إسرائيل توسّع خارطة التصعيد من الجنوب إلى البقاع وسط رسائل سياسية متشابكة

10/17/2025 - 14:22 PM

Bt adv

 

بيروت - منى حسن - بيروت تايمز

 

شهد الجنوب اللبناني اعتداءً جوياً إسرائيلياً هو الأعنف والأكثر تدميراً منذ إعلان وقف إطلاق النار، حيث شنت الطائرات الحربية أكثر من 12 غارة استهدفت واحدة من أكبر المنشآت الصناعية في بلدة سيناي – قضاء النبطية. المنشأة التي تضم شركات ومعامل لإنشاء الزفت ومجابل الباطون والزفت، دُمّرت بالكامل، واحترقت خزانات "الكولاس" والمازوت داخلها، إضافةً إلى احتراق عشرات الآليات. الشركة التي تمتد على مساحة تتجاوز 600 دونم وتضم نحو 100 موظف، باتت اليوم ركاماً، فيما وجد عمالها أنفسهم بلا عمل.

 

تصعيد متدرج ورسائل غير مموّهة

تعيش الساحة اللبنانية منذ أسابيع على وقع تصعيد متدرج من الجانب الإسرائيلي، يأخذ شكلاً محسوباً ومدروساً، يهدف إلى إحداث توتر دائم دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا التصعيد لا يُترجم بغارات عسكرية واسعة أو عمليات ميدانية كبرى، بل من خلال ضربات مركّزة تستهدف البنية الاقتصادية في الجنوب اللبناني، في محاولة واضحة لتعطيل أي مسعى لإعادة الإعمار أو تثبيت الاستقرار في تلك المناطق.

مصادر أمنية أكدت لـ"بيروت تايمز" الرسالة الإسرائيلية ليست مموّهة: إعادة الإعمار في الجنوب ممنوعة قبل أن يتخلى حزب الله عن سلاحه. بمعنى آخر، تريد إسرائيل القول إن أي عملية نهوض اقتصادي أو إعادة بناء لا يمكن أن تتم من دون تعديل جذري في موازين القوى الداخلية. غير أن هذه المقاربة، وفق المصادر نفسها، تكشف عن عجز إسرائيلي أكثر مما تعكس قدرة، إذ إن تل أبيب تدرك أن تحقيق أهدافها عسكرياً بات مستبعداً في ظل التوازنات الحالية، لذلك تلجأ إلى أسلوب الضغط غير المباشر عبر الاقتصاد والمعيشة.

 

خارطة التصعيد

في تصعيد لافت امتد من بلدات شمسطار البقاعية إلى الناقورة وكوثرية السياد وبنعفول في الجنوب، توزّع العدوان الإسرائيلي بشكل متزامن، وسمعت أصداؤه في مختلف مناطق البقاع والجنوب وصولاً إلى مدينة صيدا. هناك، تلا رئيس الحكومة نواف سلام ثوابت حكومته، مؤكداً حصر السيادة بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، واعداً أهالي الجنوب بالعودة والإعمار.

وفي كلمته، أشاد سلام بدور الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية في حفظ الاستقرار، متسلّحاً بثقة الناس التي وصفها بأنها رصيده الوحيد، قائلاً: "ما عنا مصاري.. ولا ميليشيات". ولم يكد رئيس الحكومة يغادر بوابة الجنوب، حتى شحذت إسرائيل سلاحها الجوي، مستخدمة الطيران والمسيرات، لتشنّ سلسلة اعتداءات مترابطة استهدفت خط القرى الممتد من النبطية إلى الزهراني، وصولاً إلى شمسطار في البقاع.

 

معارك ما بين الحروب

اللافت في هذا التصعيد أنه لا يحمل مؤشرات حرب قريبة، بل يبدو أقرب إلى ما يمكن تسميته "معارك ما بين الحروب"، أي تلك التي تُستخدم لتثبيت قواعد الاشتباك أو تعديلها من دون فتح جبهة مفتوحة. فلو كانت إسرائيل فعلاً تتجه نحو مواجهة شاملة، لما كانت تستهلك أوراقها في عمليات محدودة التأثير، بل كانت ستجمعها لتوظيفها في توقيت عسكري مناسب.

 

الداخل اللبناني في حالة ترقّب

يعيش الداخل اللبناني حالة من الترقب، إذ تتعامل القوى السياسية مع هذا التصعيد بوصفه جزءاً من لعبة أوسع تتقاطع فيها الاعتبارات الإقليمية والدولية. فالوضع الاقتصادي المتدهور أصلاً يجعل أي ضربة جديدة في الجنوب تحدث صدى مضاعفاً على مستوى الشارع، وهو ما قد يُستثمر سياسياً في أكثر من اتجاه. ويمكن القول إن التصعيد الإسرائيلي الراهن ليس سوى محاولة لإبقاء لبنان في حالة ضغط دائم، ولمنع أي استقرار قد يعيد ترتيب التوازنات الداخلية. لكنه أيضاً يعكس قلقاً لدى تل أبيب من أن ميزان الردع لا يزال قائماً، وأن أي توسع في المواجهة قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة. لذلك تظل الضربات الحالية، بكل رمزيتها وخطورتها، جزءاً من معادلة "منتصف الحرب"، حيث لا سلام مستقر ولا حرب شاملة، بل انتظار طويل في منطقة رمادية يحكمها التهديد والرسائل المتبادلة.

 

المقار الرئاسية تتحرّك

عادت المقار الرئاسية إلى تفعيل محركات اللقاءات، وفي هذا الإطار حصل اجتماع ضم الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام في قصر بعبدا، واجتماع آخر بين رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة. وأكدت مصادر حكومية أنه تم البحث في الاعتداءات المستمرة على لبنان والتطورات الإقليمية بعد قمة شرم الشيخ، وكذلك التحضير لجلسة مجلس الوزراء.

كما تم الحديث بين الرئيسين عون وسلام عن دعوة رئيس الجمهورية للتفاوض غير المباشر مع إسرائيل، والتي تهدف إلى إشراك لبنان في التسويات الخاصة بالمنطقة، والإبقاء عليه أولوية تحظى باهتمام دولي، خصوصاً أن اجتماعات هيئة الرقابة الدولية المشرفة على تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل ما زالت تراوح مكانها ولم تحقق أي تقدم، بعد أن تحولت إلى عدّاد للخروق والاعتداءات الإسرائيلية، فيما التزم لبنان به منذ اليوم الأول لصدوره.

 

توافق داخلي على الطرح الرئاسي

في هذا السياق، تؤكد مصادر وزارية لـ"بيروت تايمز" أن اقتراح عون يحظى بإجماع لبناني ولا يلقى اعتراضاً من "الثنائي الشيعي" الذي سبق وأمّن الغطاء السياسي للمفاوضات التي انتهت إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين. وتشير المصادر إلى أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري هو من توصل في مفاوضاته آنذاك مع الوسيط الأميركي آموس هوكستين إلى إطار للاتفاق كان وراء تحديد خريطة الطريق التي اتبعها المفاوض اللبناني وأدت إليه.

وتلفت المصادر الوزارية إلى أن حزب الله لم يعترض في حينها على التفاوض غير المباشر بين لبنان وإسرائيل، وتقول: الفارق بين المفاوضات البحرية وتلك المطروحة اليوم، يكمن في أن الاتفاق بوقف الأعمال العدائية الذي رعته الولايات المتحدة وفرنسا لا يزال قائماً، ولا حاجة إلى التوصل إلى آخر جديد، وأن اتفاقية الهدنة الموقّعة بين البلدين تشكل الإطار العام لبدء مفاوضات غير مباشرة برعاية أميركية.

 

"إلى لبنان دُر"

بحسب الرئيس نبيه بري، ثمة أمر كبير قد حصل، وكل التقديرات تشي بأن عنوان المرحلة بعد الاتفاق في غزة هو "إلى لبنان دُر". مصادر سياسية أكدت لـ"بيروت تايمز" أن لبنان بعد غزة مجدول على قائمة الاهتمام.

 

ترقّب دولي... وجمود داخلي

لم يُسجّل أمس أي تطور سياسي أو ديبلوماسي بارز في ضوء المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حول الاستعداد للتفاوض غير المباشر مع إسرائيل عبر الوسيط الأميركي. إذ لا يزال الرئيس ينتظر من الأميركيين والأوروبيين أن يترجموا الارتياح الذي أبدوه حيال مواقفه، ضغطاً على إسرائيل لتوقف اعتداءاتها وتنسحب إلى خلف الحدود، ليتسنى للجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل" الانتشار هناك، خصوصاً أن بقاء احتلالها لهذه المنطقة وعدم التزامها وقف إطلاق النار هما ما يعوقان تنفيذ القرار الدولي 1701.

وأكدت مصادر مطلعة لـ"بيروت تايمز" أنه وعلى الرغم من الأصوات المرتفعة في داخل لبنان، إلا أن الملف اللبناني مجمّد حالياً في انتظار اتضاح صورة المنطقة، وخصوصاً ما يرتبط منها بمساري غزة وسوريا. ولفتت المصادر إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والتي تتصاعد حيناً وتتراجع حيناً آخر، هي لزوم إبقاء لبنان تحت الضغط، والأرجح أنها ستظل ضمن السياق الحالي، وبالتالي سيبقى الوضع اللبناني حتى إشعار آخر بين حدّي لا حرب ولا سلام.

واعتبرت المصادر أن البلد يمرّ على مستوى وجهته الاستراتيجية في مرحلة انتقالية أو رمادية، ومن الأسباب التي تحول دون انقشاع الرؤية غياب الالتقاء الداخلي على مشتركات أساسية

 

طبيعة المفاوضات: رسائل رئاسية وتحركات أميركية مرتقبة

استأثرت الرسائل التي وجّهها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الخارج باهتمام القوى السياسية في الأيام الأخيرة، ومفادها أن لبنان مستعد للدخول في مفاوضات مع إسرائيل. ومع أن الرئيس لم يوضح تماماً طبيعة هذه المفاوضات، يؤكد العارفون أن المقصود ليس مفاوضات السلام المباشرة التي يشجع عليها الأميركيون، ولا المفاوضات المباشرة حول الترتيبات الأمنية، على غرار تلك الجارية بين إسرائيل وسوريا على مستوى وزاري رفيع.

فالحكم في لبنان يدرك جيداً أن الظروف ليست ناضجة إطلاقاً لهذه النماذج من المفاوضات، وأن الحدّ الأقصى المتاح حالياً هو تجربة لجان الاتصال العسكرية المعروفة في الناقورة منذ سنوات طويلة، والتي تم تطويرها مرتين برعاية أميركية في السنوات الأخيرة: خلال مفاوضات الترسيم البحري، وبعد إقرار اتفاق تشرين الثاني الفائت لوقف النار بين لبنان وإسرائيل.

وتوقعت مصادر سياسية لـ"بيروت تايمز" أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من الضغط الأميركي على لبنان في اتجاه تحريك مسار التفاوض، ولو بطابع مباشر وأرفع مستوى. وستضطلع الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس بدور أساسي في هذا الاتجاه، من خلال ترؤسها لجنة «الميكانيزم» في الناقورة في عدد من اجتماعاتها المقبلة، ولكنها ستترقّب إنضاج الظروف الإقليمية والداخلية في الدرجة الأولى، قبل أن تطلق الطروحات الجديدة.

 

الوسط اللبناني ينشغل بترتيب ملفاته

ينشغل الوسط اللبناني بترتيب ملفاته، وعليه أن يكون جاهزاً للتكيّف مع المتغيّرات. وترى المصادر أنه لا بد من تفعيل عملية التواصل الداخلي بين القوى السياسية لبناء أرضية جاهزة للمفاوضات، ما يعيد التأكيد على أهمية الحوار والهدوء والتروي في العمل السياسي، بعيداً عن الانفعال أو التخوين الذي لا يخدم إلا إسرائيل.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment