غزة: يوميات العيش تحت النزوح ونقص الماء وانهيار الخدمات بين المأوى المؤقت ومحاولة استعادة الحياة

08/21/2026 - 15:59 PM

Jonathan Amireh

 

 

 الصحفي: ضياء الدين مرزقي

في غزة، لا تبدأ الحياة اليومية من ساعة الصباح، بل من سؤال أكثر بدائية: هل بقي المأوى قائماً؟ وهل يتوفر ماء يمكن شربه أو استخدامه للطهي والنظافة؟ وهل يمكن الوصول إلى عيادة أو مدرسة أو سوق من دون التعرض للخطر؟ هذه الأسئلة، التي تبدو استثنائية في أي مكان آخر، تحولت إلى برنامج يومي لملايين المدنيين بعد سنوات من الحرب والدمار والنزوح.

وفي أحدث إحاطة أممية، قيل إن 94% من سكان غزة، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، يحتاجون إلى المأوى والمساعدة المنزلية الأساسية، في وقت تستمر فيه الضربات وإطلاق النار داخل القطاع [1]. الرقم لا يصف نقصاً في مواد البناء فقط؛ إنه يصف واقعاً تتراجع فيه الحدود بين البيت والمخيم والمدرسة والعيادة، وتصبح الخصوصية والأمان والخدمات اليومية امتيازات نادرة.

المأوى: بيت بلا جدران وحياة بلا خصوصية

تشير الأونروا، نقلاً عن تقييم للأمم المتحدة عبر الأقمار الصناعية، إلى أن 82% من مباني غزة متضررة، أي أكثر من 200 ألف مبنى، وأن نحو ثلثي المباني المتضررة تُقدّر بأنها مدمرة [2]. وفي موازاة ذلك، يواصل معظم السكان العيش نازحين داخل القطاع، في مواقع مكتظة وظروف قاسية، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية [3].

حتى الملاجئ الجماعية لا تستوعب حجم الحاجة. فقد أفادت الأونروا بأن 114 ملجأ طوارئ جماعياً تابعاً لها كان يستضيف 65 ألف نازح في الفترة من 29 يوليو إلى 11 أغسطس 2026 [2]. أما خارج هذه المراكز، فتعيش عائلات كثيرة في خيام أو مبانٍ متضررة أو أماكن مؤقتة تفتقر إلى الإضاءة والصرف الصحي والمساحة الكافية.

المشكلة ليست في السقف وحده. فالاكتظاظ يلغي الخصوصية، ويجعل النوم متقطعاً، ويضاعف أخطار حماية الأطفال والنساء، بينما يجعل فقدان الوثائق والأمتعة والعمل عملية إعادة بناء الحياة شبه مستحيلة. وفي مثل هذا السياق، يصبح نقل الأسرة من موقع إلى آخر محاولة للبقاء لا انتقالاً عادياً من منزل إلى منزل.

الماء: رحلة يومية بين العطش والنظافة

أظهر مسح للمياه والصرف الصحي والنظافة، أُنجز في أوائل يوليو، أن 90% من السكان كانوا يواجهون انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة وموثوقة للشرب والطهي والنظافة، ارتفاعاً من 84% في يونيو [3]. وسجلت مدينة غزة 92%، وخان يونس 90%، ودير البلح 87% في مستوى انعدام أمن المياه المتوسط إلى المرتفع.

وتضيف اليونيسف أن أكثر من 70% من سكان القطاع كانوا يعتمدون على المياه المنقولة بالشاحنات حتى نهاية يونيو [4]. وهذا يعني أن الحصول على الماء يتوقف على توفر الوقود، وعمل الشاحنات، وإمكانية الوصول إلى الموقع، والقدرة على تحمل الكلفة، فضلاً عن الانتظار في طوابير طويلة.

في الحياة اليومية، يفرض شح المياه مفاعلات قاسية: هل تُحفظ الكمية للشرب أم للطهي؟ هل تُستخدم للنظافة أم لغسل ملابس الأطفال؟ ويؤدي ضعف الصرف الصحي وتراكم النفايات إلى رفع أخطار الأمراض، خصوصاً في مواقع النزوح المكتظة.

الغذاء والأسعار: سوق يعمل بقدرة محدودة

لا يعني تحسن بعض مؤشرات الأمن الغذائي انتهاء الأزمة. فقد قالت اليونيسف إن مسحاً غذائياً في يونيو أظهر انخفاضاً نسبياً في الهزال الحاد الشامل بين الأطفال دون الخامسة إلى 1.3%، لكنه أظهر في الوقت نفسه استمرار التقزم، وسوء جودة النظام الغذائي، وسوء تغذية الأمهات، وانتشار الأمراض، وهي عوامل تجعل الوضع هشاً وقابلاً للتدهور سريعاً إذا تعطلت المساعدات [4].

وفي الأسواق، لا تقاس الأزمة بتوفر السلعة فقط، بل بسعرها وقدرة الأسرة على شرائها. ووفق تقرير أوتشا الصادر في 14 أغسطس، ارتفع مؤشر الأسعار الاستهلاكية في غزة إلى 209% فوق مستوى ما قبل أكتوبر 2023 بينما بقيت رسوم سحب الأموال النقدية عند 7–8% [3]. وبذلك، تصبح المساعدة النقدية نفسها أقل قيمة، ويضطر السكان إلى تقليص نوعية الغذاء أو كميته أو تأجيل شراء الدواء.

الحياة في السوق لا تشبه عودة الاقتصاد إلى طبيعته. فالأونروا أفادت بأن تدفق السلع والمساعدات يواجه نقصاً في الوقود وقطع الغيار، وأن 95% من أسطول المياه والصرف الصحي التابع لها متدهور أو معطل [2]. ومع كل تعطل لشاحنة أو مولد أو محطة، تتسع المسافة بين وصول الإمداد واستفادة الأسرة منه.

الصحة: علاج الإصابات ومواجهة الأمراض في آن واحد

يعمل النظام الصحي تحت ضغط مزدوج: علاج الإصابات الجديدة، ورعاية الأمراض المزمنة، والولادات، وسوء التغذية، والأمراض الناتجة عن الاكتظاظ والمياه غير الآمنة. وتذكر اليونيسف أن 95% من المستشفيات تضررت أو دمرت، وأن أكثر من 18,500 مريض، بينهم نحو 4,000 طفل، يحتاجون إلى إجلاء طبي للحصول على رعاية غير متاحة داخل القطاع [4].

وحتى الوصول إلى الرعاية يحمل مخاطر. فقد سجلت منظمة الصحة العالمية 45 هجوماً أثّر على الرعاية الصحية في غزة بين 1 يناير و6 أغسطس 2026، وأسفرت تلك الوقائع، وفق ما أوردته الأونروا عن منظمة الصحة العالمية، عن 10 قتلى و44 مصاباً [2]. وأفاد أوتشا بأن عدداً من الحوادث وقع قرب عمليات الإجلاء الطبي، حيث تعرضت القوافل للتأخير أو التفتيش أو الإعاقة [3].

وتترك الحرب أثراً طويل الأمد بعد انتهاء لحظة الإصابة. يقدّر فريق إعادة التأهيل أن ربع المصابين منذ أكتوبر 2023 يعيشون بإصابات قد تغير حياتهم، مثل البتر وإصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضية. كما تشير المعطيات إلى أن الأطفال يمثلون 18% من حالات البتر و31% من إصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضية، مع غياب خدمات إعادة تأهيل متخصصة للأطفال داخل غزة [3].

الأطفال: تعليم مؤقت واحتياج نفسي دائم

لم يعد التعليم في غزة مجرد انتقال إلى مدرسة، بل محاولة لاستعادة الإيقاع الطبيعي للطفولة. أفادت اليونيسف بأن 658 ألف طفل في سن المدرسة يحتاجون إلى الوصول إلى التعليم، وأن 94.2% من الأطفال الذين جرى التشاور معهم فضلوا مباني مدرسية دائمة بدلاً من الخيام [4]. كما وصل أكثر من 265 ألف طفل إلى 173 مركز تعلم تدعم التعليم والدعم النفسي والإحالات المتخصصة.

وفي المقابل، لا تزال الحاجة النفسية هائلة. قالت اليونيسف إن قرابة تسعة من كل عشرة أطفال جرى التشاور معهم طلبوا دعماً نفسياً اجتماعياً، وإن 91.8% قالوا إنهم يعيشون في خوف من القصف [4]. هذه الأرقام تشرح لماذا لا يكفي فتح صف مؤقت؛ فالطفل يحتاج أيضاً إلى مكان آمن، ومعلم، وروتين، ورعاية نفسية، وحماية من العمل القسري أو التسرب أو الانفصال عن الأسرة.

وتحاول برامج التعلم المؤقتة سد جزء من الفراغ. فقد أفادت الأونروا بأن أنشطة التعلم الصيفية وصلت إلى 41,849 طفلاً بين 3 و9 أغسطس 2026 [2]. غير أن هذه المبادرات تظل استجابة طارئة لا بديلاً عن نظام تعليمي مستقر، ومدارس آمنة، وعودة طويلة الأمد إلى التعليم النظامي.

العمل والتنقل: اقتصاد يومي قائم على الانتظار

حين تُدمّر المنازل والأسواق ووسائل النقل، يفقد الناس أكثر من مصدر دخل؛ يفقدون إمكانية التخطيط. ويجعل النزوح المتكرر الوصول إلى العمل أو الاحتفاظ بأدوات المهنة أمراً صعباً، بينما يؤدي ارتفاع الأسعار ورسوم سحب النقد إلى تقليص القدرة الشرائية.

ويضيف تقييد الحركة ونقص الوقود بعداً آخر للأزمة. فالذهاب إلى نقطة ماء أو عيادة أو سوق قد يحتاج إلى وقت طويل، وقد يتعذر في لحظة بسبب الخطر أو الطريق أو تعطل وسيلة النقل. لذلك يمكن قراءة الحياة الاقتصادية في غزة بوصفها اقتصاداً لإدارة النقص: إعادة استخدام الأدوات، تقاسم الوقود، تبادل الخدمات، والاعتماد على شبكات العائلة والجيران.

ماذا تعني هذه الأرقام في حياة أسرة واحدة؟

تعني أن اليوم يبدأ غالباً بتدبير الماء، ثم البحث عن الطعام أو المساعدة، ثم محاولة الوصول إلى علاج أو تعليم، مع إبقاء احتمال النزوح أو الخطر حاضراً. وتعني أيضاً أن الضرر لا يتوزع بالتساوي: الطفل المصاب، والمرأة الحامل، وذو الإعاقة، والمريض المزمن، والأسرة التي فقدت معيلها، يواجهون طبقات إضافية من المخاطر.

لكن الأرقام لا ينبغي أن تلغي أصوات الناس. فالصحافة المسؤولة مطالبة بالجمع بين المؤشر الإحصائي وشهادة السكان، وبين صورة المكان ووثيقة المؤسسة، وبين نقل المعاناة وتجنب تحويلها إلى مشهد استهلاكي. وفي موضوع غزة تحديداً، يجب ذكر تاريخ كل رقم والجهة التي أصدرته، والتمييز بين الأرقام المُبلّغ عنها والأرقام التي خضعت للتحقق المستقل.

خلاصة تحريرية

الحياة اليومية في غزة ليست قصة نقص واحد، بل منظومة متداخلة من المأوى والماء والغذاء والصحة والتعليم والعمل والأمان النفسي. كلما تعطلت خدمة، تضاعف الضغط على الخدمات الأخرى: انقطاع الوقود يوقف ضخ المياه، وشح المياه يرفع المرض، والمرض يزيد الحاجة إلى مستشفى متضرر، والنزوح يقطع التعليم والعمل، وارتفاع الأسعار يجعل المساعدة أقل قدرة على حماية الأسرة.

ولهذا فإن أفضل معالجة صحفية لا تختزل غزة في أرقام الضحايا، ولا في صور الدمار فقط، بل تتابع كيف يعيد الناس ترتيب يومهم ساعة بساعة، وكيف تتحول الخدمات الأساسية إلى مفاوضة يومية مع الخطر والندرة والانتظار.

ملاحظة منهجية

الأرقام الخاصة بالضحايا منسوبة إلى وزارة الصحة في غزة كما نقلتها الأونروا أو وكالات الأمم المتحدة، وهي قابلة للمراجعة. كما أن الفترات الزمنية ليست واحدة بين التقارير؛ لذلك جرى إبقاء تاريخ كل رقم واضحاً وعدم دمج المؤشرات في إجمالي واحد غير قابل للمقارنة.

 

مراجع المقال

[1]: https://news.un.org/en/story/2026/08/1168180 — الأمم المتحدة، «الشرق الأوسط: 94% يحتاجون إلى مأوى في غزة»، 20 أغسطس 2026.

[2]: https://www.unrwa.org/resources/reports/unrwa-situation-report-232-humanitarian-crisis-gaza-strip-and-occupied-west-bank — الأونروا، التقرير رقم 232، 12 أغسطس 2026.

[3]: https://www.ochaopt.org/content/humanitarian-situation-report-14-august-2026 — مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تقرير الوضع الإنساني، 14 أغسطس 2026.

[4]: https://www.unicef.org/sop/media/6791/file/UNICEF%20State%20of%20Palestine%20%20Humanitarian%20Situation%20Report%20No.%2048%20-%2030%20June%202026.pdf.pdf — اليونيسف، التقرير الإنساني رقم 48، فترة الرصد يناير–يونيو 2026، منشور 8 أغسطس 2026.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment