بركات شاهين
أثارت موجة التصريحات و الوفود و المؤتمرات و البروتوكولات ضجةً إعلامية و رفع شعارات تعد بتحويل البلاد إلى «جنة للاستثمار» في الشرق الأوسط، مراهنةً على عودة رؤوس الأموال المهاجرة، واستقطاب الدعم الخليجي للمساهمة في إعادة إعمار المناطق المنكوبة، فضلاً عن وعود بتحسين الظروف المعيشية وخفض أسعار السلع والخدمات الأساسية.
غير أن المواطن السوري، الذي داعب خياله الأمل في استعادة مدنه عافيتها، والخروج تدريجياً من سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، سرعان ما اصطدم بواقع مختلف؛ إذ يفيق يومياً على موجات جديدة من الغلاء تطال الخبز والكهرباء والمحروقات وسائر الاحتياجات الأساسية. ويتزامن ذلك مع تضييق متزايد على بعض مظاهر الحياة العامة والحريات الشخصية، الأمر الذي يضيف إلى الأعباء الاقتصادية شعوراً متنامياً بعدم الاستقرار الاجتماعي.
وتكتمل مشهدية الأزمة مع بطء الحركة الاستثمارية، واستمرار ارتفاع معدلات البطالة، وتصاعد المخاوف من التسريح الوظيفي وفقدان مصادر الدخل، إلى جانب ما يراه منتقدون تنامياً لنفوذ الكفاءات المتدنية داخل بعض مؤسسات الدولة، وتراجعاً في دور الكفاءات والخبرات الإدارية في إدارة الملفات العامة. وقد أسهم تداخل هذه العوامل في فرض أعباء معيشية خانقة على المواطن السوري، وفي تعميق حالة الإحباط تجاه قدرة الإدارات على تحويل وعودها الاقتصادية والاجتماعية إلى نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على حياته اليومية.
ولا تبدو الفجوة مقتصرة على الداخل السوري؛ فثمة تساؤلات متزايدة حول قدرة الوزارة على بناء بيئة سياسية واقتصادية مطمئنة للدول والمستثمرين الإقليميين والدوليين. ومن المرجح أن تكون الممارسات الداخلية للحكومة ، إلى جانب طبيعة تعاطيها مع محيطها الإقليمي، من بين العوامل التي أثارت تحفظات لدى بعض دول الخليج، وهو ما قد يفسر، جزئياً، الفجوة بين حجم الوعود المعلنة وبين بطء ترجمتها إلى مشاريع واستثمارات ودعم اقتصادي ملموس.
وبذلك تبدو المشكلة أعمق من مجرد تأخر في وصول الاستثمارات أو تعثر في إعادة الإعمار؛ فهي ترتبط بمدى قدرة الحكومة على توفير بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ، تحظى بثقة المواطن والمستثمر والدول الداعمة في آن واحد. فالإعمار لا يحتاج إلى رأس المال وحده، وإنما إلى مؤسسات فعالة، وقواعد واضحة، وأمن اقتصادي وقانوني، وثقة سياسية واجتماعية تسمح بتحويل الوعود والشعارات إلى واقع يلمسه المواطن في دخله وفرص عمله ومستوى الخدمات التي يحصل عليها.