من يونس الى فنزويلا؟

07/07/2018 - 21:17 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

حلم "محمد يونس" حامل جائزة نوبل للسلام لسنة 2006 بعالم ينعدم فيه الفقر والبطالة والتلوث البيئي كان كبيرا لكنه ليس نظريا فقط، بل قابل للتطبيق مع الوقت. هو من أشد المنتقدين للنظام الاقتصادي والمالي العالمي الذي يزيد فجوة الدخل ويرفع البطالة ويسيء الى البيئة ويؤدي الى التطرف السياسي الناقم. يقول أن العالم يحتاج الى نظام جديد مبني على الأخلاق والتضامن الاجتماعي وبعيدا عن الجشع والربح الشخصي من دون حدود. محمد يونس مصرفي الفقراء في بنغلادش حول اهتماماته من اقراض الفقراء وخاصة النساء الى اقتراح خلق ما سماه بشركات التضامن الاجتماعي. هدف يونس الى اظهار الجانب الخلاق في الانسان بحيث لا يبحث المواطن عن وظيفة أو عمل بل يخلقهما عبر الاستثمار في الأعمال. يقول أن المال يسبب السعادة، لكن مساعدة الآخرين تخلق سعادة أكبر وأقوى وتدوم أكثر.

أيننا نحن اليوم من أحلام يونس؟

وقف يونس بوجه الاقتراح الذي يقول أن تأمين دخل مؤكد للمواطن يقتل الفقر ويمنع الجوع. قال أن ما يقتل الفقر هو العمل وخلق المؤسسات التي تؤمن الازدهار والنمو للمجتمع ككل. أيننا نحن اليوم من أحلام يونس؟ الأهداف لم تتحقق أي الفقر ما زال منتشرا عالميا، والبطالة متفاقمة خاصة عند الشباب واحصائيات العالم العربي تشهد على ذلك، كما أن التلوث يعم العالم في غياب سياسات تنفيذية واضحة تعالجه. هل يحلم يونس؟ تشير الوقائع الى تأثير كبير من قبله على مجرى الأمور في المؤسسات الدولية وفي الدول التي تحكمها قيادات مسؤولة. ألوف رجال وسيدات الأعمال يطبقون نظرياته الاجتماعية من الهند الى ألمانيا مرورا بفرنسا الى كولومبيا. شركات تأسست لضرب الفقر، تحسين الطبابة والتعليم، الحفاظ على البيئة مع تحقيق أرباح متواضعة للاستمرار.

تنتج  فنزويلا الذرى والأرز والموز والقهوة والعديد من المنتجات الحيوانية

كيف يمكن الكلام عن تحقيق أهداف يونس الثلاثة الكبيرة دوليا عندما نرى دولة غنية كفنزويلا تغرق في الفقر والبطالة والتلوث أيا كانت الأسباب. النتائج واضحة وغير قابلة للشك. قبل تفاقم الأوضاع السياسية والادارية أي في 2012، كان الناتج الفردي 13600 دولار أميركي وكان الاقتصاد ينعم بالغنى الطبيعي والانتاجي. تنتج  فنزويلا الذرى والأرز والموز والقهوة والعديد من المنتجات الحيوانية. في الصناعة، كانت متطورة في الآليات والطبابة كما في مختلف أنواع المعادن كالحديد والفولاذ. دورها الانتاجي في قطاع الطاقة معروف ومؤثر جدا. قطاع الخدمات شكل 61% من الناتج وكان شديد التنوع والتطور.

نسبة النمو في فنزويلا؟

كانت نسبة النمو 4,2% في 2011، 5,6% في 2012 و 1,6% في 2013. الانتاج الكهربائي كان مميزا وكانت  فنزويلا في المرتبة 28 عالميا، في المرتبة 24 عالميا في خطوط الهاتف الثابت و 34 في الخلوي. في قطاعات البنية التحتية، كانت فينيزويلا رائدة خصوصا في النقل بمختلف أنواعها. في القطاعات الاجتماعية من التعليم الى الصحة وغيرها، كانت  فنزويلا في طليعة دول أميركا اللاتينية. أتت السياسة بدأ من "شافيز" واليوم مع "مادورو" لتقلب النتائج رأسا على عقب.

سوء الاداء الاداري والسياسي

فنزويلا اذا كانت من أغنى وأنجح الاقتصادات الأميركية اللاتينية حتى بدأ الانحدار القاتل. الأسباب معظمها داخلية تتلخص في سوء الاداء الاداري والسياسي وفي انخفاض أسعار النفط الذي يعتمد عليه الاقتصاد. كانت ادارة الدولة سيئة وربما ارتكزت على أحلام سياسية انتهى وقتها مع زوال الاتحاد السوفياتي. حصل هذا الانحدار في وقت تعافت خلاله الاقتصادات الرئيسية الأخرى بل نمت بخطى ثابتة بعد أزمة 2008 العالمية.

المنطقة الأميركية اللاتينية نمت كمجموعة 1,7% في 2017 بعد سقوط 1% في سنة 2016. الأوضاع تتحسن للجميع الا لدولة واحدة كان من المفروض أن تكون مزدهرة. في سنة 2017، حققت الأرجنتين نموا بلغ 2,5%، البرازيل 0,7%، التشيلي 1,4% لكن فنزويلا سقطت 12% وسيستمر السقوط هذه السنة مع 6%.  تعاني فنيزويلا من أزمة غذائية معيشية قاتلة أي لا تتوافر المواد الغذائية في الأسواق والحدود مفتوحة أمام المواطنين الهاربين الى السلم والأمل.

أفقر الدول الأسيوية والأفريقية

9 من أصل 10 أسر تقول أنه ليس عندها غذاء كافي وكأننا نتكلم عن أفقر الدول الأسيوية والأفريقية. هنالك تسابق في المحال التجارية بين المواطنين على شراء الغذاء والمواد التنظيفية التي فقدت جميعا. 10 ملايين شخص يستغنون عن وجبة طعام كل يوم لعدم قدرتهم المالية على تأمينها. النتيجة فقدان وزن بمعدل 9 كلغ للشخص الواحد أي ضرب السمانة قسرا.

يقول صندوق النقد الدولي أن  فنزويلا لا تتعامل معه بمهنية وحرفية كغيرها من الأعضاء ولا تعطي الاحصائيات المطلوبة تأمينا للشفافية والاستمرارية في العلاقة. لا شك أن  فنزويلا لم تحصل على المساعدة والعطف والتعاون الذي حصلت عليه مثلا اليونان لأن مشاكل  فنزويلا هي خاصة داخلية وليست مستوردة. مشاكل اليونان نابعة من سؤ الادارة حكما، ولكن أيضا من الشروط الأوروبية المفروضة عليها منذ انضمامها الطوعي الى منطقة اليورو. تحتاج  فنزويلا اليوم الى "تسيبراس" ينقظها من ورطتها ويعيد التعاون الدولي اليها.

كيف يمكن وصف الأوضاع الحالية في  فنزويلا اليوم؟

أولا: أسعار النفط، أي اذا عادت الى مستويات العقد الماضي يتعافى الاقتصاد من تلقاء نفسه ولكن هذا غير متوقع حتى في أفضل السيناريوات العالمية. اذا لا يمكن للدولة أن تتكل على ايرادات نفطية كبيرة أقله قريبا. انهارت أسعار النفط كما حصل تماما في القطاعات الأخرى وانهارت الانتاجية بسبب غضب الشعب وفقدان الجو الانتاجي العام. بلغ العجز المالي 7% من الناتج والتمويل متعثر داخليا وخارجيا.

ثانيا: هنالك خضات في الشوارع أحدثت 120 قتيلا مؤخرا ولا شيء يدل على توقف الاحتجاجات في ظل رفض "مادورو" الحوار مع المعارضة أو اجراء انتخابات نيابية شفافة وليس كما حصل سابقا. ارتفعت نسبة البطالة من 8,7% في سنة 2014 الى 28,2% حاليا وهذا لا يمكن احتماله في أي اقتصاد.

ثالثا: انحدر الاقتصاد 30% خلال السنوات الأربعة الماضية مع تضخم مخيف قارب 700% وربما وصل الآن الى ألف % تبعا لصندوق النقد. سقط النقد لكن هذا لم ينعكس على الصادرات التي تعاني من كل شيء أكثر من القيمة بالبوليفار. انهار الاحتياطي النقدي من 30 مليار دولار في 2012 الى 10 مليار اليوم. هنالك عقوبات قاسية وضعت على الدولة آخرها وأهمها من الولايات المتحدة التي تستورد في الظروف العادية ثلث الانتاج النفطي للدولة. الاستثمارات تنخفض وهذا ليس مفاجئا في دولة تنهار بسرعة.

رابعا: تحتاج  فنزويلا اليوم الى حوالي 30 مليار دولار سنويا من الدول المانحة لتصحح أوضاعها الانتاجية. من يمنحها؟ لا وجود لمتبرعين. انهارت الواردات 80% خلال السنوات الخمسة الماضية مما يفسر فقدان السلع في الأسواق. المواطن غير قادر على الشراء ويتذمر دون أن يشعر أن أبواب الانقاذ فتحت.

خامسا: المشكلة الأساسية التي تعاني منها فنيزويلا اليوم هي التمويل خاصة وأنها لا تسدد الديون السابقة، فمن يقرضها؟ لم تستطع  فنزويلا تسديد الديون المستحقة السابقة من مجموع 60 مليار مما يعمق الأزمة ويؤجل الحلول. انهار أسعار السندات الى 30% من قيمتها خاصة وأن الديون التي ستستحق مستقبلا كبيرة خاصة في 2020. المدهش أن الرئيس "مادورو" أعلن أنه يريد اعادة جدولة الديون الخارجية، علما أن المقرضين لن يكونوا راضين أبدا. لكن من الممكن أن يتعاونوا معه كما فعلوا مع اليونان بحيث يحصلون قسما من ديونهم أفضل من لا شيء.  فنزويلا في وضع لا تحسد عليه والفرج غير قريب.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment