عون يدعو إلى التفاوض مع إسرائيل: هل دخل لبنان مرحلة التسويات؟

10/14/2025 - 10:50 AM

secureaisystems

 

 

تحقيق خاص – بيروت تايمز – كتب جورج ديب

 

في موقف لافت يعكس تبدّلًا في الخطاب السياسي اللبناني، أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن "الدولة اللبنانية سبق أن فاوضت إسرائيل برعاية أميركية وأممية، ما أسفر عن اتفاق لترسيم الحدود البحرية"، متسائلًا: "فما الذي يمنع أن يتكرّر الأمر نفسه لإيجاد حلول للمشاكل العالقة؟".

تصريحات عون جاءت في توقيت حساس، يتزامن مع بدء تطبيق المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، ومع دخول المنطقة في مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني، حيث لم تعد الحرب خيارًا مجديًا، حتى بالنسبة لإسرائيل التي اضطرت إلى التفاوض مع حركة "حماس".

رسائل متعددة الاتجاهات

مصادر مطّلعة اعتبرت أن موقف الرئيس عون يحمل رسائل متقدّمة، لا سيّما في ظل تعقّد المشهد الإقليمي، وتراجع موقع لبنان في المحافل الدولية. فعدم دعوة لبنان إلى اجتماع نيويورك، ولا إلى قمة شرم الشيخ، رغم تأييده لخطة ترامب، يعكس نظرة دولية متحفظة تجاه السيادة اللبنانية، ويشير إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات، وعلى رأسها حصر السلاح بيدها.

دور ترامب: هندسة التسويات من بوابة غزة

يرى الدكتور فادي الحاج، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف، أن خطة ترامب تشكّل نقطة تحوّل في مقاربة النزاع العربي الإسرائيلي، حيث باتت التسويات تُفرض من بوابة الضرورة لا القناعة. ويضيف: "تصريحات الرئيس عون تنسجم مع هذا المسار، وتفتح الباب أمام مقاربة لبنانية جديدة، شرط أن تحظى بدعم داخلي وتنسيق إقليمي".

أوروبا: وسيط محتمل أم مراقب متردد؟

من جهته، يعتبر السفير السابق في بروكسل، نجيب صليبا، أن أوروبا لا تزال مترددة في لعب دور الوسيط، لكنها تراقب عن كثب التحولات الجارية. ويقول: "الاتحاد الأوروبي قد يتحرك إذا لمس جدية لبنانية في الإصلاح، وتوجّهًا واضحًا نحو التفاوض، بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية".

سوريا: بين الحياد والتأثير غير المباشر

أما الباحثة في الشؤون السورية، ريم خوري، فتشير إلى أن دمشق تراقب التطورات اللبنانية من زاوية مصالحها الاستراتيجية. وتوضح: "سوريا لن تعارض أي تسوية لبنانية – إسرائيلية إذا كانت تصب في استقرار الحدود، لكنها لن تكون طرفًا مباشرًا في التفاوض، خاصة في ظل انشغالها بملفات داخلية ودولية أكثر إلحاحًا".

الموقف العربي: بين التأييد الحذر والاصطفاف التقليدي

في السياق العربي، تتباين المواقف حيال الانفتاح اللبناني على فكرة التفاوض مع إسرائيل.

  • مصر، التي لعبت دور الوسيط المركزي في الملف الفلسطيني وشاركت في قمة شرم الشيخ، تعتبر أن أي حوار لبناني - إسرائيلي يجب أن يصب في خدمة الاستقرار الإقليمي، لكنها تدعو إلى الحذر من "أي خطوات غير منسّقة عربيًا"، كما جاء على لسان مصدر دبلوماسي مصري.

  • الأردن، صاحب اتفاق وادي عربة، يشجّع على مبدأ "السلام مقابل الأمن"، لكنه يرى أن التفاوض لا يمكن أن يكون منتجًا دون بيئة داخلية متماسكة في لبنان. ويشير مسؤول أردني إلى أن "الانقسامات الداخلية تضعف قدرة أي طرف لبناني على التفاوض الفعلي".

  • دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، لم تصدر بعد مواقف رسمية بشأن تصريحات عون، لكن محللين خليجيين يرون أن "أي انفتاح لبناني على إسرائيل سيُقاس بمدى استقلاليته عن حزب الله، ومدى التزامه بالقرارات الدولية".

  • أما قطر، والتي تلعب دورًا نشطًا في الوساطات الإقليمية، فتبقي موقفها مرنًا، مع تأكيدها الدائم على "حل الدولتين" ورفضها لأي تطبيع لا يستند إلى تسوية شاملة.

هل يلتف الداخل حول عون؟

في الداخل، تتباين المواقف. فبينما ترى بعض القوى أن التفاوض ضرورة وطنية، يصرّ حزب الله على أن أي خطوة من هذا النوع يجب أن تمرّ عبر إجماع وطني، وأن لا تكون على حساب الثوابت. إلا أن مراقبين يرون أن موقف الرئيس عون قد يشكّل فرصة لإعادة تموضع سياسي، إذا ما تمّت قراءته بواقعية، بعيدًا عن الشعارات.

قنوات التفاوض السابقة: بين العلني والسري

رغم أن لبنان وإسرائيل لا تربطهما علاقات دبلوماسية، فقد شهد تاريخهما محطات تفاوض متعددة، غالبًا ما جرت عبر وسطاء دوليين، وفي ظروف أمنية أو سياسية استثنائية.

1. اتفاقية الهدنة عام 1949

أولى قنوات التفاوض الرسمية كانت بعد نكبة 1948، عبر اتفاقية الهدنة التي وُقّعت في رأس الناقورة برعاية الأمم المتحدة. رغم أنها لم ترقَ إلى مستوى اتفاق سلام، فإنها وضعت قواعد اشتباك مؤقتة لا تزال مرجعية قانونية في بعض النزاعات الحدودية.

2. مفاوضات 1983 – اتفاق 17 أيار

في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وُقّع اتفاق في 17 أيار 1983 بين الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية، برعاية أميركية. لكن الاتفاق فشل في الحصول على غطاء سياسي داخلي واسع، خصوصًا مع رفض سوريا وحلفائها في لبنان، ما أدى إلى إسقاطه في البرلمان بعد أقل من عام.

3. مفاوضات تبادل الأسرى

شهدت العقود الماضية مفاوضات غير مباشرة بين حزب الله وإسرائيل، حول تبادل الأسرى وجثامين القتلى، جرت عبر وسطاء من الأمم المتحدة أو ألمانيا. أبرز هذه العمليات تمت في 2004 و2008، حيث تم إطلاق أسرى لبنانيين مقابل جنود إسرائيليين.

4. ترسيم الحدود البحرية – مفاوضات الناقورة (2020–2022)

أهم قنوات التفاوض العلنية في السنوات الأخيرة كانت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، التي انطلقت في أكتوبر 2020 في بلدة الناقورة، برعاية أميركية وبحضور ممثل عن الأمم المتحدة.

ورغم التوترات، أفضت هذه المفاوضات إلى اتفاق تم التوصل إليه عام 2022، عُرف باسم "اتفاق ترسيم الحدود البحرية"، والذي سُمّي في الإعلام الغربي "اتفاق الطاقة"، وأتاح للبنان البدء بالتنقيب عن الغاز في مياهه الاقتصادية.

هذا الاتفاق شكّل سابقة تاريخية، كونه أول اتفاق حدودي مباشر – وإن غير سياسي – بين لبنان وإسرائيل منذ قيام الدولة العبرية، وهو ما استند إليه الرئيس عون في دعوته إلى تكرار النموذج لحل ملفات عالقة أخرى.

فرص وتحديات

لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن يدخل مسار التسويات بجرأة ووضوح، أو أن يبقى أسيرًا لحسابات داخلية وخارجية متشابكة. تصريحات الرئيس عون فتحت الباب، لكن المسار لا يزال طويلًا، ويتطلب:

  • إرادة سياسية واضحة

  • دعمًا دوليًا وعربيًا

  • توافقًا داخليًا حقيقيًا

وفي ظل الزخم الإقليمي والتحولات المتسارعة، قد تكون هذه الفرصة الأخيرة للبنان ليثبت قدرته على التفاعل مع المتغيرات، لا الاكتفاء بردّات الفعل.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment