عدا عن النكسات العسكرية، فقد اصيب الثنائي بغياب أي مبادرة غير القناة الاميركية والتواصل المباشر مع رئيس الجمهورية. وعليه سئل: ما نفع أي خطوات عسكرية محدودة في النبطية ومناطق انتشار "السلاح غير الشرعي" متفلتة؟
الجمهورية - جورج شاهين
على وقع التداعيات الكبرى التي خلّفها سقوط تلال علي الطاهر ومحيطها، تلاحقت النداءات "الأهلية الشيعية"، التي تناشد الجيش الانتشار في المدن والقرى المحرّرة، لتجنّب أي اجتياح إسرائيلي إضافي، يمكن أن تستدرجه عن وجه حق أو بعكسه، إحدى مسيّرات "حزب الله"، لتبرير برامج "التجريف" و"التفجير" فوق الأرض وتحتها، بعدما تجاوز الاحتلال شمال نهر الليطاني. وبالمناسبة، طُرحت الأسئلة حول إمكان الربط بين الإعلان الإسرائيلي عن "المنطقة الرمادية" بعد "سقوط" علي الطاهر. وما بين الخطوتَين، ومعهما مصير "طاولة روما 3"؟ وما سيليها؟
قبل الدخول في أي توصيف للمتغيّرات في ما يمكن تسميته "المزاج الشعبي الجنوبي"، لا بدّ من إلقاء الضوء على مجموعة من الخطوات التي دفعت إليه على أكثر من مستوى، لما سيكون لها من انعكاسات على الساحة الداخلية عموماً وفي "البيئة الشيعية" خصوصاً. فهي البيئة التي تعيش مخاضاً عسيراً نتيجة تبنّيها كل ما رافق مجموعة الحروب التي اقتيد إليها لبنان، وما انتهت إليه من خسائر يصعب تقديرها، بقرار منفرد حظِيَ بإجماع حزبي وديني وإعلامي غير مسبوق، جعلت رافضيها والمعترضين منبوذين في بيئتهم.
وهو مسلسل لم ينتهِ بعد، وقد بدأت حلقاته، بحرب "الإلهاء والإسناد"، الأولى في 8 تشرين الأول عام 2023 تضامناً مع قطاع غزة، وبعدها حرب "أولي البأس"، والتي عُرفت بـ"حرب الـ 66 يوماً" في خريف العام 2024، بعد اغتيال الأمينَين العامَين للحزب السيدَين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، وقبلهما وبعدهما مجموعة من القادة الحزبيّين، قبل أن تندلع "حرب الثأر" في 2 آذار الماضي تضامناً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إثر اغتيال مرشدها علي الخامنئي في 28 شباط الماضي ومعه عدد كبير من القادة العسكريّين والخبراء النوويّين، من دون أن تمس تبنّي البيئة لكل هذه المحطات ونتائجها بشكل غير مسبوق وخياراتها السياسية والعسكرية.
وبعد التذكير بهذه المحطات المأساوية التي تجاوزها أي نقاش بيزنطي عقيم، توقف المراقبون الديبلوماسيّون والعسكريّون، أمام جانب آخر من الخلاصات التي انتهت إليها، ولا سيما في الأسابيع الأخيرة التي بدأت تتكوّن فيها "قناعات شعبية شيعية" جديدة، اقتربت من أن تتلاقى علناً مع "القناعة اللبنانية الواسعة"، ولا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت تتفلّت من مجموعة الضوابط الحاكمة. وقد تطوَّرت في الفترة الأخيرة، بشكل يتجاوز كل ما كان من "المحرَّمات"، ولا سيما أنّ موجات الردّ والتخوين التي كانت تلحق بمَن يسمّونهم "شيعة السفارة" من قَبل، و"شيعة السلطة" لاحقاً، قد تراجعت. ذلك أنّ ما قاد إليها قد تعدّدت أسبابه الموجبة، لا سيما بعد أن تجاوز العدو مجرى نهار الليطاني وموجات التفجير، حتى بلغت مستوى السيطرة على تلال علي الطاهر ومحيطها، التي قيل إنّها سقطت قبل شهرَين تقريباً عسكرياً، ولم يعُد أحد من روّادها قادر على الخروج منها أو الدخول إليها.
ويعترف مسؤول سابق في "حزب الله" رفض الكشف عن اسمه، أنّ رهاننا ومعنا الأكثرية الشيعية قد سقط على المسار الإيراني، ولا سيما "إسلام آباد"، بعد أن تعدّد الطباخون من الخليج والدول غير الصديقة، ومعها التحالفات الجديدة التي تزامنت وتراجع الدعم الصيني والروسي لإيران، بما كان يوفّره استخبارياً وتقنياً في الفترة الأخيرة، ولا سيما بعد "قمة بكين" بين الرئيسَين الأميركي والصيني، وفي ظل الاستعدادات لقمة واشنطن المقبلة بينهما، وهو ما انعكس فقدان الدعم المنتظر قياساً على رفع مستوى الحصار البحري الخانق، مضافاً إلى الحصار الجوّي والبرّي والخرق الاستخباري، الذي ما زال قائماً على خلفية الصراع بين جنرالات الحرس الثوري وممتهني السياسة والديبلوماسية، ومنهم الرئيس الإيراني ومعه أعضاء الوفد المفاوض الذي لم يعُد يحصي مصادر الخناجر.
وقال مسؤول "حزب الله" السابق: "إنّ ما زاد في الطين بلّة الجمود على "مسار إسلام آباد" إلى أجل غير مسمّى، وعدم وفاء الإدارة الأميركية بالإفراج عن المليارات التي جُمّدت، وهو ما قاد إلى فقدان الأمل بقدرته على التوصّل إلى وقف إطلاق نار شامل ودائم في جنوب لبنان، شبيه بذلك الذي تحقق في إيران بعد تفاهم 8 نيسان الماضي، والذي قيل إنّه يشمل مختلف الجبهات من هرمز إلى جنوب لبنان. وبعدها تعدّدت السيناريوهات الوهمية عن "فضل إيران" في تجميد قصف الضاحية الجنوبية وبيروت بعد مجزرة "الأربعاء الأسود" في 8 أيار الماضي. وقد تعزّزت هذه القناعة بفقدان أي ردّ فعل إيراني كان موعوداً إن سقطت "تلال علي الطاهر" ومحيطها، لضمّها إلى لائحة المدن والمنشآت العسكرية الحزبية التي تمّ تفجيرها وتجريفها مع محيطها من الأحياء السكنية، وما حصدته من آلاف الشهداء والضحايا والجرحى والأسرى ومفقودي الأثر".
كل هذه المعطيات تلاقت وقراءة ديبلوماسية، جعلت من الوعد الإيراني بوقف النار حلماً بعيداً، إلى أن أفرجت إسرائيل عن بعض الأسرى على خلفية تحصين "مسار واشنطن" والدعم الأميركي المنتظر وتسلّم السفير ميشال عيسى ملف المفاوضات كاملاً، بمعزل عن الموفدين. وهو أمر جعل الملف بيد وزير الخارجية ماركو روبيو مباشرة ومن خلفه الرئيس ترامب بشكل مباشر وشخصي، ومعهم فريق عمله في البيت الأبيض، المهتم بوضع لبنان. وكلها أمور تمرّ عشية المؤتمر التحضيري في باريس لدعم الجيش، وحال الاستنفار العربي، ما أدّى إلى انقطاع كل المبادرات التي كان "الثنائي الشيعي" يفكّر بها وحصرها بالقناة الأميركية ومع رئيس الجمهورية مباشرة من الجانبَين العربي والأميركي.
وقياساً على هذه الخلاصات، انتهت المراجع بعد ابتعادها عن الكثير من التفاصيل إلى القول، إنّ سقوط تلال علي الطاهر لم تكن نكسة عسكرية للحزب فحسب، إنما هي سياسية. وقد تكون ما قبل ضربة قاضية لم تُحتسب مصادرها بعد. ومع الأمل بأن تكون سياسية أو ديبلوماسية بدلاً من أن تكون عسكرية مؤلمة. وهي معطيات معطوفة على السؤال عن فائدة نشر الجيش في النبطية وتخصيص اجتماع أمني في بعبدا لهذه الغاية، وترك باقي المناطق على مساحة لبنان مخزوناً لأسلحة الحزب. ذلك أنّ أي علاج موضعي ومحدود بجغرافيّته ومفاعيله، قد يكون سيّئاً للغاية، وإن كان أفضل من الحرب الشاملة فسيان، لفقدان مَن يتجرّأ على استبعادها.













09/09/2026 - 23:24 PM





Comments