باريس وروما تتحركان لمنع الفراغ الأمني في الجنوب.. ودعم الجيش في صلب المبادرة الأوروبية
«بيروت تايمز»: مظلة أوروبية للبنان في مرحلة ما بعد اليونيفيل.. باريس وروما تضعان الاستقرار أولاً
باريس وروما تتحركان لمنع الفراغ الأمني في الجنوب.. دعم الجيش وإعادة الإعمار واحتواء التصعيد في صلب المبادرة الأوروبية
بيروت – بيروت تايمز – منى حسن
في وقت يدخل فيه لبنان مرحلة شديدة الحساسية على المستويين الأمني والدبلوماسي، مع استمرار التوتر على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية وعدم اكتمال الترتيبات الأمنية والسياسية التي يفترض أن تضع حداً نهائياً للتصعيد، تتحرك باريس وروما باتجاه بلورة مقاربة أوروبية مشتركة هدفها الأساسي منع الانزلاق مجدداً إلى حرب واسعة، وضمان استقرار لبنان «في أقرب وقت ممكن»، وفق ما كشفه مصدر دبلوماسي فرنسي لـ«بيروت تايمز».
ويأتي التحرك الفرنسي–الإيطالي في لحظة مفصلية بالنسبة إلى الجنوب اللبناني، في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية داخل مناطق حدودية، وتواصل أعمال الهدم والاستهداف، مقابل مساعٍ لبنانية لتثبيت سلطة الدولة وتعزيز انتشار الجيش، بالتوازي مع اتصالات دولية تبحث مستقبل الوجود الأمني الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».
وكانت فرنسا وإيطاليا قد أعلنتا في حزيران الماضي اتفاقهما على العمل من أجل تشكيل «ائتلاف متعدد الجنسيات» لدعم لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، المقررة في نهاية العام، مع بحث إمكانية عقد مؤتمر دولي مخصص لهذا الملف. وأكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني آنذاك أن باريس وروما تريدان ضمان وجود دولي يمنع نشوء «فراغ أمني خطير» في الجنوب.
خطة تتجاوز الأمن إلى تثبيت الدولة
وقال المصدر الدبلوماسي الفرنسي لـ «بيروت تايمز» إن المقاربة التي يجري بحثها بين باريس وروما لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تقوم على مجموعة مسارات مترابطة، تبدأ بتثبيت الهدوء على الحدود، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، ودعم مؤسسات الدولة، وصولاً إلى إعادة الإعمار وتهيئة الظروف المناسبة لعودة السكان إلى المناطق التي تضررت جراء الحرب.
وبحسب المصدر، فإن باريس وروما تنطلقان من اعتبار أن أي معالجة مستدامة للوضع اللبناني لا يمكن أن تقوم على إجراءات أمنية مؤقتة، بل تحتاج إلى إعادة تثبيت حضور الدولة اللبنانية في الجنوب، ومنع قيام أي فراغ يمكن أن تستغله أطراف محلية أو إقليمية لإعادة إنتاج الصراع.
وتتطابق هذه المقاربة مع الموقف الفرنسي المعلن بعد توقيع الاتفاق الإطاري اللبناني–الإسرائيلي في واشنطن في 26 حزيران، إذ أكدت باريس أن الاتفاق يفترض أن يفتح الطريق أمام استعادة السيادة اللبنانية على كامل الأراضي، وترسيخ حصرية السلاح بيد الدولة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، إضافة إلى تأمين الوصول الإنساني وعودة النازحين.
الجيش اللبناني في قلب المعادلة
ويبدو أن الجيش اللبناني سيكون الطرف الأساسي في أي ترتيبات أمنية جديدة يجري بحثها للجنوب، إذ ترى باريس وروما أن تثبيت الاستقرار لا يمكن أن يتحقق من دون تمكين المؤسسة العسكرية اللبنانية من الانتشار وممارسة مسؤولياتها على الأرض.
وتؤكد فرنسا منذ إقرار ترتيبات وقف إطلاق النار أنها تعتبر الجيش اللبناني القوة الشرعية القادرة على ضمان سيادة الدولة، فيما دعت جميع الأطراف إلى تنفيذ الترتيبات التي تسمح بانتشار الجيش وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
أما إيطاليا، فتملك حضوراً خاصاً في هذا الملف، باعتبارها من أبرز الدول المساهمة في اليونيفيل، كما أنها تتولى منذ سنوات برامج لتدريب وتعزيز قدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية اللبنانية. وتؤكد روما رسمياً دعمها لوحدة لبنان وسيادته واستقلاله وتنفيذ القرار 1701، إضافة إلى مساهمتها الكبيرة في اليونيفيل ومهمة التدريب العسكري الثنائية في لبنان.
ما بعد اليونيفيل.. الهاجس الأوروبي الأكبر
يشكل مستقبل اليونيفيل أحد أبرز الدوافع وراء التحرك الفرنسي–الإيطالي.فقرار مجلس الأمن الأخير أبقى مهمة اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية خفض القوات والانسحاب خلال عام 2027. وتخشى باريس وروما، وفق المعطيات الدبلوماسية، أن يؤدي الانتقال السريع من الوجود الدولي الحالي إلى صيغة جديدة غير مكتملة إلى نشوء فراغ أمني في منطقة شديدة الحساسية، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمواقع وأراضٍ لبنانية، واستمرار العمليات العسكرية والخروقات، وعدم اكتمال انتشار الدولة اللبنانية في جميع المناطق الحدودية. ولهذا السبب، تسعى العاصمتان إلى أن يكون الانتقال من اليونيفيل إلى أي صيغة دولية جديدة انتقالاً منظماً وتدريجياً، بحيث لا يحدث أي فراغ بين المهمتين.
وكانت إيطاليا قد طرحت بالفعل تصوراً لقوة متعددة الجنسيات يمكن أن تخلف اليونيفيل في الجنوب، فيما أبدت باريس استعدادها للمشاركة في صيغة دولية جديدة لدعم لبنان والحفاظ على الاستقرار. وقد رحب الرئيس جوزاف عون بالمبادرة الفرنسية–الإيطالية، معتبراً أنها تعكس التزاماً دولياً بسيادة لبنان واستقراره.
الجنوب.. الميدان يفرض نفسه على الدبلوماسية
ويأتي التحرك الأوروبي في وقت لا تزال فيه التطورات الميدانية في الجنوب تشكل العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل المفاوضات.
فبحسب تقارير ميدانية حديثة، تواصل إسرائيل عمليات القصف والهدم في عدد من البلدات والمناطق الواقعة ضمن المنطقة الحدودية، فيما تتحدث تقارير عن استمرار أعمال عسكرية واسعة في مناطق داخل ما تصفه إسرائيل بـ«المنطقة العازلة».
وفي الأيام الأخيرة، بقي الجنوب في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، في وقت لا تزال فيه أجزاء واسعة من المنطقة تعاني من آثار الحرب والدمار، فيما يواجه السكان النازحون صعوبات كبيرة في العودة إلى قراهم.
وتشير أحدث المعطيات الإنسانية إلى أن نحو 350 ألف شخص ما زالوا نازحين داخل لبنان، بينهم نحو 21 ألفاً يقيمون في مدارس ومراكز إيواء، في وقت تستعد فيه البلاد للعام الدراسي الجديد. كما تعرض أكثر من 340 مدرسة لأضرار خلال الحرب، الأمر الذي يعكس حجم الأضرار التي أصابت البنية التحتية والخدمات العامة.
الاتفاق الإطاري.. خطوة لم تكتمل
وتتعامل باريس وروما مع الاتفاق الإطاري اللبناني–الإسرائيلي الموقع في واشنطن في حزيران باعتباره نقطة انطلاق يمكن البناء عليها، وليس نهاية المسار.
فالوثيقة التي جاءت برعاية أميركية رسمت مساراً تدريجياً يفترض أن يؤدي إلى استعادة الجيش اللبناني مسؤولياته الأمنية، بالتوازي مع إعادة انتشار إسرائيلي تدريجي، قبل الانتقال إلى إعادة الإعمار وعودة المدنيين إلى المناطق التي تصبح تحت سيطرة الدولة اللبنانية.
لكن الاتفاق بقي محاطاً بعقبات سياسية وميدانية، خصوصاً لجهة عدم تحديد جدول زمني نهائي للانسحاب الإسرائيلي، إضافة إلى استمرار العمليات العسكرية والخلافات حول آليات تنفيذ الترتيبات الأمنية.
وقد أكدت فرنسا بعد توقيع الاتفاق أنها مستعدة للمساهمة في تنفيذه وتحقيق أهدافه، وفي مقدمها استعادة السيادة اللبنانية وانسحاب القوات الإسرائيلية وعودة السكان.
باريس وروما تريدان مظلة دولية أوسع
وبحسب المعلومات الدبلوماسية، فإن الخطة الفرنسية–الإيطالية لا يُنظر إليها باعتبارها مبادرة ثنائية مغلقة، بل يُراد لها أن تتحول إلى مظلة دولية أوسع تشارك فيها دول أوروبية وأطراف دولية أخرى، مع احتمال عقد مؤتمر دولي مخصص لدعم لبنان وترتيبات الأمن في الجنوب.
وتحتاج هذه الصيغة، وفق مصادر دبلوماسية، إلى تفاهم واضح مع واشنطن، باعتبار أن الولايات المتحدة ما زالت الطرف الأساسي في رعاية المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي، فضلاً عن ضرورة وجود تفاهم مع الحكومة اللبنانية حول دور الجيش وآليات الانتشار وإعادة الإعمار.
وتزداد أهمية التنسيق الأميركي–الفرنسي–الإيطالي في هذه المرحلة، خصوصاً أن أي صيغة أمنية جديدة في الجنوب ستكون مرتبطة بشكل مباشر بنتائج المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية وبموقف إسرائيل من الانسحاب، وبقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها الأمنية.
استئناف المفاوضات في أيلول؟
ويتزامن التحرك الأوروبي مع توقعات باستئناف المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية خلال أيلول في روما، في وقت تستمر فيه الاتصالات الرامية إلى تثبيت التهدئة ووضع آلية عملية لتنفيذ التفاهمات السابقة.
وقد أعلن وزير الخارجية الإيطالي في أواخر آب أن المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية ستُستأنف في أيلول، ما يضيف أهمية إضافية للدور الإيطالي في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن روما تريد الجمع بين المسار الدبلوماسي ومسار ترتيبات الأمن في الجنوب.
وفي هذا السياق، قد تتحول روما إلى إحدى أبرز ساحات التفاوض حول المرحلة المقبلة، ليس فقط لناحية الانسحاب الإسرائيلي، وإنما أيضاً لناحية مستقبل الوجود الدولي في الجنوب، ودور الجيش اللبناني، وآليات إعادة الإعمار وعودة النازحين.
«الاستقرار أولاً»
وقال المصدر الدبلوماسي الفرنسي لـ«بيروت تايمز» إن الأولوية بالنسبة إلى باريس هي «تأمين الاستقرار في لبنان في أقرب وقت ممكن»، معتبراً أن أي مسار سياسي أو اقتصادي لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار التوتر الأمني.
وأضاف، وفق المعطيات التي نقلها المصدر، أن فرنسا وإيطاليا تريدان العمل على منع عودة لبنان إلى دوامة التصعيد، بالتوازي مع تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز قدرة الجيش على القيام بدوره.
وتعتبر باريس أن استقرار لبنان لا ينفصل عن أمن المنطقة، وأن منع توسع الصراع يتطلب معالجة جذور الأزمة على الحدود، وتثبيت سيادة الدولة اللبنانية، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع التزام جميع الأطراف بالترتيبات الأمنية.
اختبار حقيقي للمرحلة المقبلة
وفي المحصلة، تبدو المبادرة الفرنسية–الإيطالية أمام اختبار مزدوج: الأول دبلوماسي، يتمثل في القدرة على تحويل الأفكار الأوروبية إلى تفاهم دولي قابل للتنفيذ؛ والثاني ميداني، يتمثل في وقف التصعيد على الأرض وخلق الظروف التي تسمح للجيش اللبناني بتوسيع انتشاره وبسط سلطة الدولة.
فبينما تستمر إسرائيل في عملياتها العسكرية والهدم في الجنوب، يبقى ملف عودة النازحين وإعادة إعمار المناطق المتضررة مرتبطاً بصورة مباشرة بمسألة الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الأمن.
ومن هنا، فإن نجاح أي خطة أوروبية لن يكون مرهوناً فقط بما تريده باريس وروما، بل بقدرة الولايات المتحدة على دفع الأطراف نحو تنفيذ التفاهمات، وبموقف إسرائيل من الانسحاب، وبمدى قدرة الدولة اللبنانية على استكمال انتشار الجيش، وبالتوافق الداخلي اللبناني حول حصرية السلاح ومرجعية الدولة.
وبينما تقترب المنطقة من مرحلة إعادة رسم الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، تبدو باريس وروما عازمتين على عدم السماح بأن يتحول انتهاء مهمة اليونيفيل إلى نقطة ضعف جديدة، بل إلى فرصة لإطلاق صيغة دولية مختلفة، يكون الجيش اللبناني في قلبها، وتكون مهمتها الأساسية حماية الاستقرار، دعم الدولة، وفتح الطريق أمام إعادة إعمار الجنوب وعودة أهله.
وبحسب المصدر الدبلوماسي الفرنسي، فإن الرسالة الأوروبية الأساسية في هذه المرحلة واضحة: «الاستقرار أولاً»، ومنع الفراغ الأمني، ثم الانتقال إلى معالجة الملفات السياسية والاقتصادية وإعادة الإعمار ضمن مسار دولي متكامل.













09/01/2026 - 14:42 PM





Comments