الديموقراطية والقيادة الحكيمة

03/28/2018 - 18:03 PM

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

لا يمكن لديموقراطية أن تستمر من دون قيادات حكيمة تؤمن بها وتحافظ عليها. لا شك أن تعلق الشعوب بالحريات يؤسس لوجود ديموقراطيات متنوعة. ليس هنالك شكل واحد للديموقراطية اذ تبنى على الثقافة والتاريخ والتقاليد والممارسة. لا يمكن مقارنة الديموقراطية الأميركية بالروسية مثلا. هنالك أشكال مختلفة جدا للديموقراطيات الأوروبية بين الفرنسية والبريطانية والاسكاندينافية. أهمية الديموقراطيات هو احترامها لأفكار المواطن وبالتالي تؤدي على المدى البعيد الى بحبوحة اقتصادية واضحة. لا ننكر أن الصين حققت الديموقراطية عبر نظام سياسي شيوعي ارتكز على رأسمالية اقتصادية، لكن اذا خيرنا المواطن العربي مثلا بين العيش في نظام صيني أو في نظام فرنسي مثلا، نستطيع أن نقرأ النتيجة قبل أن نسألها.

الخلافات الكبيرة الموجودة في السياسة والدين والمصالح الخارجية

لا ننكر أن الديموقراطية لم ترسخ بعد في دولنا العربية ربما بسبب الخلافات الكبيرة الموجودة في السياسة والدين والمصالح الخارجية وغيرها. لا يمكن للديموقراطة الا أن تبنى على قناعة الشعوب بها ومطالبتهم بها لهدف الاستقرار والنمو والتنمية. لا تدوم التنمية وتتوسع بل لا تتشعب من دون ديموقراطية تحترمها وتحافظ عليها. لم تصبح الديموقراطية البريطانية والفرنسية على ما هي عليها اليوم بشكل مفاجئ بل أتت نتيجة التجارب الكبيرة والعوائق التي تمت مواجهتها مع حصول اخفاقات أحيانا سببت التحسن. ليست هنالك ديموقراطية صحيحة من دون تكلفة تحدد الممارسة وطرق فض النزاعات التي لا بد وأن تحصل.

الديموقراطية هو نظام سيء

من طبيعة الانسان الرغبة في السيطرة والقوة والجشع المالي والاجتماعي، لذا وضعت قوانين تحد من هذه الرغبات وتعاقب من لا يحترمها. قال "وينستون شيرشيل" أن الديموقراطية هو نظام سيء لكنه أفضل من كل البدائل. حافظ "شيرشيل" على الديموقراطية البريطانية في أسواء ظروف الحرب بينما غرقت ألمانيا وفرنسا وغيرها تحت ديكتاتوريات قاسية أوقعت الخسائر والدمار في كل أوروبا وخارجها. لماذا نجح شيرشيل وفشل غيره في دول أخرى؟ لماذا استمرت الديموقراطية في بريطانيا في أسواء الظروف؟ من الأسباب أن بريطانيا لم تحتل منذ عقود وبقيت حرة بينما دمرت دول أخرى في أوروبا. كما أن المؤسسات البريطانية لها جذور أعمق وأقوى وأقدم وبالتالي بقيت واقفة ضمن الأزمات. أن الديموقراطية البرلمانية البريطانية هي قديمة جدا وعريقة في ممارساتها ومؤسساتها وقوانينها وبالتالي لم يجرؤ أحد على ضربها وقلبها. كما أن الحكومات البريطانية المتعاقبة عالجت المشاكل الاجتماعية عندما حصلت ولم تهملها أو تغض النظر عنها كما حصل في دول أخرى.

الثقة المتزايدة بالنفس تصبح غرورا

القيادات الحكيمة هي التي تتمتع بالتواضع والأذن السليمة لسماع النصيحة. الغرور قاتل للانسان وخاصة للقيادات السياسية. الثقة بالنفس مهمة وتؤدي الى الفوز والتحسن، لكن الثقة المتزايدة بالنفس تصبح غرورا وتؤدي الى الأخطاء العملية الكبيرة. وضع اللوم على الغير لأخطائنا هو سيء ويمنع التطور والتحسن. تحمل مسؤولية أعمالنا هو في غاية الأهمية. لا يمكن للمريض أن يتجاهل أسباب مرضه، بل عليه مواجهة المرض والمعالجة. عندما يقتنع الانسان بعظمته، يبدأ الفشل والسقوط وينتهي الابداع والخلق والتجديد. الاقتناع بالعظمة يقفل الأذن ويمنع التصحيح ويسبب السقوط. الغرور مضر ويجب تجنبه. من هي قيادات اليوم في قطاعي الأعمال والدولة التي يمكن وصفها بالحكيمة؟ هل هي عديدة في الشركات والمؤسسات والحكومات؟ هل ينتج مجتمع اليوم قيادات واعية حكيمة تؤسس للمستقبل؟ الاقتصاد الجيد يبنى على أفكار واعدة ورؤية ذكية وتنفيذ نزيه وفاعل وسريع للأفكار. جميع القطاعات الخاصة والعامة في كل الدول بحاجة الى قيادات حكيمة تؤسس للمستقبل.

لا شك أن هنالك قيادات حكيمة عالمية أنقذت دولها في عز الأزمات. قال "شيرشيل" أن اتخاذ القرارات الصعبة ضروري ولا يمكن ربح حرب أو الانتصار على التحديات السياسية والاجتماعية من دون اتخاذ قرارات خطرة وكبيرة وفي التوقيت الصحيح. المطلوب الشجاعة والاقدام في اتخاذ القرارات الصعبة. القيادة الحكيمة هي التي تأخذ القرارات التي يمكن تنفيذها ولا يمكن أن تطلب من الموظفين القيام بأعمال لا تقوم هي بها بنفسها. القيادات الحكيمة هي التي تعتمد خطابا واضحا مفهوما للشعوب بحيث يؤدون خطواتها خاصة في الظروف الصعبة. القيادات الحكيمة هي التي تعالج المشاكل وتستوعب الغضب الشعبي عندما يحصل ولا تواجهه بالقوة. هنالك دائما أسبابا واضحة للنقمة الشعبية يجب معالجتها بهدؤ وحكمة تجنبا للانزلاق الخطر. في ظروف الحرب، احترم شيرشيل حق الاضراب والتظاهر وبالتالي عالج المطالب بحكمة. اهتم بالفقراء وكان من أول الواضعين لأسس "دولة الرفاهية" التي طبقت في العديد من الدول الغربية.

حق التأمين الوظيفي

أسس "شيرشيل" مراكز للعمل بحيث يعالج موضوع البطالة من المركز وكان أول من أدخل حق التأمين الوظيفي. قال مرارا أن سؤ توزع الدخل في المجتمع يخلق مشاكل بين الطبقات الاجتماعية ويؤدي الى عدم الاستقرار. كان يشعر مع الفقراء بالرغم من أنه كان ميسورا جدا وقاد حزب المحافظين لسنوات طويلة. لم يكن يؤيد الانفاق الكبير على التسلح والدفاع بل فضل الانفاق الاجتماعي. لم يكن عقائديا بل عمليا أي يعالج المشاكل عندما تأتي بأقل تكلفة ممكنة وأسرع طريقة متوافرة. آمن بالتجارة الحرة وبالنظام الرأسمالي الانساني المتطور وليس المتوحش أو الجشع. كان واعيا لمساوئ اتفاقية "فيرساي" التي أنهت الحرب العالمية الأولى وكانت جائرة وقاسية بحق ألمانيا الخاسرة، وبالاتالي توقع حدوث حرب انتقامية جديدة أتت في الأربعينيات. لم تكن الولايات المتحدة لتدخل الحرب العالمية الثانية، في رأي "بوريس جونسون" وزير الخارجية الحالي، لولا قيادة شيرشيل للحليف البريطاني.

النزاهة والتهذيب وحسن الاداء

القيادة الحكيمة هي التي تنظر الى القضايا الكبرى المهمة وتعالجها بل تسعى الى تنفيذ أهدافها عبر وضع دقيق للسياسات التفصيلية. هنالك فارق كبير بينه وبين "رونالد ريغان" الذي يشبه به وهو أن "شيرشيل" كان يعمل كثيرا بينما العكس كان حال "ريغان" الذي اعتمد مبادئ وشعارات عامة أكثر بكثير من اهتمامه بالتفاصيل. قال الرئيس الأميركي يوما "أن العمل الكثير لا يؤذي، لكن ما الضرورة للمخاطرة؟". كتب شيرشيل 31 كتابا ونشر خطاباته في 18 كتاب في 8700 صفحة. له طرق في الالقاء جاذبة جدا حتى لو لم يقتنع السامع بأفكاره. كان يعمل كثيرا وكان في نفس الوقت كريما مع الذين يعملون معه. قال يوما "أن السياسي هو الذي يحاول تنبؤ المستقبل وتكون له القدرة لتفسير لماذا لم تتحقق توقعاته". كان مضرب مثل في النزاهة والتهذيب وحسن الاداء في ظروف صعبة. لم يتخذ قراراته الا بعد ساعات من البحث والاستشارات والمشاورات مع الوزراء والخبراء والأصدقاء. كانت قراراته عموما جيدة بسبب اعتماده على المعلومات الكافية الواضحة قبل اتخاذها. كان لتشيرشيل 3 قناعات لم يحد عنها أبدا وهي الحفاظ على الملكية البريطانية، الحفاظ على النظام الديموقراطي وتفعيل الدور النوعي للسياسات البريطانية الداخلية والخارجية.

دور المرأة في المجتمع

بعد غياب "شيرشيل" عن القيادة السياسية لبريطانيا وللمقارنة، يمكن القول أن الدولة كانت أفضل معه أي انخفضت نسبة الفقر، ارتفع دور المرأة في المجتمع، تحسن وضع التعليم خاصة الجامعي، تأسس النظام الصحي العام وتأسست دولة الرفاه التي يحسد عليها البريطانيون. ظروف الحرب ربما منعته من حسن الاداء في السياسة الخارجية خاصة فيما يتعلق بمنطقتنا والصراعات الكبيرة المستمرة. في كل حال، مقارنة قيادات اليوم بالماضي صعبة لأن الظروف مختلفة، لكن هذا لا يمنع ضرورة المقارنة بحيث نتعلم من التجارب لمصلحة المستقبل. عربيا، تحسين الاداء في القطاعين العام والخاص مطلوب لأن النتائج لا ترضي حتى المسؤولين عنها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment