رشيد ج. مينا
من أي زاوية تطل على المشهد اللبناني، ومن أي ارتفاع تحاول أن تراه، يكاد جوهر الصورة يبقى واحدًا: وطن كالكرة تتقاذفه القوى المتصارعة على المصالح والنفوذ، فيما يدفع شعبه ثمن لعبة لم يكن، في معظم مراحلها، صاحب القرار فيها.
مرت عقود، وتعاقبت المبادرات والتحركات والتسويات، وتغيرت بعض الوجوه، وتبدلت بعض الأعلام والرعاة والداعمين، لكن المشهد في جوهره لم يتغير. وإذا كان قد تبدل، ففي جوانب كثيرة تبدل نحو مزيد من التعقيد والسوداوية، حتى أصبح اللبناني يعيش داخل أزمة تتغير عناوينها، فيما تبقى أسبابها العميقة قائمة.
والمفارقة أن بعض القوى في الداخل ما زالت تتصرف وكأنها صاحبة التأثير في مجريات الأمور، متناسية أنها، بطريقة أو بأخرى، ساهمت في فتح الأبواب أمام الخارج، ومكنته من الاستثمار في خلافات الداخل، وتوسيع هوة الانقسامات، وتغذية التناقضات واللعب عليها، لتحقيق مصالح ومشاريع ليس للبنان فيها، في كثير من الأحيان، لا ناقة ولا جمل.
فالخارج لا يدخل وطنًا من أبوابه المغلقة، ولا يستطيع تحويله إلى ساحة إلا عندما يجد في داخله من يفتح له الأبواب، أو يستقوي به على شريكه في الوطن، أو يربط موقعه السياسي ومصالحه بمحور خارجي، ثم يكتشف الجميع، بعد فوات الأوان، أن الخارج الذي استُدعي للاستقواء به أصبح شريكًا في القرار، وربما صاحب القرار.
في لبنان، تتقاطع اليوم عوامل شديدة الخطورة: احتلال إسرائيلي واستمرار للاعتداءات والتهديدات، حضور أمريكي فاعل ومناورات سياسية وضغوط متواصلة، وصراع مع إيران تتكشف أبعاده ومصالح أطرافه بصورة أكبر مع كل تطور جديد. لكن قراءة هذا الصراع لا ينبغي أن تبدأ من أحداث اليوم وحدها.
فمن الصعب تجاهل أن إيران استطاعت، خلال أكثر من أربعة عقود، أن تنمي قدراتها، وتوسع نفوذها الإقليمي، وتبني قوى وأذرعًا مسلحة مرتبطة بها في عدد من الدول العربية، ومنها لبنان، وأن تجعل من القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل عنوانًا مركزيًا في مشروعها الإقليمي.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
كيف أمكن لهذا النفوذ أن ينمو ويتمدد طوال كل هذه العقود في منطقة كانت ولا تزال تحت المجهر الدولي، وفي قلب صراع المصالح الكبرى؟
إن طرح السؤال لا يعني الادعاء بوجود مخطط واحد محكم أديرت تفاصيله منذ البداية، ولا يعفي إيران من مسؤولية خياراتها، ولا الولايات المتحدة وإسرائيل من مسؤولية سياساتهما، لكنه يمنعنا في الوقت نفسه من التعامل مع ما يحدث اليوم وكأنه ولد فجأة، أو من تصديق الصورة الظاهرة للأحداث دون قراءة المصالح والنتائج والمسارات التي أوصلتنا إليها.
فالسياسة الدولية لا تُقرأ بالنوايا المعلنة وحدها، وإنما بالمصالح والوقائع والنتائج. وفي قلب هذه الحسابات كلها، لا يبدو لبنان أكثر من ساحة لتصفية الحسابات وصندوق لتبادل الرسائل، بعضها يُكتب بالسياسة وبعضها بالدم، فيما يتحمل الوطن وشعبه الكلفة.
ولا يستطيع اللبنانيون أن يلقوا المسؤولية كاملة على الخارج.
فلو لم تكن القوى السياسية اللبنانية ضعيفة أمام الخارج، أو مرتبطة بمحاوره، أو مستفيدة من دعمه، لما استطاعت الصراعات الإقليمية والدولية أن تجد في لبنان هذه المساحة الواسعة للاستثمار.
لقد ارتبطت قوى لبنانية، في مراحل مختلفة، بمحاور ودول خارجية، واستقوت بها في مواجهة خصومها في الداخل، حتى أصبح لكل أزمة لبنانية تقريبًا امتداد خارجي، ولكل خلاف داخلي من ينتظر نتائجه في عاصمة أخرى.
وفي خضم كل ذلك، يكاد اللبناني ينسى أنه إنسان قبل أن يكون رقمًا في طائفة، أو جمهورًا في حزب، أو وقودًا لمحور.
إنسان له حقوق، وليس مجرد مواطن مطلوب منه دفع الضرائب والرسوم، وتحمل نتائج الفساد، وانهيار الخدمات، وعجز السلطة، ثم دفع كلفة الصراعات التي لم يُستشر أصلًا في خوضها.
فالسلطة في لبنان موزعة بين قوى وطوائف ومذاهب، والقرار الوطني موزع بين حسابات الداخل وارتباطاته الخارجية، فيما بقي المواطن الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن الجميع. وفي قلب هذه المعادلة يأتي السلاح خارج إطار الدولة.
لقد بدأ هذا السلاح، في مرحلته الراهنة، تحت عنوان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وهو عنوان ارتبط فعلًا بمواجهة الاحتلال وبمحطات من الصراع معه. لكن ارتباط السلاح لاحقًا بالصراع الإقليمي وبمشروع إيران ونفوذها جعل موقعه ووظيفته يتجاوزان الإطار اللبناني، حتى أصبح جزءًا من معادلة أكبر يُستثمر فيها لبنان وتُستخدم ساحته ضمن تبادل الرسائل والمصالح.
ومن هنا تأتي العبارة القاسية، لكنها تعبر عن سؤال لا يمكن الهروب منه: كيف يتحول السلاح الذي بدأ مقاومة إلى واقع يخشى اللبنانيون أن يصبح مقاولة سياسية وعسكرية لحساب مشاريع تتجاوز وطنهم؟ وهنا لا تكون القضية في إنكار حق لبنان في مقاومة الاحتلال أو الدفاع عن أرضه، بل في السؤال عمن يملك قرار الحرب والسلم، ومن يحدد متى يُستخدم السلاح ولأي هدف، ومن يتحمل النتائج عندما يتحول الوطن كله إلى ساحة مواجهة.
فالسيادة لا تتجزأ، كما أن القرار الوطني لا يمكن أن يكون وطنيًا إذا كان موزعًا بين الدولة وقوى داخلية ومحاور خارجية. وأمام هذا الواقع، يفرض السؤال نفسه:
أين اللبنانيون؟
أين القوى الوطنية المستقلة؟
أين النخب والكفاءات والقوى الشعبية الحية؟
وأين الشعب الذي يفترض أنه صاحب الوطن ومصدر الشرعية؟
هل أصبح دور اللبناني انتظار ما ستقرره المفاوضات بين الآخرين، أو ما ستنتجه تسويات المحاور، أو ما ستفرضه موازين القوى الإقليمية والدولية؟
لن يخرج لبنان من النفق بمفاوضات غير متوازنة لا يمتلك فيها عناصر القوة والضمانات الكافية، كما لن يخرج منه بالتمسك بحالة الفوضى وبالسلاح الخارج عن إطار الدولة والمجير، كليًا أو جزئيًا، لحساب أجندات تتجاوز المصلحة اللبنانية.
فالخيار بين الارتهان للخارج والارتهان للسلاح ليس خيارًا. وكذلك الاختيار بين وصاية وأخرى ليس استقلالًا.
إن بداية الخروج من النفق تبدأ عندما يستعيد اللبناني وعيه بأنه جزء من شعب واحد، وأن له حقًا في وطن، وأن اختلافه السياسي أو الديني أو الطائفي مع اللبناني الآخر لا يجعل الخارج أقرب إليه من شريكه في الوطن.
ومن هذا الوعي تبدأ الدولة.
دولة لا تكون غطاءً لطائفة، ولا أداةً لمحور، ولا ساحةً لتقاسم النفوذ، وإنما دولة تحمي جميع اللبنانيين وتعبر عن مصالحهم وطموحاتهم، وتستعيد قرارها الوطني وسيادتها على كامل أرضها. وفي قلب هذه الدولة يقف الجيش الوطني اللبناني.
ليس جيشًا نحتفل به في المناسبات ثم نخشى عليه كلما طُلب منه القيام بواجباته، وليس مؤسسة نحيطها بالتحذيرات مرة بحجة الحفاظ عليها من الانقسام، ومرة خشية وضعها في مواجهة جزء من اللبنانيين.
فالجيش الوطني لا يكون وطنيًا بالاسم وحده، وإنما عندما يكون جيش جميع اللبنانيين، ويملك وحده، إلى جانب المؤسسات الأمنية الشرعية، الحق في حمل السلاح واستخدام القوة وفق الدستور والقانون وقرار الدولة، ويحظى بالإمكانات والدعم السياسي والشعبي والمادي الذي يمكنه من حماية الأرض والسيادة والشعب.
ولا يجوز أن يبقى الجيش عرضة للتشكيك أو التخويف أو سوق المزايدات السياسية، لأن إضعاف الجيش لا يحمي الوحدة الوطنية، بل يضعف الدولة التي يفترض أن تحمي هذه الوحدة. والمشهد الحالي لا يبعث على الاطمئنان.
فاستمرار العدوان الإسرائيلي، وتداخل الصراعات الإقليمية والدولية، وضعف الدولة، والانقسام الداخلي، ووجود السلاح خارج إطارها، كلها عوامل تنذر بمزيد من المخاطر والتداعيات إذا بقي اللبنانيون ينتظرون ما سيصنعه الآخرون لهم.
والمطلوب ليس بيانات جديدة ولا شعارات عاطفية، بل خطوات وطنية شعبية فعلية تعيد جمع اللبنانيين حول مشروع الدولة.
وهنا يحتاج لبنان إلى محيطه العربي، ولكن ثمة فارقًا جوهريًا بين الدعم والتدخل.
فلبنان لا يحتاج إلى محور عربي جديد ينافس المحاور الأخرى على أرضه، وإنما إلى رعاية ودعم عربيين فعليين يساعدانه على استعادة دولته وسيادته ومؤسساته، ويدعمان جيشه واقتصاده واستقراره، دون أن يتحول هذا الدعم إلى وصاية أو إلى حسابات مصلحية جديدة.
الدعم الذي يحتاج إليه لبنان هو الذي يساعده على الوقوف على قدميه، لا الذي يستبدل تبعية بتبعية.
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة خلال عقود طويلة، وربما آن الأوان لأن يدركوا أن أحدًا لن يبني لهم وطنهم إذا لم يقرروا هم بناءه، وأن أحدًا لن يحمي وحدتهم إذا استمروا في البحث عن الحماية خارج دولتهم.
فالخارج يبحث عن مصالحه، وهذه طبيعة الدول والسياسة. أما اللبنانيون، فهم وحدهم من يفترض أن تكون مصلحة لبنان أولويتهم.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين لبناني وآخر، ولا بين طائفة وأخرى، ولا بين مذهب ومذهب، بل بين من يريد لبنان وطنًا ودولة، ومن يقبل، عن قصد أو عن عجز أو عن مصلحة، أن يبقى ساحة للآخرين.
لقد تغيرت الوجوه، والأعلام، والرعاة، والمحاور، لكن الكرة بقيت تتقاذفها الأيدي نفسها من خارج الملعب وداخله. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل المفاوضات والمبادرات والتسويات هو الأبسط والأصعب في آن واحد: إذا كان لبنان قد أصبح ساحة للآخرين... فأين اللبنانيون من وطنهم؟













08/22/2026 - 17:36 PM





Comments