الصراع الصفري بين أمريكا وإيران يتسبب في خلل اقتصادي عالمي وتجميد الاقتصاد الخليجي

09/09/2026 - 17:01 PM

Arab American Target

 

 

 

بقلم - د. محمد نصار

لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية تدور رحاها في منطقة الشرق الأوسط، بل تحول إلى أزمة اقتصادية عالمية مفتوحة، تمتد تداعياتها من أسواق الطاقة والملاحة إلى التضخم وسلاسل الإمداد والاستثمار، وتضع الاقتصادات الخليجية أمام اختبار بالغ الصعوبة.

فمع عودة التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، أصبح مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، ليس فقط باعتباره ممرًا استراتيجيًا للطاقة، ولكن باعتباره شريانًا رئيسيًا للتجارة الدولية. وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبره يعني ارتفاع تكلفة النفط والغاز والتأمين والنقل، وانتقال موجة التضخم من المنطقة إلى مختلف أنحاء العالم.

وقد انعكس التصعيد بالفعل على أسواق النفط، حيث ارتفعت الأسعار بقوة خلال الأيام الأخيرة، مع مخاوف من أن يؤدي استمرار الهجمات على السفن إلى مزيد من اضطراب الإمدادات. وتشير تقديرات حديثة إلى إمكانية وصول أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير إذا تراجعت حركة الناقلات بصورة ملموسة.

الاقتصاد الخليجي أمام معادلة صعبة

المفارقة أن دول الخليج، رغم كونها من أكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط، قد تكون من أكثر الأطراف تضررًا من استمرار الأزمة.

فارتفاع سعر النفط لا يعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في الإيرادات إذا أصبحت قدرة الدول المنتجة على تصدير الخام والغاز مقيدة بسبب المخاطر الأمنية أو اضطراب الملاحة. وهنا تظهر المعادلة الجديدة: سعر النفط يرتفع، لكن حجم التجارة والاستثمار والنشاط الاقتصادي يتراجع.

وهذا ما يمكن وصفه بـ"التجميد الاقتصادي الجزئي"، حيث تتجه الشركات والمستثمرون إلى تأجيل قرارات جديدة، بينما ترتفع تكاليف النقل والتأمين، وتصبح حركة البضائع والطاقة أكثر تعقيدًا ، وقد بدأت أسواق المال الخليجية بالفعل في إظهار حساسية واضحة تجاه التطورات العسكرية، مع تباين أداء البورصات الخليجية تحت ضغط المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة والملاحة.

هرمز.. من ممر ملاحي إلى سلاح اقتصادي

لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، وإنما تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية في الصراع بين واشنطن وطهران. فإيران تدرك أن مجرد التهديد بتقييد الملاحة يرفع تكلفة المخاطر في الأسواق العالمية، بينما تحاول الولايات المتحدة تأمين الممر وإجبار طهران على تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية ، لكن المشكلة أن استمرار استخدام المضيق كساحة للصراع سيخلق خسائر لا تقتصر على طرف واحد.

فالدول الخليجية تعتمد على استقرار الملاحة لتصدير النفط والغاز واستيراد السلع والمواد الغذائية والمعدات، كما تعتمد مراكزها التجارية والمالية على استمرار تدفق التجارة العالمية ، ومن ثم فإن أي اضطراب طويل الأمد يمكن أن يحول الخليج من مركز جذب للاستثمارات إلى منطقة يضع المستثمرون فيها علاوة مخاطر مرتفعة.

الأزمة لا تتوقف عند حدود الخليج.

ارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع تكلفة النقل والطاقة والصناعة والزراعة، وبالتالي زيادة أسعار السلع والخدمات في مختلف الاقتصادات ، كما أن ارتفاع أسعار الغاز والوقود يضغط على الدول المستوردة للطاقة، ويجبر البنوك المركزية على التعامل مع معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن خفض التضخم في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الطاقة نتيجة أزمة جيوسياسية؟ وهنا تكمن خطورة الأزمة الحالية ، فالعالم قد يجد نفسه أمام مزيج من ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو، وهي معادلة اقتصادية أصعب بكثير من التضخم التقليدي أو الركود منفردًا. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن استمرار الحرب لفترة طويلة يمكن أن يبقي أسعار الطاقة مرتفعة ويضغط على النمو العالمي ويزيد صعوبة السيطرة على التضخم.

الخليج بين القوة النفطية والمخاطر الجيوسياسية

لطالما امتلك الخليج ميزة استراتيجية ضخمة تتمثل في موقعه الجغرافي وثرواته النفطية والغازية ومراكزه المالية والتجارية ، لكن الأزمة الحالية تكشف في الوقت نفسه عن نقطة ضعف استراتيجية ، الاعتماد الكبير على ممرات بحرية محددة لتصدير الطاقة واستيراد السلع ، ولهذا بدأت بعض الدول الخليجية بالفعل في البحث عن مسارات بديلة لتصدير الطاقة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، في محاولة لتقليص أثر أي اضطراب مستقبلي ، وهذه التحركات لن تكون مؤقتة بالضرورة، بل يمكن أن تعيد تشكيل خريطة الطاقة والتجارة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

الصراع الصفري.. هل هناك رابح؟

في الصراعات الصفرية، يحاول كل طرف تحقيق أقصى مكاسب ممكنة وحرمان الطرف الآخر من المكاسب، لكن الاقتصاد العالمي لا يعمل بهذه الطريقة ، فخسارة إيران لا تعني بالضرورة مكسبًا صافياً للولايات المتحدة، وارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة انتصارًا للدول المنتجة، كما أن زيادة الإيرادات النفطية لا تعوض تلقائيًا خسائر السياحة والاستثمار والتجارة والنقل. والأخطر أن استمرار الصراع قد يدفع الشركات العالمية إلى إعادة تقييم استثماراتها في المنطقة، ليس بسبب ضعف الفرص الاقتصادية، وإنما بسبب ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية.

وهذا قد يؤدي إلى إعادة توزيع الاستثمارات العالمية نحو مناطق أكثر استقرارًا، وهو ما يمثل تحديًا طويل الأمد لدول الخليج التي أنفقت خلال السنوات الماضية مليارات الدولارات لبناء اقتصادات متنوعة لا تعتمد على النفط وحده.

في النهاية، لا تستطيع القوة العسكرية وحدها إعادة الاستقرار إلى الأسواق ، فحتى لو تمكن أحد طرفي الصراع من تحقيق تفوق عسكري، فإن الاقتصاد العالمي سيظل بحاجة إلى ممرات آمنة، وأسواق مستقرة، وتدفقات طاقة منتظمة، وثقة استثمارية ، ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكمن في استمرار التصعيد، وإنما في الوصول إلى تسوية سياسية تضمن أمن الملاحة وحرية التجارة وتحمي منشآت الطاقة من الاستهداف.

إن استمرار الصراع الأمريكي الإيراني في صورته الحالية يضع المنطقة والعالم أمام مرحلة جديدة؛ مرحلة لم تعد فيها الحرب مجرد صراع على النفوذ السياسي، وإنما صراع على الطاقة والممرات البحرية والأسواق وسلاسل الإمداد ، وإذا طال أمد هذه الأزمة، فقد لا يكون السؤال: من انتصر عسكريًا؟ بل سيكون السؤال الأهم: من يستطيع أن يتحمل التكلفة الاقتصادية الأطول؟

فالاقتصاد العالمي لا يحتاج إلى طرف منتصر وطرف مهزوم بقدر ما يحتاج إلى استقرار يمنع تحول الشرق الأوسط إلى نقطة اختناق دائمة للاقتصاد العالمي. وفي الخليج تحديدًا، فإن حماية الاقتصاد لا تعني فقط حماية آبار النفط والمنشآت الصناعية، وإنما حماية الموانئ والممرات البحرية والاستثمارات والأسواق والثقة ، وهذه هي المعركة الاقتصادية الحقيقية التي ستحدد شكل الشرق الأوسط والعالم خلال السنوات المقبلة..

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment