بيروت – تحقيق اخباري خاص من اعداد منى حسن – بيروت تايمز
في لحظة إقليمية مشحونة بالتقلبات، يعود الجنوب اللبناني إلى واجهة المشهد الأمني والسياسي، مع تصاعد وتيرة الغارات الإسرائيلية والخروقات المتكررة التي طالت بلدات عدة في الساعات الأخيرة. ورغم أن هذه الاعتداءات لم تخرج عن السياق اليومي الذي يرافق اتفاق وقف إطلاق النار منذ قرابة عام، إلا أن حدّتها المتزايدة أعادت طرح السؤال الجوهري: هل يقترب لبنان من جولة جديدة من المواجهة، تسعى إسرائيل من خلالها إلى فرض وقائع ميدانية تعوّض بها ما خسرته في غزة؟
في هذا السياق، برز موقف رئاسي لافت، حيث أبلغ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قائد القوات الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل"، الجنرال ديوداتو أبغنارا، خلال استقباله في قصر بعبدا، أن "عديد الجيش اللبناني جنوب الليطاني سيزداد تدريجياً ليبلغ نحو عشرة آلاف عسكري مع نهاية العام، بهدف ترسيخ الأمن والاستقرار على طول الحدود الجنوبية، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تحتلها". وأكد الرئيس عون أن الجيش اللبناني سيتولى، بالتنسيق مع "اليونيفيل"، تطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته، كما سيتسلّم المواقع التي تشغلها القوات الدولية تدريجياً حتى نهاية العام 2027.
العماد جوزاف عون الى روما
أفادت معلومات "المركزية" أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون سيتوجه نهاية الاسبوع الى روما للمشاركة في حفل تقديس المطران الشهيد اغناطيوس مالويان، باعتباره قديساً من لبنان، علما ان البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي غادر بيروت اليوم الى الفاتيكان للغاية نفسها، وسيلتقي قداسة البابا لاون الرابع عشر الذي يزور لبنان نهاية تشرين الثاني المقبل.
بري: الانتخابات في موعدها
جدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري تأكيده على أنّ "الانتخابات النيابية ستجري في موعدها، ولا توجد أي موانع تحول دون إجرائها". وردّاً على سؤال حول تصويت المغتربين، أوضح: "لدينا قانون انتخابي نافذ، وستجري الانتخابات على أساسه، ما يعني أنّ عمليات الاقتراع ستحصل في لبنان، ومَن يُريد أن يشارك في الاقتراع وينتخب، يستطيع أن يأتي إلى لبنان وينتخب في لبنان".
وحول التطوّرات الأخيرة في غزة، لم يتوسّع بري في التحليل بشأن الاحتفالية التي رافقت وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنطقة، مكتفياً بالقول: "إنّ ثمّة أمراً كبيراً قد حصل. بعدما نُفِّذت المرحلة الأولى من اتفاق غزة، فإنّه لا يُعبّر عن اطمئنان، بل يُقارب المراحل التالية من هذا الاتفاق بحذر شديد".
أما عن لبنان بعد اتفاق غزة، فأكّد بري أنّه "ليس قلقاً، ويُخالف ما يُنثر في الأجواء من سيناريوهات وتهويلات تُطلَق من غير مصدر، وتُنذِر بتصعيد وحصول حرب على جبهة لبنان"، لافتاً إلى أنّ كلّ التقديرات تُشي بأنّ عنوان المرحلة بعد الاتفاق في قطاع غزة هو: "إلى لبنان دَرّْ". هذه الفرضية، بحسب بري، هي الأقرب إلى الواقع، "لكن لا توجد معطيات حول ما يمكن أن يُطرح في هذا المسار".
التطمينات الميدانية
وسط هذا المشهد، لا تبدو التطمينات الرسمية بعدم اتساع رقعة القتال كافية أمام تصاعد وتيرة الغارات والاستهدافات بالطائرات المسيّرة. وأكدت مصادر أمنية لـ"بيروت تايمز" أن الجنوب يعيش اليوم حالة "استنفار صامت" يخشى الجميع أن تتحوّل في أي لحظة إلى اشتعال شامل. ويبقى السؤال: ما الأسس التي يستند إليها المسؤولون في تطميناتهم؟ وأيّ سيناريوهات يمكن أن تُرسَم للجنوب اللبناني في مرحلة ما بعد حرب غزة؟
مشهد ميداني متحرّك
اتجهت الأنظار مؤخراً إلى اجتماع "لجنة وقف إطلاق النار" في الناقورة، أملاً بتحقيق خرق في المشهد السياسي والميداني، جاء الاجتماع ليثبّت الوقائع المتناقضة: الجيش اللبناني يدين الغارات واستهداف المدنيين والبنى الاقتصادية ويعدّها خرقًا لاتفاق وقف الأعمال العدائية، ويذكّر بالنقاط الخمس التي ما زالت إسرائيل تحتلّها جنوب الليطاني، بينما يواصل الجانب الإسرائيلي تذرّعه بـ"حق الدفاع عن النفس" لتبرير عملياته. وبين هذين الموقفين، تبدو النتيجة ثابتة: مسار تفاوضيّ لا يحقق أي تقدّم، وميدانٌ يتكفّل بإنتاج الحقائق على الأرض، وقد بات مسرحًا للاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة التي توحي بأن تل أبيب تسعى إلى فرض واقع ميداني جديد يختبر ليس فقط قدرة الدولة اللبنانية على الاحتواء، بل أيضًا صبر "حزب الله" الذي يواصل التزامه باتفاق وقف إطلاق النار، ولو أنّه لوّح غير مرة بأنّ هذا الصبر ليس بلا حدود.
مداولات الصالونات والمجالس
في المقابل، ترتفع الأصوات في الداخل اللبناني خشية أن تنفجر الجبهة الجنوبية مجددًا على وقع التهدئة التي سادت في غزة، خصوصًا بعدما أشارت تقارير إسرائيلية إلى أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد تحويل التركيز نحو الشمال. وتؤكد مصادر نيابية لـ "بيروت تايمز" أن التطوّرات الإقليمية الأخيرة التي بدأت مراحلها التنفيذية في اتفاق غزة، فرضت نفسها بنداً رئيسياً في مداولات الصالونات والمجالس السياسية، والجامع بينها الحذر من أيّ معوّقات قد تطرأ في طريق هذا الاتفاق، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات وارتدادات، خصوصاً في ظلّ التهديدات الإسرائيلية بإعادة فتح "باب جهنم" ما لم يُحسَم تسليم سلاح حركة "حماس"، فيما لوحظ التركيز بشكل مكثّف على جبهة لبنان.
لبنان المحطة التالية
من جهة أخرى، أكدت مصادر سياسية لـ "بيروت تايمز" أن المحطة الثانية بعد غزة هي لبنان، وتلوح في أفقه وجهتان متناقضتان: الأولى أن يُوضَع على مسار التسوية السياسية، وخصوصاً أنّ وضعه الداخلي بات مؤاتياً لذلك، والثانية أن يُوضَع على خط النار الإسرائيلية من جديد، إذ إنّ الاحتمالات مفتوحة، تعزّزها السيناريوهات الحربية والتهويلات التي تُنشر عبر منصة X وتصعيد من الداخل والخارج.
التسوية موجودة
مصادر دبلوماسية أميركية أكدت لـ"بيروت تايمز" أنّ الاحتمال الأقرب إلى الواقع بعد اتفاق غزة، هو أن يتوجّه الأميركيّون مباشرة نحو لبنان، لإطلاق ما يسمّونه مسار الحلّ السياسي وترسيخ الهدوء على جانبَي الحدود الجنوبية، كاشفة عن إشارات ديبلوماسية غربية وردت إلى مراجع مسؤولة، تفيد بتحضيرات لإطلاق مفاوضات في المدى المنظور، لكن من دون أن توضح المصادر "شكل المفاوضات، وما إذا كانت ذات طابع أمني أو سياسي أو أمني وسياسي معاً".
مفاوضات على غرار الترسيم البحري
أكّد مرجع رسمي كبير لـ"بيروت تايمز"، لجهة رفض لبنان المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، أو إعطاء أي مفاوضات قد تحصل أيّ بُعد سياسي، وما طرحه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، عكس من جهة الموقف اللبناني الجامع، بأنّ لبنان لا يُريد الحرب، وحدّد من جهة ثانية ما يمكن للبنان أن يقبل به على هذا الصعيد، أي مفاوضات على غرار مفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي رعاها الأميركيّون عبر آموس هوكشتاين، تحقق الوقف الفوري للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإطلاق الأسرى اللبنانيين، وتمكين أبناء القرى والبلدات اللبنانية المدمّرة جراء العدوان الإسرائيلي من إعادة إعمارها لأنّ ثلاثة أرباع الطريق منجزة، ولسنا في حاجة إلى تسوية جديدة، إذ لدينا تسوية قائمة محدّدة مندرجاتها في اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 تشرين الثاني من العام الماضي، وكذلك في القرار الدولي 1701. ولبنان بشهادة كل العالم، ومعهم قيادة "اليونيفيل" ولجنة الإشراف على تنفيذ الاتفاق، التزم بالكامل بكل تفاصيلها، والجيش اللبناني يقوم بمهامه كاملة بالتنسيق والتعاون مع قوات "اليونيفيل" جنوب الليطاني وفق منطوق القرار 1701، ولبنان على مستوياته الرسمية جميعها يؤكّد أنّه لا يُريد الحرب، بل ترسيخ الأمن والاستقرار، والرئيس عون حدّد في كلامه الأخير أنّ مكمن المشكلة هو لدى إسرائيل وليست لدى لبنان، ما يعني أنّ اتفاق 27 تشرين والقرار 1701 ملتزَمٌ بهما من طرف واحد هو لبنان، وليس المطلوب إلّا إلزام إسرائيل بصورة جدّية بمندرجات القرار الدولي، واتفاق وقف عدوانها على لبنان.
الدوائر الرئاسية
أوساط قريبة من الدوائر الرئاسية أكدت لـ "بيروت تايمز" أن أبرز الاستحقاقات التي تشغل الرؤساء والمعنيين في الفترة المقبلة، هي: الاستعداد اللبناني الذي لا بد منه لكل احتمالات الواقع الإقليمي الجديد، خصوصاً في ظل ما أوحاه كلام رئيس الجمهورية جوزف عون قبل أيام عن موضوع التفاوض وعدم معاكسة لبنان لمسار المفاوضات. علماً أن هذا الاستحقاق لا ينفصل عن المخاوف المستمرة من استمرار التصعيد الإسرائيلي المنهجي، سواء بالوتيرة الجارية حالياً أم بوتيرة أشد خطورة، واستعجال بتّ وحسم الخلاف المستحكم داخلياً ونيابياً حول موضوع قانون الانتخاب، منعاً لأي مفاجآت سلبية من شأنها التأثير على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وكذلك بتّ الملفات المالية التي لا تحتمل تأجيلاً، وفي مقدمها الموازنة وإنجاز قانون الفجوة المالية، في ظل ما سيعود به الوفد اللبناني إلى الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي في واشنطن من معطيات وأجواء لا تبدو بمجملها موحية بالتفاؤل.
مشاورات بين أهل الحكم
يُتوقّع أن تشهد الأيام القليلة المقبلة تزخيماً في وتيرة المشاورات بين أهل الحكم، أشارت مصادر سياسية مطّلعة لـ"بيروت تايمز" إلى أنّ حركة اتصالات تجري بين بعبدا والسرايا الحكومية وعين التينة، تتركّز على إمكان عقد لقاء يجمع الرؤساء جوزف عون ونبيه بري ونواف سلام، يُخصّص للبحث في ملف التفاوض الذي أثاره رئيس الجمهورية في كلمته منذ يومين.
وقالت المصادر إنّ ملفاً على هذا المستوى من الأهمية لا بدّ من أن يكون موضع تشاور بين الرؤساء، ليحدّدوا خريطة طريق موحّدة تسير البلاد في هديها، مشيرةً إلى أنّ هذه الحركة ستتكثّف في الأيام القليلة المقبلة لتواكب التحوّلات الإقليمية ومسار التسويات الذي انضمّت إليه غزة، والذي لا يمكن أن يبقى لبنان خارجه، كما قال الرئيس عون.













10/16/2025 - 13:04 PM





Comments