Skip to main content

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

السيادة لا تُجزَّأ: من يحمي الدولة حين يُترك المواطن وحيدًا؟

بقلم: فرنسوا الجردي

لبنان اليوم أمام سؤال يتجاوز شعار «حصرية السلاح»: هل نحن أمام دولة تستعيد قرارها فعلًا، أم أمام دولة تحاول إدارة الانهيار فيما تُترك الملفات الأخطر معلّقة؟

لا شك أن حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية عنوان أساسي لأي دولة. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن: وماذا عن الدولة خارج بيانات السيادة؟

فالمشهد الأمني في الجنوب اللبناني لا يزال هشًّا، وخطوط التماس تتوسع، فيما يبقى لبنان عالقًا بين حرب مفتوحة، وضغوط إسرائيلية وأميركية، ومسار تفاوضي لا يملك اللبنانيون وحدهم مفاتيحه. وإذا كانت الدولة تقول إن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون في يدها، فعليها أن تشرح للبنانيين كيف ستستعيد هذا القرار عمليًا، لا أن تكتفي بإعلانه سياسيًا.

لكن السيادة ليست جنوبًا فقط.

أين الدولة في بيروت؟ أين هي في ملف السلاح الفلسطيني؟ أين هي أمام السلاح المتفلّت والسرقات وعمليات السلب والتشبيح؟ وأين هي أمام المولدات والصهاريج والاحتكارات التي يدفع المواطن ثمنها من جيبه؟

هذه ليست ملفات هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحروب. المواطن الذي يخاف على منزله وماله، ويدفع فاتورة كهرباء ومياه مضاعفة، وينتظر في الإدارات، ويصطدم بالواسطة والمحسوبيات، لا يعيش في دولة كاملة السيادة مهما ارتفع منسوب الخطاب السياسي.

وهنا تحديدًا تُطرح المسؤولية على الأحزاب المسيحية وسائر القوى السياسية: هل أصبحت حصرية السلاح ذريعة للصمت عن بقية الملفات؟ وهل يكفي القول إن «لا خيار سوى دعم الدولة» ثم ترك المواطن يواجه وحده الغلاء والاحتكار والانهيار الإداري؟

الدولة لا تستعيد هيبتها فقط عندما تطالب بحصر السلاح؛ تستعيدها عندما تطبّق القانون على الجميع، وتحمي المواطن من المافيات والسرقات والاحتكارات، وتوقف منطق المحاصصة، وتفتح ملفات الفساد، وتعيد الاعتبار للقضاء والإدارة والمؤسسات.

الحل ليس مستحيلًا… لكنه يحتاج قرارًا سياسيًا

المطلوب ليس مؤتمرًا جديدًا ولا بيانًا إنشائيًا آخر، بل خطة دولة بمواعيد ومسؤوليات ومؤشرات تنفيذ واضحة.

أولًا، وضع جدول زمني معلن لتنفيذ حصرية السلاح، بالتوازي مع معالجة ملف السلاح في المخيمات وكل مظاهر السلاح غير الشرعي، وفق القانون وبإشراف المؤسسات الأمنية والعسكرية.

ثانيًا، جعل بيروت مدينة آمنة فعلًا عبر خطة أمنية متكاملة لملاحقة السلاح المتفلّت وعصابات السرقة والسلب والابتزاز، وإعلان نتائجها للرأي العام بدل ترك الأمن مادة للمزايدات السياسية.

ثالثًا، فتح الملفات الاجتماعية التي تمس حياة الناس مباشرة: المولدات، المياه، المحروقات، النقل، الكسارات، الاتصالات، الاحتكارات والأسعار، مع رقابة فعلية وعقوبات لا تسقط بالتدخلات السياسية.

رابعًا، وقف التعيينات والمحاصصة في الإدارات والمؤسسات العامة، واعتماد معايير شفافة للتوظيف والترقية، مع رقمنة الخدمات التي تشكل بيئة خصبة للرشوة والواسطة.

خامسًا، تفعيل القضاء والرقابة المالية في ملفات الفساد وتبديد المال العام، لأن استعادة الدولة لا تكتمل باستعادة قرار الحرب والسلم إذا بقيت أموال الدولة وحقوق الناس بلا حماية.

وسادسًا، أن تتحول الأحزاب التي تقول إنها تؤيد الدولة إلى قوة ضغط من أجل قيامها، لا إلى غطاء سياسي لصمتها. من يريد دولة قوية عليه أن يطالب بها في الجنوب وبيروت والمخيمات والإدارات والمرافئ والحدود والأسواق، لا في ملف واحد فقط.

لبنان لا يحتاج دولة قوية على الورق وضعيفة أمام مافيات الواقع.

يحتاج دولة تقول لكل الأطراف، من دون استثناء: السلاح له مرجعية واحدة، والقانون له مرجعية واحدة، والمال العام له حماية واحدة، والمواطن له حقوق واحدة.

عندها فقط تصبح حصرية السلاح بداية لاستعادة الدولة، لا شماعة تُعلّق عليها كل أزمات الدولة.

فالسيادة الحقيقية ليست أن ترفع الدولة شعارًا في وجه السلاح فقط؛ السيادة أن يشعر المواطن أن الدولة موجودة عندما يخاف، وعندما يُسرق، وعندما يُبتز، وعندما يدخل مستشفى، وعندما يراجع إدارة، وعندما يدفع فاتورته، وعندما يطالب بحقه.

آن الأوان أن تنتقل الدولة من الكلام عن استعادة الهيبة إلى ممارسة الهيبة: قانونٌ يُطبّق، فسادٌ يُحاسَب، سلاحٌ يُحصر، أمنٌ يُفرض، وإدارةٌ تخدم الناس. غير ذلك ليس استعادة للدولة، بل إدارةٌ جديدة للانهيار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

انظر ايضاً
Close
en_CAEnglish

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker