جمال دملج *
قبل أربعة أيام فقط من الانفجار الذي هزّ مقر الأمم المتحدة في بغداد في التاسع عشر من أغسطس/آب 2003، كنتُ أقف قبالة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، سيرجيو فييرا دي ميللو، لإجراء مقابلة تلفزيونية معه لصالح "قناة العربية". لم يكن في ملامحه ما يوحي بأنه يعيش أيامه الأخيرة. كان يتحدث بهدوء الدبلوماسي الذي خبر مناطق النزاعات في أكثر من قارة، وبثقة رجلٍ جاء إلى العراق وهو يؤمن بأنّ الأمم المتحدة لا تزال قادرة على أداء دور يجمعُ ولا يفرّق، ويعيد بناء ما هدمته الحروب.
قبل أيامٍ، مرّت الذكرى السنوية الثالثة والعشرين على اغتياله، فتذكرتُ أنه في ذلك اللقاء، لم يشغل نفسه بالحديث عن المخاطر الأمنية، ولا عن تفاصيل حياته الشخصية، بل تحدث عن قضية بدت، في نظره، أكثر أهمية من أي شيء آخر: مكانة الأمم المتحدة في عراق ما بعد الحرب.
قال لي، بما معناه، إنّ المنظمة الدولية ليست مرتاحة إلى تهميش دورها في العراق، وإنها ترى أنّ إعادة بناء البلاد تحتاج إلى شرعية دولية تتجاوز منطق القوة وحده.
لم أكن أعلم، وأنا أغادر ذلك اللقاء، أنّ هذه الكلمات ستصبح، بعد أيام قليلة، أشبه بوصيةٍ سياسية لرجل سيُغتال معه، في نظر كثيرين، آخر صوت أممي حاول أن يكون شريكًا في رسم مستقبل العراق.
الرجل الذي لم يكن يتحدث عن نفسه
لم تكن تلك المرة الأولى التي ألتقي فيها سيرجيو فييرا دي ميللو. كنتُ قد التقيته قبل ذلك بأربع سنوات، في بلغراد عام 1999، خلال حرب كوسوفو، حين كان يشغل منصب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في البلقان. يومها، لفتني ذلك المزيج النادر بين الدبلوماسي المحترف والإنسان الذي يصغي أكثر مما يتكلم.
وعندما التقيته مجددًا في بغداد، بعد سقوط نظام صدام حسين، وجدته كما عرفته في بلغراد: هادئًا، متزنًا، بعيدًا عن اللغة الاستعراضية التي كثيرًا ما ترافق الشخصيات الدولية.
لم يكن يتحدث بوصفه ممثلًا لمؤسسة بيروقراطية، بل بوصفه رجلًا يؤمن بأنّ الأمم المتحدة لا تستطيع أن تؤدي دورها إلا إذا بقيت قادرة على مخاطبة جميع الأطراف، والاحتفاظ بمسافة واحدة من الجميع. ولذلك، لم يكن مستغربًا أن يعبّر، خلال حديثنا، عن انزعاجه من تراجع الدور الأممي في العراق، في مرحلة كانت الولايات المتحدة تدير فيها المشهد السياسي والأمني بصورة شبه كاملة بعد إسقاط النظام العراقي.
لم تكن ملاحظته احتجاجًا سياسيًا بقدر ما كانت تعبيرًا عن قناعة مهنية راسخة: أنّ إعادة بناء الدول الخارجة من الحروب لا يمكن أن تستند إلى القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى شرعية دولية، وإلى مؤسسات تحظى بثقة الشعوب قبل ثقة الحكومات.
أربعة أيام غيّرت كل شيء
بعد أربعة أيام فقط من ذلك اللقاء، كنتُ أتابع الأخبار حين ورد النبأ الذي بدا، في لحظته الأولى، عصيًا على التصديق: انفجار ضخم استهدف مقر الأمم المتحدة في "فندق القناة" ببغداد، وسيرجيو فييرا دي ميللو كان بين الضحايا.
لم يكن اغتياله مجرد خسارة لشخصية دولية بارزة، بل شكّل نقطة تحول في طبيعة الحضور الأممي داخل العراق. فبعد ذلك اليوم، لم تعد الأمم المتحدة تعمل بالزخم نفسه، ولا بالقدرة ذاتها على الانخراط المباشر في تفاصيل المرحلة الانتقالية. ورأى كثيرون في ذلك الانفجار رسالة تتجاوز الشخص المستهدف، لتصيب فكرة المشاركة الدولية نفسها في إدارة عراق ما بعد الحرب.
ومنذ تلك اللحظة، بدا وكأنّ مساحة العمل الأممي أخذت تنكمش، فيما أخذت الحسابات الأمنية تطغى على كل ما عداها، لتدخل البلاد تدريجيًا في سنوات طويلة من العنف والانقسام وعدم الاستقرار.
عندما تصبح الذاكرة وثيقة
تمرّ الأعوام، وتتراجع تفاصيل كثيرة إلى الظل. لكن بعض المشاهد يرفض أن يغادر الذاكرة. ليس لأنه كان استثنائيًا في لحظته، بل لأنّ الزمن كشف لاحقًا معناه الحقيقي.
وهكذا أصبحت تلك المقابلة، بالنسبة إليّ، أكثر من مادة صحفية أُنجزت لصالح "قناة العربية"... أصبحت شاهدًا على آخر حوار أجريته مع رجل كان يؤمن بأنّ الأمم المتحدة تستطيع أن تكون جسرًا بين الشعوب، قبل أن يطوي الانفجار حياته، ويترك خلفه سؤالًا ما زال مطروحًا حتى اليوم: هل كان اغتيال سيرجيو فييرا دي ميللو اغتيالًا لشخص، أم اغتيالًا لفكرة أنّ الشرعية الدولية تستطيع أن تؤدي دورًا مستقلًا في عراق ما بعد الحرب؟
الصورة التي بقيت
بعد ثلاثة وعشرين عامًا، ما زلتُ أحتفظ بتلك الصورة. أنظر إليها أحيانًا، فلا أرى فيها صحفيًا يجري مقابلة مع مسؤول دولي، بل أرى لحظة إنسانية توقفت عندها عقارب الزمن قبل أن تمضي في طريقها إلى واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في تاريخ العراق الحديث.
وحين أنظر إليها اليوم، أتذكر أيضًا أنني كنت أقف أمامه من دون نظارتي الطبية التي سُرقت قبل أيام في "فندق الكرمة" ببغداد، وكأنّ المدينة التي كانت تفقد أمنها ومؤسساتها كانت تترك بصمتها حتى على التفاصيل الصغيرة في حياة من مرّوا بها.
لم أكن أعلم، وأنا أودعه بعد انتهاء المقابلة، أنّ بيننا وبين الانفجار أربعة أيام فقط. ولم يكن هو يعلم، على الأرجح، أنّ الكلمات التي قالها عن ضرورة أن يبقى للأمم المتحدة دورها المستقل في العراق ستتحول، بعد رحيله، إلى سؤال مفتوح ما زال العالم يبحث عن إجابته.
كثيرون يتذكرون سيرجيو فييرا دي ميللو بوصفه أحد كبار الدبلوماسيين في الأمم المتحدة. أما أنا، فأتذكره أولًا كرجل هادئ، يصغي قبل أن يتكلم، ويعامل من يجلس أمامه باحترام لا يحتاج إلى استعراض.
وأتذكره أيضًا وهو يغادر مكان المقابلة بخطوات واثقة، من دون أن يخطر في بال أحد منا أنّ تلك الخطوات كانت تمضي به نحو موعده الأخير.
لهذا، كلما عدتُ إلى تلك الصورة، لا أشعر أنني أستعيد ذكرى مقابلة صحفية فحسب، بل أستعيد إيمان جيل كامل من الصحفيين بأنّ الحوار يمكن أن يسبق الرصاص، وأنّ الكلمة قد تفتح بابًا تعجز المدافع عن فتحه.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يكن اغتيال سيرجيو فييرا دي ميللو خسارة للأمم المتحدة وحدها، ولا للعراق وحده، بل كان خسارة لكل من آمن، في زمن الحروب، بأنّ الشرعية الدولية والحوار ما زالا قادرين على منح الشعوب فرصة أخرى للحياة.
* إعلامي وكاتب لبناني











08/21/2026 - 15:50 PM





Comments