرارات سيادية، وتفعيل وزارة الخارجية لتكون صوتًا للبنان في المحافل الدولية".
أما الباحث في العلاقات الدولية د. كريم بيطار، فيقترح "إطلاق مبادرة لبنانية مستقلة، تدعو إلى مؤتمر إقليمي للحوار، تشارك فيه الدول العربية المعنية، وتُطرح فيه رؤية لبنانية واضحة حول الأمن، الحدود، والسلاح خارج الدولة".
من جهته، يؤكد النائب غسان سكاف أن "البرلمان اللبناني يجب أن يتحرك فورًا لعقد جِلسة طارئة تخصص لمناقشة موقع لبنان في التحولات الإقليمية، وتكليف لجنة نيابية بصياغة ورقة موقف تُعرض على الدول الصديقة".
يقول المحلل السياسي زياد ماجد:" لبنان بحاجة إلى إعادة تعريف موقعه الإقليمي، لا عبر الاصطفاف، بل عبر تثبيت دوره كجسر حوار، لا كمنصة صراع. لكن ذلك يتطلب أولًا قرارًا سياسيًا جامعًا، وإرادة وطنية تتجاوز الحسابات الفئوية".
أصوات اقتصادية ودبلوماسية تحذّر: لبنان خارج المعادلة الإقليمية… والوقت لا ينتظر
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، من زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، إلى مفاوضات مباشرة بين سوريا وإسرائيل، تتعالى الأصوات اللبنانية المحذّرة من غياب الدولة عن المشهد، ومن بينها آراء شخصيات اقتصادية ودبلوماسية بارزة.
محمد شقير: لبنان بلا رؤية اقتصادية خارجية
رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير عبّر في أكثر من مناسبة عن قلقه من غياب لبنان عن أي خطة اقتصادية إقليمية، مؤكدًا أن "الاقتصاد اللبناني لا يمكن أن يتعافى دون انفتاح سياسي على الدول العربية والغربية، ودون مشاركة فاعلة في المشاريع الإقليمية". وأضاف: "نحن بحاجة إلى دبلوماسية اقتصادية، لا إلى الاكتفاء بالبيانات الإنشائية".
نقولا شماس: لبنان يُستبعد من خارطة الاستثمار
رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس يرى أن "لبنان يُستبعد تدريجيًا من خارطة الاستثمار الإقليمي بسبب غياب الاستقرار السياسي وغياب القرار الرسمي". ويضيف: "في ظل التفاهمات الجديدة بين سوريا وإسرائيل، وفي ظل إعادة التموضع الإقليمي، يجب على لبنان أن يُعيد بناء الثقة مع الخارج، وأن يقدّم نفسه كشريك لا كعبء".
السفير مسعود معلوف: لا دولة بلا سيادة ولا سيادة بلا قرار
السفير اللبناني السابق مسعود معلوف شدّد في تصريح لـ بيروت تايمز على أن "أي تطورات هامة في المنطقة سيكون لها تداعيات مباشرة على لبنان، بسبب انفتاحه وتداخل علاقاته مع القوى الإقليمية والدولية". وأضاف: "حصر السلاح بيد الجيش اللبناني هو المدخل الأساسي لاستعادة السيادة، ولا يمكن للبنان أن يبقى خارج دائرة القرار بينما تُرسم حدود جديدة من حوله".
دعوة إلى تحرك عاجل
في ظل هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بتحرك رسمي عاجل. فزيارة الرئيس السوري إلى واشنطن، وما قد يليها من تفاهمات إقليمية، تعني أن هناك إعادة رسم للنفوذ والتحالفات. وإذا لم يكن للبنان موقع واضح في هذه المعادلة، فسيُفرض عليه واقع جديد دون أن يكون له رأي فيه.
الغياب والمبادرة
غياب لبنان عن هذه اللحظة المفصلية لا يُفسَّر فقط بالعجز، بل يُنذر بتآكل ما تبقى من دوره التاريخي. فبينما تتحرك العواصم وتُبنى التفاهمات، يبقى لبنان غارقًا في أزماته، بلا حكومة فاعلة، ولا سياسة خارجية واضحة، ولا موقف من الملفات الكبرى.
الوقت لا ينتظر. وعلى القيادة اللبنانية أن تبادر فورًا إلى استعادة زمام المبادرة، وتحديد موقع لبنان في المعادلة الإقليمية الجديدة، قبل أن يُفرض عليه واقع لا يملك فيه سوى أن يتلقى النتائج.













11/03/2025 - 17:35 PM
.jpg)




Comments