طرابلس بين الاستثمارات الاستعراضية وغياب مشروع النهوض

01/20/2026 - 10:26 AM

Prestige Jewelry

 

 

 رشيد ج. مينا

جميل ما نشهده من افتتاح مؤسسات وفروع لشركات ومطاعم ومقاهٍ، وما يرافق ذلك من إعلانات واحتفالات. وهذا في ظاهره أمر طبيعي في أي مدينة حيّة. لكن السؤال المشروع الذي لا يجوز القفز فوقه هو:

هل تشكّل هذه المشاريع رافعة اقتصادية حقيقية لمدينة طرابلس، أم أنها مجرّد مشهد استعراضي في مدينة غارقة في الفوضى والإهمال والتهميش المتعمّد منذ عقود؟

طرابلس، المدينة الشمالية التي جُرّدت من دورها، وضُربت مقوّماتها، وشُلّت مرافقها، تقف اليوم على حافة فقدان هويتها، بعد أن فُرض عليها الفقر والتسيّب والإقصاء. فهل افتتاح عدد من المطاعم والمقاهي، مهما كثر، قادر على حلّ أزمة البطالة، أو استعادة مكانة طرابلس الاقتصادية والتجارية، أو إعادة الاعتبار لدورها الوطني؟

ما يجري اليوم في معظمه عشوائي، لا يقوم على دراسات جدّية لحجم السوق، ولا على قراءة واقعية للقدرة الشرائية، ولا على تقييم جهوزية المدينة وبُناها التحتية والاجتماعية لتكون مدينة جاذبة سياحيًا وتجاريًا. بل على العكس، فإن هذا النمط من الاستثمارات يزيد من الفروقات الاجتماعية والطبقية، ويختصر طرابلس في “رصيف مطاعم ومقاهٍ”، وكأن المدينة لا تاريخ لها، ولا عمق اقتصادي، ولا دور إنتاجي. والأخطر من ذلك أن طرابلس، المدينة التاريخية الغنية بالآثار والمعالم والأسواق التراثية، تُختزل اليوم بمشاريع استهلاكية ضيّقة، فيما يُهمَل بعدها السياحي الطبيعي، وكأن المطلوب طمس هويتها التاريخية بدل تحويلها إلى عنصر جذب.

طرابلس التي تختزن واحدًا من أغنى الإرثين العمرانيين في لبنان والشرق، كان يمكن أن تكون مدينة سياحية بامتياز، لو جرى تأهيل بناها التحتية، وترميم معالمها، ودمجها في خطة وطنية للنهوض السياحي والثقافي.

لا أحد يعترض على حقّ الاستثمار أو إقامة المشاريع الخاصة، لكن الاستثمار بلا رؤية يتحوّل إلى عبء. فالإهمال والفوضى يضربان المدينة، وحملات التشويه و”الدعشنة” تتزايد، والقرار السياسي في طرابلس غائب، أو معطَّل، أو عاجز، بفعل طبقة سياسية لم تقدّم للمدينة سوى مزيد من التهميش والفقر والتسيّب، وساهمت في تفريغها من دورها ومكانتها. وليس تفصيلًا عابرًا أن تغيب الفنادق، أو فروع السلاسل العربية والعالمية، عن مدينة بحجم طرابلس وتاريخها. فالسياحة لا تقوم على مطعم أو مقهى، بل على بنية متكاملة، تبدأ من الأمن والخدمات، ولا تنتهي بالإقامة والاستثمار المستدام.

هذا الغياب يطرح سؤالًا مشروعًا: هل ما تعيشه طرابلس مجرّد إهمال، أم انتقام تاريخي ممنهج، وتدمير مقصود لأي إمكانية لبناء مستقبل مختلف لهذه المدينة؟

طرابلس لا تحتاج إلى مهرجانات افتتاح، بل إلى خطة نهوض شاملة. تحتاج إلى رجالات وقيادات شعبية من نسيجها الاجتماعي الوطني، يملكون الرؤية والإرادة، ويعملون بجدية وفعالية لاستعادة طرابلس كعاصمة للشمال، وكعاصمة ثانية للبنان فعليًا لا اسميًا، وشريكة حقيقية في صنع القرار الوطني ومشاريع التنمية والاقتصاد.

النهوض الحقيقي يبدأ حين تقوم الدولة بما عليها:

تأهيل البنى التحتية، تشغيل المرافق العامة، دعم البلديات وتفعيل دورها، ووضع خطة اقتصادية متكاملة للمدينة. وحينها فقط، يصبح للقطاع الخاص، ولأبناء طرابلس، دور فعلي في استنهاض القطاعات الصناعية والتجارية والسياحية، ضمن توجهات تنسجم مع تاريخ المدينة، ودورها الريادي، وهويتها العربية، ونموذجها في العيش الوطني.

طرابلس اليوم تحت ضغط الفقر والتهميش والإقصاء والتسيّب. وما التهليل لبعض المشاريع الخاصة، خارج أي رؤية شاملة، إلا هروب من الحقيقة. والحقيقة أن المدينة تحتاج إلى قرار سياسي، وقيادات مخلصة، وخطط بحجمها تاريخًا وثقافة وهوية. وفي الوقت نفسه، تقع مسؤولية كبرى على أبناء طرابلس أنفسهم: في الدفاع عن مدينتهم، واستعادة حقوقهم، ورفض اختزالها، والعمل المنظّم لرفع المعاناة عن كاهلهم. كما تقع المسؤولية، كاملة غير منقوصة، على الدولة ومؤسساتها، وعلى طبقة سياسية أثبتت التجربة أن التغيير الحقيقي فيها لم يعد ترفًا… بل ضرورة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment