ترامب والعلوم الاجتماعية

10/15/2025 - 17:32 PM

Bt adv

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

 

احدى الاسئلة المهمة التي تجد محاولات أجوبة لها في العلوم الاجتماعية هي الاسباب التي تكمن وراء تأسيس ونهضة وازدهار وثم زوال عهود وامبراطوريات وحضارات ودول. ما هي فعلا الاسباب وراء نهضة الحضارات اليونانية والرومانية وغيرها وثم زوالها أو سقوطها؟ لماذا لم تستمر هذه الحضارات عبر الزمن وحتى اليوم وما هي العناصر المحركة للتغيير؟ هل العوامل النفسية وحدها وراء تحرك الرئيس ترامب لتحقيق سلام دائم في المنطقة؟ هل هو حبه للسلام أم الفوائد السياسية التي تنتج عن مشروعه الطموح؟

من الاسباب النفسية الرئيسية لتصرف الانسان هي حاجته للانجاز والنجاح ليس فقط للحصول على المال أو لحب الظهور، بل لارضاء النفس بحسن تأدية الواجب. هل يقع تفكير الرئيس ترامب في هذا الايطار؟ تشدد أكثرية النظريات النفسية على دور الانسان في خلق واستمرار النمو. فالانسان المتطور، المطلع والمشارك في مجتمعه، المنفتح على الافكار والاختبارات الجديدة، المستقل فكريا، يخلق مؤسسات متطورة ناجحة.

فالنمو الاقتصادي ينتج عن ذهنية متطورة خلاقة مبدعة. عندما يزول الابداع والتجدد تضمحل المجتمعات والحضارات والمؤسسات وتبداء مرحلة الانحدار المميتة. في عالمنا، وجود الانسان المتطور هو حاجة اساسية ضرورية لاستمرارية المجتمع في عالم الشمولية والتنافسية. دور الدولة الواعية والمؤسسات المهتمة بالشأن الاجتماعي هو توعية المواطن على دوره الانمائي الرائد وجعله يتطور وينفتح حتى يساهم في انماء مجتمعه ووطنه.

من أسباب النجاح الاقتصادي لدول شرق اسيا اعتمادها نظريات الفيلسوف الصيني "كونفوشيوس" Confucius الذي عاش بين السنوات 551 و479 قبل الميلاد وكانت نظرياته ترتكز على ضرورة احترام المواطن للقانون والنظام في مجتمعات فاضلة متضامنة مثقفة وناشطة. ف "مجتمعات كونفوشيوس" تعطي أهمية كبرى للتعليم والنجاح المهني والعلمي والثقافي. تربي هذه المجتمعات في الانسان شعور الواجب تجاه نفسه وعائلته ومجتمعه. اعتمدت الدول الاسيوية هذه المبادىء وركزت على التعليمين الابتدائي والمهني ونجحت. يعتمد الملتزم بنظريات كونفوشيوس على العمل الجدي المتواصل في حياته المهنية ويتصف بالمسؤولية وبحب الابداع وبمساعدة مجتمعه بكل ما يملك من امكانيات مادية وفكرية.

هذه الميزات تدفع في الواقع الى تشكيل مجتمعات ودول متضامنة متماسكة على عكس الاخرى المرتكزة على مبادىء النجاح الفردي المادي والاعلامي الذي يفيد الشخص أولا وربما المجتمع ثانيا. فالمجتمعات الاسيوية عرفت بالتضامن والتماسك في مواجهة المشاكل المشتركة وحضت أفرادها على العمل أولا لمصلحة المجموع حتى على حساب الحرية الفردية والحقوق الاجتماعية. الجانب السلبي لبعض التجارب يكمن في ان التركيز على العمل المستمر المضني وعلى تقديم مصلحة المجتمع على حقوق الفرد لا يستمر طويلا اذ للتضحية حدود وهذا ما يفسر الازمات التي تشهدها بعض الدول في أسيا وخارجها.

ذهنية العمل الايجابي والتفاؤل تؤثر على النمو الاقتصادي مما يؤكد على العلاقة القوية بين العلوم الاقتصادية والعلوم الاجتماعية والانسانية وخاصة علم النفس. التفاؤل المنطقي مطلوب ومفيد لكن الافراط فيه دون منطق، مضر ويؤدي الى نتائج معاكسة مؤذية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment