تهميش وزير الخارجية عن لقاءات رئيس الجمهورية: خلاف مع وزير أم انتقاص من مؤسسة؟

09/01/2026 - 15:15 PM

Your Ad Here

 

 

رئيس الجمهورية ليس وزارة خارجية… ووزير الخارجية ليس وزيراً فائضاً عن الحاجة

 

بقلم: فرانسوا الجردي

المسألة ليست يوسف رجّي… بل وزارة الخارجية

هناك فرق كبير بين أن يختلف رئيس الجمهورية مع وزير في الحكومة، وبين أن يتحول هذا الاختلاف، إن كان موجوداً، إلى واقع مؤسساتي يُبقي الوزير المختص بالشؤون الخارجية خارج بعض أهم المحطات الدبلوماسية للبنان.

السؤال هنا ليس دفاعاً عن يوسف رجّي كشخص، ولا دفاعاً عن حزب القوات اللبنانية، ولا اعتراضاً على حق رئيس الجمهورية في إدارة زياراته ولقاءاته واختيار أعضاء وفده. السؤال أكبر: ماذا يبقى من دور وزارة الخارجية إذا كانت السياسة الخارجية للبنان تُدار في بعض أهم ملفاتها من دون حضور وزير الخارجية؟

فالزيارات الرئاسية إلى واشنطن وتركيا وإيطاليا واليونان لم تكن مجرد محطات بروتوكولية؛ بل تناولت علاقات لبنان الدولية، ودعم الجيش، والجنوب، والمفاوضات، والعلاقات مع القوى الدولية والإقليمية. وهذه، في جوهرها، ملفات تقع في صميم العمل الدبلوماسي للدولة.

المادة 52 لا تعني أن رئيس الجمهورية أصبح وزارة الخارجية

المادة 52 من الدستور أناطت برئيس الجمهورية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وهذا يؤكد الموقع المحوري لرئيس الجمهورية في السياسة الخارجية.

لكن هذه الصلاحية لا تعني إلغاء وزارة الخارجية أو تحويلها إلى تفصيل إداري. فالدستور نفسه يوزع الصلاحيات الخارجية ضمن منظومة تشمل رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومجلس الوزراء والوزارة المختصة. وبالتالي، يجب التمييز بين أمرين: ممارسة رئيس الجمهورية لصلاحياته الدستورية، وهي أمر لا جدال فيه، وبين تهميش وزارة الخارجية في الملفات التي تدخل في اختصاصها، وهو أمر يستحق المساءلة السياسية والمؤسساتية.

وزارة الخارجية ليست دائرة بروتوكول

وزارة الخارجية والمغتربين ليست جهاز مراسم تابعاً للرئاسة، بل مؤسسة دولة لها جهاز دبلوماسي وسفارات وبعثات وتمثيل رسمي في الخارج، ووزير يتولى حقيبة سيادية أساسية. ليس مطلوباً، من الناحية القانونية، أن يرافق وزير الخارجية رئيس الجمهورية في كل زيارة خارجية. وقد تكون هناك أسباب عملية أو بروتوكولية أو أمنية تبرر غيابه عن زيارة معينة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الغياب نمطاً متكرراً في زيارات يكون جدول أعمالها بمجمله تقريباً سياسة خارجية. عندها يتحول السؤال من «لماذا لم يرافق الوزير الرئيس؟» إلى «لماذا لا تظهر وزارة الخارجية حيث تكون طرفاً طبيعياً في الملفات المطروحة؟».

إذا كان السبب سياسياً… فالمشكلة تصبح أخطر

إذا كان يوسف رجّي يُستبعد من بعض الوفود أو اللقاءات لأن مواقفه السياسية لا تتطابق مع رئيس الجمهورية، أو لأن انتماءه السياسي إلى القوات اللبنانية يجعل وجوده غير مرغوب فيه في بعض الملفات، فهنا يجب قول الأمور بوضوح: هذه ليست إدارة دولة، بل إدارة خلاف سياسي داخل الدولة.

من حق الرئيس أن يختلف مع وزير، ومن حق الوزير أن يختلف مع الرئيس، ومن حق الأحزاب المشاركة في الحكومة أن تعترض. لكن المؤسسات لا تُدار على قاعدة «هذا الوزير نأخذه معنا لأننا نرتاح إليه، وهذا نتركه في بيروت لأننا نختلف معه».

فالوزير، مهما كان انتماؤه السياسي، عندما يتولى حقيبة الدولة يصبح وزيراً للجمهورية اللبنانية، لا وزيراً لحزبه فقط. والسؤال للقوات اللبنانية: ماذا لو كان الوزير من فريق آخر؟

هنا السؤال الأكثر إحراجاً. لو كان وزير الخارجية محسوباً على حزب آخر، ثم جرى تهميشه عن لقاءات رئيس الجمهورية مع رؤساء الدول ووزراء خارجيتها، هل كانت القوات اللبنانية ستعتبر الأمر طبيعياً؟ وهل كانت ستقول إن رئيس الجمهورية يملك صلاحياته وانتهى الأمر؟ أم كانت ستتحدث عن تهميش دور الوزير وإضعاف الشراكة الحكومية؟

المعيار الحقيقي للدفاع عن المؤسسات هو أن يكون واحداً في الحالتين. فإذا قبلت القوى السياسية بتجاوز صلاحيات المؤسسات عندما يكون المسؤول من خصومها، فإنها تؤسس لسابقة ستعود عليها عندما تتبدل موازين القوى.

رئيس الجمهورية يحتاج إلى وزير خارجية قوّي… لا إلى وزير يوافقه دائماً

رئيس الجمهورية القوي لا يحتاج إلى إضعاف وزير الخارجية كي يثبت قوته. بل يحتاج إلى وزير قوي ومتمكن يعمل معه داخل المؤسسات.

وزير الخارجية يملك جهاز الوزارة، ويتابع السفراء والبعثات، ويتواصل مع نظرائه، ويعرف تفاصيل الملفات الدبلوماسية وتاريخ المفاوضات. وحضوره إلى جانب رئيس الجمهورية في الملفات الخارجية يعطي الموقف اللبناني استمرارية مؤسساتية، ويؤكد للدول الأخرى أن ما يقال باسم لبنان ليس موقف شخص بل موقف دولة.

أما تعدد الأصوات اللبنانية في السياسة الخارجية، فيضعف لبنان ويجعل العواصم الأخرى تتساءل: مع من نتفاوض؟ ومن يملك القرار؟

لا نريد وزير خارجية «محسوباً»… نريد وزير خارجية لبنان

المطلوب ليس الدفاع عن يوسف رجّي لأنه محسوب على القوات اللبنانية، بل الدفاع عن موقعه لأنه وزير الخارجية والمغتربين في الجمهورية اللبنانية. وهذا المبدأ يجب أن ينطبق على كل الوزراء، مهما كانت الأحزاب التي سمّتهم. الوزير يحمل حقيبة الدولة، لا حقيبة الحزب الذي رشحه.

لذلك فإن القضية ليست شخصية ولا حزبية. إنها تتعلق بالسؤال الأهم: هل نريد مؤسسات قوية أم إدارات سياسية تتغير طريقة التعامل معها وفقاً للعلاقات الشخصية والحسابات الحزبية؟

العهد يُقاس باحترام المؤسسات

الرئيس جوزاف عون جاء إلى الرئاسة بخطاب عنوانه الدولة والمؤسسات والسيادة. وهذا تحديداً ما يجعل أي ملاحظة على انتظام العمل المؤسساتي أكثر أهمية.

الرئيس هو رأس الدولة، وله صلاحيات دستورية أساسية في السياسة الخارجية. لكن قوة الرئاسة لا تتناقض مع قوة وزارة الخارجية؛ بل تحتاج إليها. والدولة القوية هي التي تتكامل فيها المؤسسات ولا تلغي إحداها الأخرى.

لذلك، فإن تكرار تغييب وزير الخارجية عن محطات خارجية بالغة الحساسية، إن ثبت أنه يتم من دون مبررات عملية واضحة، يستحق نقاشاً صريحاً لا بهدف إضعاف الرئيس، بل بهدف حماية صورة الدولة التي يفترض أن يمثلها الرئيس قبل سواه.

الخلاصة: من يحمي وزارة الخارجية؟

قد نختلف مع يوسف رجّي، وقد ننتقد أداءه ومواقفه، وقد نختلف مع القوات اللبنانية نفسها. هذا كله مشروع في السياسة. لكن لا يجوز أن يتحول الخلاف السياسي إلى قاعدة مفادها أن موقع الوزير يصبح قابلاً للتهميش تبعاً لعلاقته السياسية برئيس الجمهورية.

اليوم وزير الخارجية من القوات اللبنانية، وغداً قد يكون من حزب آخر، وبعد غد قد يكون مستقلاً. والسؤال نفسه سيعود: هل هو وزير في الدولة أم ممثل سياسي يمكن تجاوزه؟

إذا كنا نريد دولة، فالجواب يجب أن يكون واضحاً: الوزير لا يُستدعى عندما نحتاجه ويُهمّش عندما نختلف معه، ووزارة الخارجية لا تتحول إلى ملحق بروتوكولي بالرئاسة، ورئيس الجمهورية لا يختصر وزارة الخارجية.

نريد رئيساً يقود السياسة الخارجية، ووزيراً ينفذها معه، وحكومة تتحمل مسؤوليتها، ودولة واحدة تتحدث إلى العالم بصوت واحد.

فإذا كان غياب وزير الخارجية في زيارة عابرة هفوة، يمكن تجاوزها. أما إذا أصبح التغييب نهجاً، فالمسألة لم تعد هفوة ولا خلافاً سياسياً، بل تصبح سؤالاً عن احترام المؤسسة نفسها. وهنا يجب أن تكون الإجابة من بعبدا، لا من القوات اللبنانية ولا من يوسف رجّي. لأن الدولة التي نريدها لا تبدأ من قوة الأشخاص، بل من قوة المؤسسات.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment