د. إيلي يوسف العاقوري
حضرة نيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلّي الطوبى، بطريرك الموارنة في لبنان وسائر المشرق المحترم،
أصحاب السيادة المطارنة في الصرح البطريركي في بكركي المحترمين،
تحية احترام وتقدير،
الموضوع: واقع الشباب المسيحي في لبنان وسبل معالجته اجتماعيًا، اقتصاديًا وإيمانيًا
أتقدّم منكم بهذا الكتاب بدافع الغيرة الصادقة على حاضر ومستقبل الوجود المسيحي في لبنان، وانطلاقًا من شعور عميق بالمسؤولية تجاه فئة الشباب المسيحي التي تعاني اليوم من أزمات متراكمة تهدّد بقاءها في أرضها ودورها في مجتمعها وكنيستها.
لقد أصبح من الواضح أنّ هجرة الشباب المسيحي تتزايد بشكل مقلق، لاسيّما بحثًا عن فرص عمل لائقة تضمن لهم حياة كريمة. كما أنّ الأزمات المالية المتتالية أدّت إلى تفاقم ظاهرة العزوبية القسرية، وتأجيل الزواج، وبيع الأراضي لاستكمال علومهم خارجًا (الأغلبية تبقى وتؤسّس خارجًا) ما ينعكس مباشرةً على الاستقرار الاجتماعي والعائلي. (مجتمعنا المسيحي أصبح هرمًا بسبب هجرة الشباب وعدم الزواج...)
إلى جانب ذلك، نلاحظ تراجع الحضور الشبابي في الاحتفالات والنشاطات الدينية، ليس نتيجة ضعف الإيمان بحدّ ذاته، بل بسبب شعور متزايد بالبعد عن الكنيسة عمومًا، وعن رجال الدين خصوصًا، وغياب قنوات حوار حقيقية تشرك الشباب في همومهم اليومية وتطلّعاتهم.
إنّ واقع رعايانا وأخوياتنا وكنائسنا اليوم، حيث يغلب حضور كبار السن، يشكّل إنذارًا صريحًا يستدعي وقفة شجاعة وكسرًا للجليد القائم بين الشباب المسيحي والكنيسة، عبر إشراكهم الفعلي في الرؤية والقرار، واستعادة ثقتهم بالكنيسة كأمّ حاضنة لا كمرجعية روحية بعيدة عن الواقع.
وانطلاقًا من ذلك، أسمح لنفسي أن أضع بين أيديكم بعض المقترحات العملية
• العمل على وضع رؤية واضحة للشباب المسيحي للبقاء في أرضهم، من خلال دعم فرص العمل داخل لبنان.
• تشجيع شراكات بين الكنيسة وشركات محلية والعمل على ايجاد مبادرات اقتصادية منتِجة.
• دعم الشباب في بدايات مشاريعهم عبر قروض ميسّرة، شراكات، أو تبنّي أفكارهم الريادية القابلة للحياة.
• إنشاء أعمال إنتاجية تدرّ دخلًا مستدامًا، تعود فائدتها على الكنيسة وأبنائها معًا.
• مساعدة الشباب على الاستقرار، الزواج، والحفاظ على أراضيهم، بما يحدّ من الهجرة ويمنع الخلل الديموغرافي على المدى الطويل في لبنان.
• الاهتمام بالشباب في الرعايا واستقطابهم إليها والسماع الى هواجسهم ومشاكلهم وبالتالي مساعدتهم على إيجاد حلول لها. وأكثر من ذلك حثهم على دعم الرعايا من خلال أفكارهم المقدامة في كافة المجالات مما يعطي الحياة إليها ويعزّز الانتماء إلى الكنيسة. إذا فلنضع رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة، تعزز وجودنا في هذا البلد وتحدد مستقبلنا في وفي هذا الشرق المضطرب.
رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة
إنّ المرحلة المقبلة تتطلّب الانتقال من المعالجة الظرفية إلى رؤية مشتركة بعيدة المدى تجمع الكنيسة بأبنائها، تقوم على الشراكة لا الرعاية فقط، وعلى الاستثمار في الإنسان قبل الحجر. رؤية تُبنى بالتشاور مع الشباب أنفسهم، وتأخذ بعين الاعتبار واقعهم الاجتماعي والاقتصادي وتحدّيات بقائهم في أرضهم.
وترتكز هذه الرؤية على إطلاق أفكار مشاريع مشتركة بين الكنيسة وأبنائها، لا سيّما الشباب، تهدف إلى:
- تعزيز فرص العمل الكريم داخل لبنان؛
- تشجيع الشباب على البقاء في أرضهم والحفاظ عليها وعدم بيعها؛
- ربط الانتماء الإيماني بالالتزام الاجتماعي والاقتصادي؛
- تحويل الكنيسة إلى شريك فعلي في التنمية، لاسيّما في المناطق الريفية والأطراف.
ويمكن أن تتجلّى هذه المشاريع من خلال:
• شركات إنتاجية أو زراعية أو تجارية أو سياحية على أراضٍ تابعة للكنيسة أو مقدمة من العلمانيين أو بالشراكة معه؛
• حاضنات أعمال شبابية برعاية الكنيسة لدعم الأفكار الريادية؛
• صناديق دعم وتمويل مخصّصة للشباب المسيحي في مرحلة الانطلاقة؛
• مشاريع اجتماعية–اقتصادية تؤمّن دخلًا مستدامًا وتخدم الكنيسة وأبناءها معًا.
إنّ هذه الرؤية المشتركة، إذا ما أُقِرّت وعُمِل على تنفيذها، من شأنها أن تعزّز ثقة الشباب بكنيستهم، وتعيد ربطهم بها، وتؤسّس لمرحلة جديدة يكون فيها البقاء في لبنان خيارًا ممكنًا لا تضحية مستحيلة.
في الختام ، إنّ الشراكة الحقيقية بين الكنيسة والشباب المسيحي ليست خيارًا ثانويًا، بل هي الضمانة الفعلية لبقاء المسيحيين في لبنان، أرضًا ورسالة، وحضورًا حيًا في المجتمع.
أضع هذه الهواجس والمقترحات بين أيديكم، راجيًا أن تلقى ما تستحقه من اهتمام، وأن تكون خطوة في مسار طويل من الحوار والعمل المشترك لما فيه خير شبابنا وكنيستنا ووطننا.
وتفضّلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
د. إيلي يوسف العاقوري
في ١ أيلول ٢٠٢6













09/01/2026 - 18:38 PM





Comments