محاضرة ألسفير د. هشام حمدان في الارجنتين عن بناء السلم في لبنان، ما هذا العنوان ولماذا؟

10/13/2025 - 11:29 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

بوينوس أيريس - بيروت تايمز

 

في قلب بوينوس أيريس، وعلى أرض النادي اللبناني الذي يجمع أبناء الوطن في المهجر، نلتقي اليوم لنصغي إلى صوت من أصوات الدبلوماسية اللبنانية، السفير هشام حمدان، في محاضرة تحمل عنوانًا بالغ الدلالة: "بناء السلم في لبنان، ما هذا العنوان ولماذا؟"

ليس هذا العنوان مجرد تساؤل بل هو دعوة للتأمل، ومفتاح لفهم أعمق لتحديات وطنٍ يتوق إلى الاستقرار، ويكافح من أجل ترسيخ ثقافة السلام وسط العواصف السياسية والاقتصادية. فلبنان، الذي علّم العالم كيف تُبنى الحضارات على التعددية، يواجه اليوم سؤالًا وجوديًا: كيف نعيد للسلم مكانته في وجداننا الوطني؟ وما دورنا، في الداخل والخارج، في صياغة هذا المسار؟

السفير هشام حمدان، بخبرته الواسعة في العمل الدبلوماسي، وبنظرته العميقة إلى الواقع اللبناني، يفتح أمامنا اليوم نافذة فكرية وإنسانية، ليحدثنا عن معنى السلم في السياق اللبناني، عن أبعاده السياسية والاجتماعية، وعن مسؤولية كل فرد في صونه وتعزيزه.

لنقرأ معًا، الكلمات، والرسالة التي تحملها، وإلى الأمل الذي ينبض في كل حرف منها.

 

نظرة حول واقع لبنان الحالي: هل لبنان دولة فاشلة؟

يمر لبنان بمرحلة من عدم الإستقرار والإنهيار الإقتصادي المريع. يبدو بلدا ممزقا لا تستطيع الدولة أن تحكمه، وهو يخضع لمجموعة من السياسيين الذين يتقاسمونه على قاعدة طائفية ومذهبية، مما يجعل من المستحيل إقامة نظام حكم رشيد فيه، وتفعيل المفاهيم الديمقراطية السائدة في البلدان الحضارية.  بعض الكتاب والسياسيين في العالم يصفونه بدولة فاشلة. هل لبنان دولة فاشلة؟

بغية الجواب على هذا السؤال، علينا أن نقرأ بموضوعية الأسباب التي أوصلت لبنان إلى حالته الراهنة.

من يعرف لبنان والتطور الذي شهده منذ استقلاله عام 1943 وحتى الحرب الأهلية عام 1975، يرفض هذا الكلام. كتبت الكاتبة فايزة دياب مقالة صدرت بتاريخ 24 آب 2018 في مجلّة المجلّة الصادرة في لندن، قالت فيها: "كثيرة هي الألقاب التي عُرف بها لبنان. وكثيرة هي الميّزات التي يتمتّع بها وطن ال 10452كلم مربعا. فرغم صغر مساحته وكثرة مشاكله، بقي لبنان على مرّ الزمان والعصور منارة مضاءة لا تطفئه حروب أو كوارث تعصف ببلد الأرز، ليهتز دون أن ينهار...".

قال أحد كتاب دولة الإمارات العربية: تحولت دولة صحراوية إلى إحدى منارات العالم فيما تحولت منارة الشرق الأوسط لبنان إلى دولة شبه فاشلة. لماذا؟ وهو أجاب: في الإمارات خرج عملاق يحكم البلاد برؤية وإخلاص أما في لبنان فجاء إليه حكام لا رؤية لديهم ولا إخلاص وتلوثت ايدييهم بالدماء وعاشوا الحروب ومفاهيمها.

هذا البلد الصغير الذي يتمتع بطبيعة جبليّة رائعة ونادرة في تلك المنطقة ألشرق أوسطيّة، ولديه تاريخ يصل إلى أكثر من خمسة الآف سنة، وكان إحدى الحضارات الأولى في تاريخ البشرية، وذكر 12 مرّة في ملحمة جلجامش.  شهد مرور كلّ حضارات العالم على أراضيه منذ حقبة الفينيقيين. وهو من الأراضي المقدّسة، حيث مشى السيّد المسيح عليه السّلام، إلى صور، وما زالت المغارة التي عاش فيها في قانا خلال رحلاته إلى تلك المنطقة، قائمة، يحيط بها العديد من المنحوتات التي تركها المؤمنون  دلالة على ما قام به من عجائب، هناك. اتّسم بالإنفتاح الديني حيث سكنت في جباله عدة أقليّات دينية، هربا من الإضطهاد التي تعرضت له عبر العصور، أو التي جاءته كبعثات إرساليّة، فتجذّرت بين سكانه، وأقامت على أراضيه معابدها ومؤسّساتها كالكنائس والجوامع والأديرة وغيرها.

 عاش سكّان لبنان بسلام دائما مع جيرانهم. تشير المراجع التاريخية والدينية إلى معلومات مختلفة حول واقع التداخل بين سكان لبنان الأصليين وشعوب المنطقة، وكذلك إلى التفاعل الذي قام بين المدن والمستوطنات المزدهرة تجاريّاً وثقافيا، داخله ومن حوله، عبر القرون. وقد تعرض لبنان وشعبه، وكذلك محيطه المباشر، عبر التاريخ، إلى مُدخلات عديدة مثل كل دول العالم، فرضتها يد الإنسان وتدخّل الطّبيعة، مثل الغزوات، والزلازل، والحروب، والهجرة التي جرت على أرضه، وفي دول المنطقة من حوله، وصولاً إلى يومنا الحاضر. فموقع لبنان الجغرافي، باعتباره مفترق طرق تربط بين القارّات القديمة الثلاث آسيا وأوروبا وإفريقيا، تسبّب في إخضاعه للسّيطرة الخارجيّة بدءا بالمصريين القدماء قبل ثلاث ألف سنة قبل الميلاد، وصولا إلى الإنتداب الفرنسي بعد الحرب العالميّة الأولى، وتأسيس لبنان الكبير بحدوده الرّاهنة عام 1920، ثم استقلاله عام 1943.

تحوّل لبنان عام 1943 إلى جمهورية يحكمها دستور قائم على النّظام الإقتصادي اللّيبرالي الحرّ، والنّظام الديموقراطي البرلماني الذي يحفظ في آن معا، ميّزة العيش المشترك لمجموعة من الطّوائف، يتألف منها المجتمع اللبناني، والإنخراط في المسيرة الديموقراطيّة الحضاريّة للشعوب منذ إقامة نظام بريتون وودز عام 1944، وإنشاء الأمم المتحدة عام 1945. برز لبنان سريعا مدرسة للشرق، ومركز الإلتقاء بين الثقافة الغربية والشرقية. على أرضه إنتشرت الأحزاب فبلغت عام 2015، 166 حزبا. إنتشرت الجمعيات الأهلية والمؤسسات الإعلامية فبلغت 52 مطبوعة يوميّة سياسيّة، و42 مجلّة أسبوعية وشهرية خاصّة.

ساهم لبنان بإنشاء الأمم المتّحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظّمة الدول الناطقة باللغة الفرنسية (الفرنكوفون)، ومجموعة دول عدم الإنحياز، وأيضا منظّمة الغات (إتفاقية التعرفة والتجارة). وهو عضو مراقب في منظّمة المؤتمر الإسلامي، ولديه بعثات دائمة لدى الأمم المتّحدة وبعض المنظّمات الدوليّة المتخصّصة. كما أقام أكثر من سبعين بعثة دبلوماسيّة في عدد كبير من دول العالم وفي كل القارّات. وكان لبنان عضواً من خلال د. شارل مالك، في اللّجنة التي أطلقت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، وكان عضوا من خلالي، في لجنة الصياغة لإنشاء المحكمة الجنائية الدوليّة عام 1998. كما أنّه استضاف منذ أوائل خمسينيّات القرن الماضي، أحد مقرّات منظمة اليونسكو في العالم. وشارك ممثّلوه في صياغة العديد من الإتفاقيّات والقرارات التي تنظّم العلاقات الإنسانيّة بين الشعوب.

تحوّل لبنان إلى مقرّ للشركات المتعدّدة الجنسيّة، وللمصارف العالميّة الكبرى الناشطة في المنطقة، وأيضا لكبرى شركات الطيران الدوليّة التي جعلت من مطار بيروت مطار الترانزيت إلى آسيا. وبلغ النمو الاقتصادي السنوي في الستينات،  4.9% . ونمت الزراعة سنوياً  بنسبة 6.3% والصناعة  بـنسبة  4.5% والخدمات  بـنسبة  4.8%.  وتوزّع الناتج المحلّي الإجمالي على 12% للزراعة و33% للصناعة و68% للخدمات. في سنة 1960 ، بلغ الناتج المحلّي الإجمالي اللبناني 830 مليون دولاراً أميركياً  وكان أعلى من سنغافورة (700 مليون دولارا أميركيا) التي يتقارب معها بعدد السكان. أما اليوم، فيبلغ الناتج اللبناني 38.5$ مليارا مقارنة بـ 210$ مليارا لسنغافورة.

أثبت لبنان أنه دولة محبّة للسلام. فرغم أنه شارك بقرار لجامعة الدول العربية في الحرب ضد إسرائيل عام 1948، إلا أنه سارع توقيع اتّفاق للهدنة بين الجانبين عام 1949، وحافظ على هذه الإتفاقية رافضا الإنجرار إلى مغامرات الدول العربية الأخرى. إمتنع بعد ذلك عن خوض أيّة معارك حربيّة، متبنيا سياسة الحياد الإيجابي.

رغم كل ما أشرت إليه، تحولت أراضي لبنان إلى مسرح لأبشع حروب المنطقة طوال الخمسين سنة الماضية. أصبح لبنان منذ عام 1969 وحتى تاريخه، ساحة حروب بعض الدول العربية والإسلامية ضد إسرائيل والغرب، وكذلك للحرب الباردة بين الشرق والغرب. أدّى ذلك إلى حروب داخليّة بين سكانه، وصفها البعض بأنّها حروب أهليّة. كما أدّت إلى حروب مع أطراف دولية أخرى، وكذلك إلى حروب بين هذه الأطراف على أرضه. كل ذلك أدّى إلى أضرار لا تحصى، فقتل الألوف، وجرح عشرات الألوف، وجرى تهجير أكثر من ثلثي الشعب، وتدمير مئات القرى والمدن، وهاجر أكثر من ثلث سكانه.

ثمّ جاءت حروب المنطقة وآخرها في 7 تشرين الأول 2023 لتضيف إلى معاناة شعبه، فتدفّق إلى أرضه أكثر من مليون نازح ولاجئ. تحوّل لبنان إلى دولة أشبه بالدول الفاشلة. أعلن عجزه عن دفع ديونه، وساده الفقر، ودُمرّت مؤسّساته وبناه التحتيّة.

كيف؟ ولماذا حصلت هذه الحروب؟

يعتبر الشرق الأوسط منطقة مهمة جدا في نظام العلاقات الدولية لما يحوي من ثروات معدنية، وبسبب موقعه الجغرافي. خضع الشرق الأوسط لعقود طويلة من الإستعمار. تبدلت الأمور بعد الحرب العالمية الثانية إذ برزت الولايات المتحدة أعظم قوة عالمية وسعت إلى إنهاء الإستعمار من خلال إدخال النظام الليبرالي إلى العلاقات الدولية بدلا عن نظام الدولة القومية الذي ساد قبل تلك الحرب. نشأت الأمم المتحدة بميثاقها الذي يحدد نظام العلاقات بين الشعوب ويؤكد على حق الشعوب بتقرير المصير، وتم إنشاء منظمات تابعة للأمم المتحدة للمساعدة في استقلال الدول وتنميتها.

سرعان ما برزت الحرب الباردة بدءا في اليونان وإيران. قلق الغرب على الدول المجاورة الغنية بالنفط وهي عربية، وسارع إلى إقامة تحالفات بين هذه الدول لمواجهة خطر التمدد السوفياتي والشيوعي. رغبت الولايات المتحدة أن تكون مصر هي قاعدة هذا التحالف. جاء تقسيم فلسطين وإنشاء الدولة اليهودية فيها، بمثابة ضربة قوية لهذه الجهود. كما أن مصر رفضت التحالف مع بريطانيا التي كانت تسيطر على منطقة السويس وتعتبرها قوة استعمار.

إستولى الرئيس جمال عبد الناصر على السلطة في مصر. رفع شعارات تنادي بالقومية العربية والإشتراكية ومناهضة الإستعمار. سعت الولايات المتحدة إلى إقناعه بالإنضمام إلى التحالف الذي يشمل بريطانيا ضد الشيوعية والإتحاد السوفياتي، وحاولت التوفيق بينه وبين بريطانيا لتحقيق مطلبه في إنهاء الهيمنة البريطانية على بلاده. رفض عبد الناصر ذلك التحالف معتبرا أن بريطانيا قوة استعمار وأنه  لا يمكن أن يقنع الشعب بالتحالف ضد عدو غير قائم لديه (الإتحاد السوفياتي) والتحالف مع عدو يستعمر أراضيه (بريطانيا).

 برز عبد الناصر كأحد قادة مؤتمر باندونغ لإنشاء حركة عدم الإنحياز. صدر البيان الختامي لهذه الحركة ألذي هاجمت فيه ما أسمته دول الإستعمار وأشادت بالإتحاد السوفياتي كحليف للدول الساعية للتحرر من الإستعمار. غضبت الولايات المتحدة من هذا البيان واعتبرت أن دول عدم الإنحياز تساهم في زيادة النفوذ السوفياتي وتمدد الأحزاب الشيوعية. سحبت دعمها لبناء السد العالي في مصر وعارضت تأميم قناة السويس. لجأ عبد الناصر إلى السوفيات لمساعدته في بناء السد العالي، وقام بتأميم قناة السويس. قامت بريطانيا وفرنسا بالتعاون مع إسرائيل بشن حرب لاستعادة السيطرة على القناة. هدد الإتحاد السوفياتي بدخول الحرب وضغطت الولايات المتحدة من أجل وقف العدوان والإنسحاب من مصر. شكل ذلك انتصارا كبيرا للرئيس عبد الناصر جعل منه أيقونة العالم العربي والإسلامي.  

إنعكس هذا الأمر على الواقع السياسي في الدول العربية بما في ذلك لبنان. بدأت تظهر حركة قومية ثورية عربية للسيطرة على الحكم في بلدانها التي كانت قريبة من الغرب. حصل انقلاب لحزب البعث في سورية ثم العراق. تراجع الأردن ولبنان القريبين من الغرب، عن الإنضمام إلى التحالف وسقط هذا الحلف. بدأت المعارضة اللبنانية تأخذ طابعا ناصريا وتميل أكثر إلى الإتحاد السوفياتي. حصلت عام 1958  ثورة ضد نظام الرئيس كميل شمعون الذي ناشد واشنطن بالتدخل فأرسلت المارينز إلى الشواطئ اللبنانية. توقفت الثورة وأمكن احتواء الأزمة. حصلت الثورة في اليمن ودخلت مصر في صراع مع المملكة العربية السعودية. حصلت ثورة الجزائر والإنقلاب في ليبيا. فاشتد النزاع بين عبد الناصر والغرب.

تحولت إسرائيل إلى القاعدة التي يتخذها الغرب لمواجهة طموحات عبد الناصر وأمثاله من القادة القويين الثوريين العرب. أطلق عبد الناصر حركة مقاومة فلسطينية من غزة التي كانت تحت الإدارة المصرية ضد الاحتلال الإسرائيلي. حصلت حرب حزيران عام 1967 حيث خسرت دول المواجهة مع إسرائيل (مصر، سورية والأردن)، ألحرب. إحتلت  إسرائيل كامل فلسطين التاريخية وسيناء في مصر والجولان في سورية ووادي عربة في الأردن.  فقد الفلسطينيون أي أرض في وطنهم المحتل، لمتابعة مقاومتهم. وعليه فإن المقاومة الفلسطينية كانت تتطلع إلى أرضيّة تسمح لها بإعادة حركة مقاومتها. لم يكن من الممكن للمقاومة أن تنشط من مصر مجددا، كما أن الحكم التوتاليتاري في دمشق حاول وضع اليد على المقاومة من خلال إقامة فرقة في الجيش العربي السوري تحت مسمّى جيش اليرموك، ومنع بالتالي، أي تحرك لها خارج إرادته. لم يبق للفلسطينيين سبيلا إلى حركته المقاومة، سوى الأردن ولبنان. لم يكن التحرك من أي من هذين البلدين سهلا، فأنظمتهما قريبة من الغرب ويرفضان الذهاب إلى حروب مع إسرائيل، وجيشا البلدين سيتصديان لأيّ تحرّك يمكن أن يسيء إليهما. وبالفعل، فقد برزت في حينه مناوشات عديدة بين الفلسطينيين والجيشين اللبناني والأردني.

كان الأردن يخضع لسلطة ملكية مطلقة. ألملك هو الذي يقرر ويفرض التدابير. لذلك كان الملك صارما في مواجهة التحرك الفلسطيني على أراضيه. كان الأردن وما زال بلد يتمسك بعلاقة وثيقة مع الغرب. لم يسمح بقيام حركات حليفة أو صديقة للإتحاد السوفياتي. دعمه الغرب بقوة. أما  لبنان الصغير، القائم على أساس التعدديّة الطائفية والمذهبيّة فيه، وعلى نظام سياسي ديمقراطي برلماني يحترم هذا النسيج الدقيق، ويتم خلاله تبادل السلطة، سمح بقيام أحزاب وحركات حزبية واسعة، تبنت الفكر القومي العربي وخاصة أفكار الرئيس الراحل عبد الناصر، وأقامت علاقات صداقة مع الإتحاد السوفياتي. جعلت القيادات الإسلامية والأحزاب اليسارية دعم المقاومة الفلسطينيّة عنوانا لنضالها القومي. ساهم فكر جمال عبد الناصر والهزيمة العربية بتثوير المشاعر الإسلامية وجعل موضوع الدفاع عن ما سمي مقاومة فلسطينية أسمى من الإعتبارات الوطنية المحلية.

حدثت مناوشات عديدة بين المقاومة الفلسطينيّة والجيش اللبناني كان يمكن أن تؤدي إلى مواجهة شاملة بينهما. فعمد قادة الدول القومية الثورية العربية وخاصة سورية بالضغط على لبنان، لتوقيع اتفاق مع المقاومة الفلسطينيّة، يسمح لهم بالمقاومة "المنظّمة" عبر ممر من العرقوب، مقابل ضمان عدم تدخل تلك المقاومة في الشؤون الداخليّة. هدد القادة العرب صراحة، أنه في حال قيام أي صراع بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية، فإنهم سيقفون إلى جانب المقاومة. حصل إنقسام عميق في لبنان حيث أيد المسيحيون الحكومة وأيد المسلمون وخاصة السنة المقاومة.أسقط هذا الموقف العربي بيد الحكومة، وخشيت من أنفلات الحالة الأمنية والتحول إلى حرب أهلية. فلم تجد بدا من الإنصياع. وقّعت الجكومة اتّفاق القاهرة المشؤوم عام 1969. أما الأردن فقد أنهى كل مقاومة فلسطينيّة بعد معركة حاسمة في أيلول 1970، انتهت بخروج الفلسطينيين إلى  الدول المجاورة ولا سيما لبنان.

إتفاق القاهرة وآثاره التدميرية:

أجبر لبنان على توقيع إتفاق القاهرة. تعتبر هذه الإتفاقيّة انتهاكا لبنانيا لاتفاقيّة الهدنة. كان من المنتظر أن تتخذ الأمم المتّحدة التي هي الطرف الثالث في هذه الإتفاقيّة، ولديها فريق مراقبة على الحدود بين الجانبين لضمان تنفيذها هذه الإتفاقية، إجراء حازما بهذا الصدد. فالإتفاقية عقدت عملا بالمادة 40 من الفصل السابع للميثاق بعد أن اعتبر المجلس أن الحرب في فلسطين في حينه يشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين. استمرت الاتفاقية منذ توقيعها ولغاية العام 1967، نظاماً فعّالاً لمراقبة الأمن في منطقة الحدود بين لبنان وإسرائيل، وشكّلت ضماناً قانونياً وعملياً للبنان، كما شكّلت بالنسبة للأمم المتحدة آلية لضمان الأمن والسلم والاستقرار الدولي. ففي الفترة الأولى الممتدة منذ توقيعها لغاية العام 1967، كان التزام لبنان وإسرائيل بها مقبولاً بصورة عامة. فقد كانت الاتفاقية عن حق هي التي تحكم الأوضاع على الحدود في شتى المجالات. فلجنة الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية المشتركة المنبثقة عن الاتفاقية كانت ممسكة بالوضع هناك بصورة تامة، وتعقد الاجتماعات وتتلقى الشكاوى وتراقب خط الهدنة بدون صعوبات.

وقد دعم المجتمع الدولي هذه الإتفاقية وتم التوقيع على إعلان ثلاثي منفصلعام 1950 بين الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا، تعهدوا فيه باتخاذ إجراء داخل الأمم المتّحدة وخارجها لمنع انتهاكات الحدود أو خطوط الهدنة. كما أوضحوا التزامهم بالسلام والاستقرار في المنطقة، ومعارضتهم لاستخدام القوّة أو التهديد باستعمالها، وكرّروا الإعراب عن معارضتهم لتطوير سباق التسلح.

لم يفعل مجلس الأنمن شيئا أزاء هذا الإنتهاك. ترك لبنان لمصيره.

بدأ الفلسطينيون عملياتهم العسكرية المحدودة ضد إسرائيل وبدأت إسرائيل تهاجم لبنان. شكل التمدد الفلسطيني مخاوف كبيرة لدى الأقليات المسيحية. وأعلنت القيادات المسيحية صراحة أن سيادة لبنان مرتبط بالنسبة لها بمصيرها ووجودها في لبنان. بدأ المسيحيون يعدون لمواجهة هذا الواقع. إندلعت الحرب الأهلية وبالطبع سادت المذابح وعمليات القتل العشوائي. بدأت القوات الفلسطينينية والقوات المشتركة للأحزاب اليسارية الهجوم على معاقل المسيحيين. تم طلب النجدة من الحكم السوري بدعم غربي لا سيما وأن الحكم السوري كان على خلاف مع منظمة التحرير وقائدها ياسر عرفات.

إستمرت الحرب الأهلية مع الإنتشار السوري في لبنان مدة 15 سنة. وفي خلال هذه الفترة عقدت مصر اتفاق سلام مع إسرائيل تبعها الأردن. قام نظام الحكم الإسلامي بقيادة الخميني في إيران فتحالفت سورية معه. وسمحت له عام 1982 بإنشاء حزب مسلح في لبنان هو حزب الله.

 إنتهت الحرب الباردة عام 1989. فانتهت الحرب الأهلية اللبنانية بتوقيع اتفاق الطائف في السعودية عام.   أسفرت الحرب عن مقتل حوالي 130 ألف شخص، وأصيب وجرح المئات الآلاف، وفُقِد 17 ألف شخص. جرى تهجير مليون نسمة، وهو ما تسبب في فرز ديني ومناطقي عميق في المجتمع. جرى تدمير البنية التحتية، مما استنزف موارد البلاد. تكبّدت البلاد ديوناً هائلة لتمويل الحرب وإعادة الإعمار، والتي لا تزال تعيق تقدمها الاقتصادي. هاجر عشرات الآلاف من اللبنانيين، حاملين معهم رؤوس أموالهم وخبراتهم، مما زاد من تدهور الاقتصاد. ولعل الأسوأ كان إقرار قانون العفو في مارس 1991، الذي أصدره البرلمان اللبناني  عن جميع الجرائم التي وقعت خلال الحرب وهذا مخالف لقواعد القانون الدولي خاصة وأن هناك عشرات الجرائم الموصوفة بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب لا تسقط لا بالعفو ولا بالتقادم.

لم تنته الحرب في لبنان. إستمر لبنان ساحة حرب تقودها سورية وإيران ضد إسرائيل ولخدمة أغراضهما ومصالحهما الإقليمية. شهد لبنان عدة حروب منذ اتفاق الطائف واجتاحت إسرائيل لبنان مرارا وكان آخرها قبل عامين.

أيها السادة:

كل ذلك لا يسمح بالقول أن لبنان دولة فاشلة. لبنان ليس دولة فاشلة. ألفاشل هو المجتمع الدولي الممثل بالأمم المتّحدة ولا سيما مجلس الأمن فيه، الذي لم يمنع إنزلاق مثل هذا البلد الديمقراطي المزدهر والمتقدم في الشرق الأوسط من الإنهيار والتحول إلى ساحة حروب.  لا تسمحوا لأحد أن يتحدث عن لبنان كدولة فاشلة. يجب ان تفتخروا بإصولكم وجذوركم وتاريخكم. لبنان وشعبه، أيها السادة، هما ضحية. إحفظوا هذه العبارة: لبنان وشعبه ضحية. نعم. ضحية. 

بناء السلم بعد النزاع  

ساهم اتفاق الطائف بوقف الحرب الأهلية لكنّ جذور المشاكل الأساسية لا تزال قائمة. لم يكتمل تطبيق إتفاق الطائف وجرى تجميد الوضع وفقا لتقسيمات جغرافية واقعية فرضتها الميليشيات خلال الحرب. لم يعد السلاح ظاهرا لكن الميليشيات مناطق سيطرتها. وهي أقامت توافقا لتقسيم السلطة بينها في إتفاق الدوحة عام 2008 تحت عنوان المحاصصة. نهبت الخزينة العامة وأفلست الدولة وتم الحجر على ودائع المودعين في المصارف.   لقد عاند اللبنانيون كلّ المصائب التي حلّت به، لم يستسلموا، وهم يصرّون على العودة إلى حظيرة المجتمع الحضاري. وقد قاموا بثورة عارمة بتاريخ 17 تشرين الأول 2019. لكنهم يحتاجون إلى دعم كبير وجهود جبّارة من جانب المجتمع الدّولي، للمساعده على استعادة السّلام في البلاد، وإلى استعادة علاقات لبنان الطبيعية في إطار القانون الدولي، دوليا وإقليميأ، وتمكّنهم فعلا من بناء السّلم، وتحقيق التنمية المستدامة في هذا الوطن الصغير.

في هذا الإطار عمدت إلى إطلاق فكرة إنشاء جمعية لبنانية لبناء السلم بعد النزاع في لبنان. بناء السّلم في دول مثل لبنان، عانت من الحروب، كان موضوعاً أساسياً في مناقشات مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، منذ نهاية الحرب الباردة عام 1990 وتم اعتماده عام 1994. وقد شاركت مع فريق عمل دولي لإعداد عناصره. لم يكن من الممكن تطبيق معيار واحد على كل الدول المعنية فلكل منها أسباب حروبها. كما تبين أن الدعم المالي الدولي لا يقيم السلام وقال البنك الدولي أن على أهل البلاد وضع لستراتيجة خاصة بهم للإعادة بناء السلام.

ناشدت رئيس الجمهورية بعد انتخابه ورئيس الحكومة بعد تكليفه الإستفادة من ه1ا البرنامج الأممي لوضع استراتيجة بناء السلام في بلادنا. ناقشت المسألة مع مكتب أمين عام الأمم المتحدة لشؤون بناء السلام فلقيت ترحيبا وأنا مدعو إلى لقاء دولي في جنيف قريبا.

علينا أن نقوم بالعمل بأنفسنا. هذا يتطلب من الخبراء اللّبنانيّين المقيمين والمغتربين، وضع أيديهم معا، لنتعاون مع أصدقاء السّلام في كلّ مكان، بغية إستعادة السلام والإزدهار إلى لبنان، مستفيدين من برامج الأمم المتّحدة لهذا الغرض. نريد إقامة نشاطات لتوعيّة اللّبنانيين على التّطورات التي شهدها المجتمع الدّولي والإعداد لمشروع كامل مبني على قواعد أكاديميّة وعلميّة، عن أسباب النّزاع في لبنان، وأفضل الطرق المقترحة لبناء السّلام في البلاد، آخذين بعين الإعتبار ما توصل إليه المجتمع الدّولي منذ عام 1990 من إتّفاقيّات وتوصيات بهذا الصدد.  وأملنا ان نساعد في سرعة إندامج اللّبنانيين في المسيرة الحضارية الدولية القائمة.

معا نحقق المعجزات. فالشعوب الأخرى ليست أكثر كفاءة منّا، بل هي اكثر تصميما وتعاونا. شعب لبنان مصصم على ينتهي اليوم من تلك المرحلة الماساوية، ويريد أن ينهض وطنه من جديد. ونحن نثق أن لبنان سيعود كطائر الفينيق، بمساعدة المجتمع الدولي، ليخدم من جديد السلام والمحبة والإزدهار في العالم. سنعمل لنرسم معا دورنا كبلد حيادي، يخدم البشرية كمركز لحوار الحضارات بين الشعوب، وكجسر للحوار الثقافي بين الغرب المسيحي والشرق المسلم. سنعمل معا لنقول للعالم: نعم يمكن أن نعيش معا، ويمكن أن نزدهر وننمو معا، ويمكن لإنساننا أن يعيش بسلام وينعم بكل ما أنتجه التقدم البشري من وسائل لرفاه وتقدم الشعوب. إنساننا مجبول بإرادة النهوض والنمو والتقدم.

شكرا لكم.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment