دولة ضعيفة… مواطن بلا حقوق

09/10/2026 - 14:41 PM

Arab American Target

 

 

د. مهى محمّد مراد

ليست أزمات لبنان المتراكمة مجرد أزمات سياسية أو مالية أو أمنية متفرقة، بل هي في جوهرها أزمة دولة، وأزمة ثقة بين المواطن ومؤسساته، وحين تتراجع قدرة الدولة على حماية الإنسان وصون حقوقه، يصبح الخلل أكبر من مجرد تعثر في إدارة مرحلة صعبة، لأنه يمس العلاقة التي يفترض أن تقوم بين المواطن ودولته على أساس الحقوق والواجبات والقانون.

الدولة في المفهوم الحديث ليست سلطة تدير شؤون الناس فحسب، وإنما إطار قانوني ومؤسسي لحمايتهم وتأمين أمنهم وكرامتهم وحرياتهم، وهذه المسؤولية تؤكدها منظومة حقوق الإنسان التي التزم بها لبنان، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي انضم إليه عام 1972.

من هنا، فإن حق اللبناني في الأمن لا ينفصل عن حقه في الدولة، فالأمن الحقيقي لا يعني غياب الحرب أو الاضطراب فحسب، بل يعني أن يشعر المواطن بأن حياته وكرامته وحريته مصونة، وأن القانون يحمي الجميع دون تمييز، غير أن استمرار الخطاب الطائفي والمذهبي، وخطاب الكراهية والتحريض والتضليل، فضلًا عن تعدد مصادر القوة والسلاح، كلها عوامل تضعف مفهوم الدولة وتنعكس مباشرة على شعور المواطن بالأمان.

ولا يمكن للأمن أن يستقيم من دون حياة كريمة، فالمادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تؤكد حق كل إنسان في مستوى معيشي لائق، بما يشمل الغذاء والمسكن والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، كما يكرس العهد الدولي، في مادته 11، الحق في مستوى معيشي كافٍ، وفي المادة 12 الحق في الصحة، بينما تتناول المادتان 6 و7 الحق في العمل وشروطه العادلة، والمادتان 13 و14 الحق في التعليم.

هذه المواد ليست بعيدة من واقع المواطن اللبناني، فالمريض الذي يعجز عن تأمين كلفة علاجه يواجه أزمة في حقه في الصحة، والعائلة التي تكافح لتأمين أقساط التعليم تواجه مساسًا بحق أبنائها في التعليم، والشاب الذي لا يجد فرصة عمل أو يحصل على أجر لا يكفيه للعيش يواجه أزمة تمس كرامته ومستقبله، وكذلك فإن الحصول على المياه والخدمات الأساسية يرتبط مباشرة بحق الإنسان في حياة لائقة.

أما الانهيار المالي، فقد وضع المواطن أمام اختبار آخر لمدى حماية الدولة لحقوقه، فمنذ عام 2019، وجد المودعون أنفسهم عاجزين عن التصرف الطبيعي بأموالهم، فتحولت المدخرات التي كانت تمثل أمانًا للمستقبل إلى مصدر قلق دائم، وهذه القضية لا يمكن اختزالها في بعدها المصرفي، لأنها تتصل أيضًا بحق الملكية وبالأمان القانوني وبالثقة التي يفترض أن تحميها مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، تنص المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل شخص في التملك، وعدم جواز تجريد أحد من ملكه تعسفًا، لذلك فإن المودع الذي يحتاج إلى أمواله لعلاج أو تعليم أو مسكن لا ينظر إليها كرقم مصرفي، بل كنتاج سنوات من العمل والتعب، ومعالجة الأزمة المالية يجب أن تكون عادلة وشفافة، وأن تحدد المسؤوليات وألا تجعل المواطن وحده من يدفع ثمن الانهيار.

وعندما تتعثر الدولة في حماية حقوق مواطنيها، تصبح آليات التعاون الدولي وحقوق الإنسان أكثر أهمية، لا بوصفها بديلًا عن الدولة اللبنانية، بل وسيلة لدعمها وحثها على الوفاء بالتزاماتها، ويمكن أن تشمل هذه الآليات المساعدة الفنية والمتابعة والتحقيق والمساءلة، ضمن القواعد والاختصاصات التي يحددها القانون الدولي.

لكن الطريق إلى الإنقاذ يبدأ من الداخل، فلا حماية حقيقية للحقوق من دون قضاء مستقل، ولا دولة قانون من دون محاسبة، ولا استقرار دائم من دون حصرية القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية. واستقلال القضاء ليس مطلبًا سياسيًا عابرًا، بل الضمانة التي تمنح المواطن القدرة على مواجهة الظلم بالقانون بدل اللجوء إلى القوة أو النفوذ.

لبنان اليوم أمام خيِار واضح: إما أن تستعيد الدولة معناها ووظيفتها، وإما أن يستمر تراجع الثقة حتى يصبح المواطن غريبًا عن مؤسساته… والمطلوب هنا ليس معجزة، بل إرادة وطنية تعيد ترتيب الأولويات: الإنسان أولًا، والعدالة أساسًا، والقانون فوق الجميع.

فحين تحمي الدولة مواطنها، يحتمي المواطن بها، وحين يشعر بأن حقوقه مصونة، يصبح أكثر استعدادًا لحماية وطنه. أما حين يصبح القانون ضعيفًا أمام النفوذ، والعدالة مؤجلة، والحقوق رهينة الأزمات، فإن الخطر لا يعود في انهيار المؤسسات وحدها، بل في انهيار الثقة التي تقوم عليها فكرة الوطن نفسها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment