تحولات ضرورية في الطاقة

06/14/2018 - 13:58 PM

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

من القطاعات الأكثر تحولا في العالم هي الطاقة ليس فقط في الانتاج والنقل والتسويق وانما خاصة في الاستهلاك. هنالك حاجة لاستثمارات كبيرة في كل جوانب القطاع وهذا لا يحصل اليوم بسبب الموازنات الضيقة والخيارات السيئة. بالرغم من كل الجهود المستثمرة، يبقى النفط والغاز أهم طاقتين في العالم. فالتحول يجري عموما داخل هذه المجموعة أي من النفط الى الغاز وليس منها الى الطاقات الأخرى. هذا يعني أننا سنعيش في عصر النفط والغاز لسنوات وربما عقود طويلة قادمة.

النفط يشكل الطاقة الأولى عالميا

هنالك عوامل عدة ستسبب التحولات منها التكنولوجيا والأسعار والمصادر المتوافرة. ما زال النفط يشكل الطاقة الأولى عالميا في الاستهلاك أي حوالي 32% يتبعه الفحم (27%) والغاز (22%). من المتوقع أن تتغير الصورة قبل سنة 2040 تبعا لوكالة الطاقة الدولية، فتصبح 27% للنفط، 25% للغاز و 22% للفحم. هل هذا التغيير مطمئن؟ حكما لا من نواحي عدة أهمها البيئة المتضررة دائما من الفحم والذي تصر أميركا على الاستمرار باستعماله خاصة بعد الخروج من اتفاقية باريس. الوضع غير مقبول اذ لم يتطور بعد كما يجب استعمال الطاقات الأخرى كالمياه والشمس والهواء والنووي السلمي. فاذا كان للنووي بعض المخاطر من ناحية تغيير وجهة الاستعمال والأضرار التي يمكن أن تنتج عن الاهمال كما حصل في الولايات المتحدة واليابان، لا توجد أي خطورة في استعمال الطاقات الأخرى اذ انها مجانية باستثناء الاستثمارات الأولية. لا شك أن هنالك تقصير بل اهمال في التنويع بسبب العادة والمصالح كما للاستفادة من الاستثمارات الموجودة في الطاقات المعتمدة.

الاهتمام السياسي والأمني بالمنطقة العربية

النفط ما زال موجودا بكميات كبيرة في دول تسعى لتسويقه. بمليارات البراميل، يبلغ الاحتياطي 301 في فينزويلا، 267 في السعودية، 172 في كندا، 158 في ايران و 153 في العراق. لا شك أن الاهتمام السياسي والأمني بالمنطقة العربية مرتبط الى حد بعيد بتوافر مصادر كبرى للطاقة. من أسباب النزاع الكبير في فينيزويلا، الغنى الأرضي المتوافر والذي يرغب الخارج في السيطرة عليه بطريقة أو أخرى. كيف يمكن تفسير وجود فقر في فينيزويلا وغياب أبسط السلع الغذائية في الأسواق؟ فينتج عنها كلها هجرة الناس الى الدول المجاورة ككولومبيا. الأزمات المتواصلة في العراق وايران وغيرها مرتبطة أيضا بالجشع المالي الخارجي وربما بالتقصير الداخلي. فهذه الدول وغيرها لا ترتاح وتذهب من أزمة الى أخرى. فهل الهدف التقسيم للتفقير والاضعاف؟ أو فقط الهدف مالي ونفطي؟.

ايران محط أنظار سياسي وأمني واقتصادي

أما في احتياطي الغاز المفضل بيئيا بالرغم من صعوبة نقله، تتغير الخريطة مقارنة بالنفط. بمليارات الأمتار المكعبة، تحتوي ايران على 33,5 وروسيا على 32,3 وقطر على 24,3 مما يجعلها حكما محط أنظار سياسي وأمني واقتصادي. نرى أن هذه الدول كما غيرها عرضة للعقوبات أو التحديات من وقت لآخر من دون أسباب حقيقية وواقعية ومعلنة بشفافية. هنالك مصالح توجه الاستعمال في الطاقة نحو المصادر المربحة وليس نحو الطاقات البديلة النظيفة. ما هو جيد اليوم يصبح غدا سيئا ليس لأنه كذلك، انما لأن المصالح المختلفة تبدلت أو تغير أصحابها في القوة والضعف. هنالك دور كبير للشركات العملاقة في القطاعات المختلفة.

في الانتاج الكهربائي، تتصدر الصين أي 24,8% من المجموع وهذا ليس مفاجئا بسبب الكبر الجغرافي والحجم السكاني والنهوض الاقتصادي. تتبعها الولايات المتحدة (17,5%) والهند (5,6%) حيث لم يتطور الاقتصاد الانتاجي بعد كما يجب بالرغم من عدد السكان الهائل. تأتي فيما بعد روسيا واليابان وكندا وألمانيا وغيرها. لا زال الفحم يشكل مصدرا كبيرا وأساسيا للانتاج الكهربائي وهذا سيتعزز مع ادارة الرئيس ترامب حيث ألغى العديد من الاجراءات الداخلية المقيدة للاستعمال والتي كان هدفها بيئي. في استعمال الفحم للكهرباء، تقدر الحصة ب 31% في الولايات المتحدة وسترتفع. 75,5% من مصادر الانتاج الكهربائي العالمي هي غير متجددة مما يشير الى ضرورة تغيير التقنيات وعوامل العرض كما الطلب أيضا.

ما هي العوامل التي تحرك التحولات المتوقعة في الطاقة انتاجا واستعمالا؟

أولا: أسعار النفط حيث انخفاضها يقتل الاستثمارات في الطاقات البديلة ويشجع على استهلاك السلعة في كل القطاعات الانتاجية. هذا ما حصل في السنوات الماضية فضعفت الأرباح في القطاع النفطي وبالتالي تدنت الاستثمارات فيه وفي الاكتشافات الجديدة. ارتفاعه يدفع على العكس الى ايجاد البديل والى تطوير المصادر النفطية الأخرى كالنفط الصخري. ارتفعت أسعار النفط مؤخرا عبر تقييد العرض من قبل الأوبيك وروسيا. نجحت، لكن هل يمكن للدول المنتجة أن تستمر في السياسة نفسها لمدة أطول بسبب حاجاتها الماسة الى الموارد المالية؟

ما هي العوامل التي ستحرك أسعار النفط في الأشهر القادمة؟ طبعا الأوضاع في ايران وعبرها على خريطة الانتاج والنقل الدوليين، الأوضاع الخطيرة في الدول المنتجة منها خاصة فينيزويلا والعراق، الطقس أي هل يكون شديد السخونة صيفا والبرودة شتاء، استمرار انخفاض العرض اذا قررت الأوبيك وروسيا ذلك، استمرار انخفاض المخزون النفطي وأخيرا وليس آخرا تطور الاقتصاد الدولي في نموه وهذا يعزز الطلب ويرفع السعر. هذه العوامل المختلفة المتناقضة تجعل المجتمع الدولي يتوقع سعرا لبرميل النفط لسنة 2018 لا يزيد عن 60 دولار للبرميل بعد ان كان 99 دولار في 2014، 52 في 2015، 44 في 2016 و 52 السنة الماضية.

ثانيا: في موضوع الفحم، الخطر بيئي حكما حيث يتأثر الطلب به لكن استعمال التكنولوجيات الجديدة النظيفة في الانتاج ربما يخفف انخفاض نمو الطلب ويعزز بقاء هذا المصدر لسنوات عديدة قادمة.

ثالثا: الطاقة النوويية مهمة ونظيفة لكن ما يجري بشأن الاتفاق الايراني سيؤجل الاستثمارات فيها. لا شك أن التكنولوجيا المتوافرة بشأن النووي السلمي ما زالت غير متقدمة، لكن الخروج منه سببه سياسي أكثر منه تقني. فرنسا تريد الخروج منه، لكن البدائل أكلف ومضرة للبيئة وبالتالي مضرة جدا للانسان. الخيار الفرنسي سياسي وغير منطقي وبالتالي مؤجل دون أن تصرح ادارة الرئيس ماكرون بذلك. هنالك تخوف دولي من تحويل الاستثمار في النووي السلمي الى نووي عسكري. يظهر أيضا في انسحاب أميركا من الاتفاق الايراني حيث الثقة في مؤسسة الطاقة النووية العالمية ضعيف وهذا مضر ليس فقط بها وانما بكل المؤسسات الدولية. هل المطلوب العودة الى شريعة الغاب الدولية واضعاف كل مؤسسات الامم المتحدة بدأ من النووي.

رابعا: هنالك دول جديدة مهمة على صعيد مصادر الطاقة المتنوعة ستلعب دورا متزايدا في الجغرافيا العالمية وسرعة كما اتجاه التحولات ومنها البرازيل وكندا وروسيا وبعض الدول الافريقية. لا يمكن تجاهلها اليوم والبعض منها واع جدا للثروات الكبيرة التي يملكها ويريد توظيفها في التنمية وليس في الحروب والصراعات السياسية والأمنية العالمية.

خامسا: تسعى دول العالم اليوم الى تأمين الأمن والآمان في الطاقة والذي لا يعني انتاج كل أنواعها في الداخل، انما الحصول عليها بشكل مستمر وضمن الامكانيات المتوافرة. الدول التي ترتاح الى مصادر الطاقة لديها قليلة، من هنا عدم الاطمئنان عموما الى استمراريتها. في الطاقة، مصالح كبرى وكل دولة تسعى الى توجيه الاستهلاك نحو الطاقات التي لها فيها ميزات انتاجية تفاضلية. للأسف مواضيع البيئة أصبحت اليوم أقل أهمية بالرغم من خطورة التلوث وتأثيره على صحة الانسان. ما الأهم المال أم الصحة؟ أيهما يحرك الآخر، اذ ما يجري اليوم عالميا خطر ويدعو للأسف والقلق.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment