بقلم شربل عبد الله أنطون
عندما أعلنت واشنطن مؤخراً أنها ستسيطر على 55 في المائة من مشروع جديد يضم أكثر من 65 مليار برميل من النفط الفنزويلي، بموجب امتيازات لحقول قد تمتد إلى قرن، ضمن اتفاق أوسع في قطاع الطاقة وصفته الرئيسة الفنزويلية بالنيابة ديلسي رودريغيز، في سياق منفصل، بأنه برنامج يمتد 25 عاماً، بدا الأمر للوهلة الأولى مجرد قصة إقليمية: صفقة للسيطرة على الموارد في الفناء الخلفي للولايات المتحدة بعد سقوط مادورو.
لكن فنزويلا ليست العنوان الحقيقي للقصة؛ إنها النموذج، وهي تقدم إجابة عن سؤال ظل يحيط بالسياسة الأميركية تجاه إيران طوال الأشهر الماضية: ما الذي تعتبره إدارة ترامب انتصاراً؟
تبدأ الإجابة بملاحظة بسيطة: واشنطن تخوض حملتين ضد خصمين منتجين للنفط، وتبدوان، على نحو متزايد، نسختين من استراتيجية واحدة.
في فنزويلا، استخدمت الولايات المتحدة القوة: عملية عسكرية، واحتجاز رئيس، وتنصيب حكومة انتقالية مستعدة لمنحها، خلال سبعة أشهر، حق الوصول إلى حقول النفط لفترة قد تمتد إلى قرن.
أما في إيران، فلم يكن خيار «قطع الرأس» — أي الإطاحة بالقيادة — واقعياً في الأساس. فبعد ستة أشهر من الصراع المفتوح، استوعبت طهران الضغوط ولم تنهَر. وعليه، انتقلت واشنطن إلى أداتها التالية: الخنق الاقتصادي.
وتعكس عملية «المنبوذ الاقتصادي»، التي أطلقها وزير الخزانة سكوت بيسنت، سيناريو فنزويلا من حيث النبرة والطموح؛ إذ تهدف إلى قطع «كل شريان حياة اقتصادي» يمد النظام الإيراني بمقومات البقاء، فيما وُضعت الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، في صلب الاستهداف.
وهنا يظهر الخيط الحقيقي الذي يربط بين الحالتين. فالعمليتان تشتركان في هدف لا يتعلق بالأيديولوجيا بقدر ما يتعلق بالقوة والنفوذ في سوق الطاقة: حرمان الصين من النفط الخام المخفّض السعر الذي تحصل عليه من دول خاضعة للعقوبات أو واقعة على هامشها.
فالمشروع المشترك في فنزويلا يزيح الصين عن موقعها كأكبر زبون لشركة النفط الوطنية الفنزويلية «PDVSA»، فيما تستهدف حملة العقوبات على إيران موقع بكين بوصفها أكبر شريك تجاري لطهران.
دولتان وآليتان: تدخل عسكري في حالة، وحصار مالي في الأخرى. لكن الهدف الاستراتيجي واحد.
قد تكون هذه القراءة أكثر قابلية للدفاع عنها من أي نظرية شاملة عن «عقيدة ترامب»، كما أنها قابلة للاختبار: هل ستُطبق المواعيد النهائية للعقوبات الثانوية على المشترين وشركات الشحن الصينية فعلياً، أم ستُخفف بهدوء إذا لوّحت بكين بإجراءات انتقامية حقيقية؟
لكن السؤال الأكثر دلالة هو ما تكشفه فنزويلا عن الشروط التي قد تطلبها واشنطن إذا عادت إيران في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات.
عادة ما تُقدَّم العقوبات باعتبارها وسيلة ضغط لتحقيق أهداف محددة، مثل إنهاء الحرب أو البرنامج النووي. لكن فنزويلا تقدم صورة مختلفة. فعندما تمتلك إدارة ترامب نفوذاً حقيقياً على دولة منتجة للنفط، فإنها لا تكتفي بانتزاع تنازلات سياسية، بل قد تسعى إلى تحويل هذا النفوذ إلى سيطرة.
فإذا عادت إيران إلى المفاوضات تحت ضغط الإنهاك الاقتصادي، فقد لا يكون النموذج المطروح أمامها بالضرورة العودة إلى إطار الاتفاق النووي لعام 2015، أي تخفيف العقوبات مقابل عمليات التفتيش.
قد يكون النموذج أقرب إلى كاراكاس: رأس مال أميركي وحقوق شراء أو الحصول على النفط، مدمجة مباشرة في البنية التحتية للطاقة الإيرانية، تحت عنوان الاستثمار في إعادة الإعمار، لا غنيمة الحرب، وتسويقها داخل الولايات المتحدة باعتبارها صفقة لا تكلف دافع الضرائب الأميركي شيئاً.
لكن هذه الرؤية تستحق قدراً كبيراً من التشكيك؛ فإيران ليست فنزويلا.
لا يوجد قائد إيراني مُحتجز، ولا حكومة انتقالية مستعدة لمنح امتياز يمتد إلى قرن. وأي نقل لحصص ملكية في قطاع الطاقة الإيراني سيتطلب إما تسوية سياسية واسعة تتجاوز بكثير كل ما هو مطروح حالياً، أو انهياراً كاملاً للنظام. ولا يبدو أي من الاحتمالين قريباً.
كما أن التاريخ لا يدعم هذه الفكرة كثيراً. فالأنظمة الخاضعة للعقوبات، من إيران في ظل اتفاق 2015 إلى العراق في التسعينيات وروسيا منذ عام 2022، تحملت الانكماش والتضخم وبيع صادراتها بأسعار مخفضة قبل أن تقبل بالتخلي عن أصول الدولة الاستراتيجية.
ولا توجد، عملياً، سابقة واضحة لمبدأ «مقايضة الأصول مقابل تخفيف العقوبات» في غياب حكومة تابعة أو متعاونة بالكامل. وهذا ما تملكه واشنطن في كاراكاس، لكنها لا تملكه حتى الآن في طهران.
كما أن قطاع النفط الإيراني أقل تدهوراً بكثير من نظيره الفنزويلي، وقد أمضت طهران عقدين في بناء بدائل تقلل اعتمادها على حسن نية واشنطن.
وفوق ذلك، سيصطدم أي اتفاق يشبه النموذج الفنزويلي بعقبة أعمق: إرث تأميم النفط عام 1951 بقيادة محمد مصدق، الذي جعل السيادة على الموارد قضية سياسية شبه مقدسة لدى مختلف التيارات الإيرانية. وهي حساسية يصعب مقارنة ثقلها بما ينص عليه الدستور الفنزويلي بشأن ملكية الدولة للموارد.
حتى السابقة الفنزويلية نفسها قد لا تصمد. فالدستور يمنح الدولة الملكية الأساسية لمواد النفط والغاز، واتفاقية امتياز تمتد لمئة عام وقعتها حكومة غير منتخبة قد تكون بالضبط من نوع الالتزامات التي تستطيع حكومة منتخبة مستقبلاً إبطالها.
وعليه، فإن نموذجاً قد لا يكتب له البقاء في كاراكاس يمثل أساساً هشاً لتصديره إلى طهران.
هذه الفوارق تجعل من غير المرجح رؤية نسخة من الصفقة الفنزويلية في إيران قريباً. لكنها لا تُبطل وجه المقارنة، بل تحدد معالمه.
فالحجة ليست أن واشنطن ستكرر في طهران ما فعلته في كاراكاس، بل أن صفقة فنزويلا منحت إدارة ترامب سابقة عملية لتحويل النفوذ إلى سيطرة على الموارد عندما تسمح الظروف السياسية بذلك. وقد جرى اختبار هذا النموذج مرة واحدة وتسويقه بنجاح داخل الولايات المتحدة.
ومن المرجح أن تؤثر هذه السابقة في الطريقة التي يعرّف بها المفاوضون »النتيجة المقبولة « في المرة المقبلة التي تمتلك فيها واشنطن أوراقاً قوية في مواجهة دولة منتجة للنفط، بما في ذلك إيران.
لذلك، فالسؤال ليس ما إذا كانت طهران ستوقع الشهر المقبل امتيازاً يمتد إلى قرن. السؤال هو ما إذا كانت مصطلحات مثل «الاستثمار في إعادة الإعمار» و«الشراكة مقابل تخفيف العقوبات» ستبدأ بالظهور في أي مسار تفاوضي مستقبلي مع إيران.
فإذا حدث ذلك، ستكون فنزويلا قد منحتنا بالفعل مفتاحاً لفهم ما تعنيه هذه المصطلحات.












09/01/2026 - 16:49 PM





Comments