الصحافي جاد صليبا *
وُقّعَ اتّفاقُ مكّة للدّفاع المشترك بين السعوديّة وتركيا وباكستان في لحظةٍ تشهد فيها المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود، بعد أشهر من الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران، وما رافقها من استهداف للمصالح والمنشآت في دول الخليج، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع المخاوف من انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة.
وفي هذا المشهد، يُصبح البحث عن ترتيبات أمنيّة إقليميّة أكثر استقلالًا مسألة مرتبطة بإعادة تعريف موازين القوة نفسها. غير أنّ المعادلة التي تشكّلت في مكّة تظلّ ناقصةً من دون الإمارات العربيّة المتّحدة.
فالإمارات تحوَّلت في خلال العقد الأخير إلى لاعب إقليميّ يمتلك أدوات تأثير تتجاوز حجمها الجغرافيّ والديموغرافيّ، ذلك أنّ ثقلها الماليّ والاستثماريّ، وقدراتها الدبلوماسيّة، وشبكة علاقاتها مع واشنطن وبكين ونيودلهي وأنقرة وموسكو، إضافة إلى حضورها في الخليج والبحر الأحمر والقرن الإفريقيّ وشمال إفريقيا، تجعلها طرفًا يصعب تجاوزه عند التفكير في أيّ منظومة أمنيّة جديدة.
وتزداد أهمّية أبوظبي في ظلّ الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران. فالإمارات تجد نفسها في موقع بالغ الحساسيّة: هي ترتبط بشراكة أمنيّة عميقة مع الولايات المتحدة، وتحتفظ بعلاقات دبلوماسيّة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تقع جغرافيًا واقتصاديًا في قلب تداعيات المواجهة مع إيران.
هذه الجغرافيا تمنح الإمارات دورًا يتجاوز مفهوم الحماية الخليجيّة التقليديّة. فأمن الخليج يرتبط بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وأمن الممرّات البحريّة يرتبط بدوره باستقرار القرن الإفريقيّ. والإمارات بَنَت في خلال السنوات الماضية حضورًا اقتصاديًا ولوجستيًا وسياسيًا في هذه المساحات، ما جعلها لاعبًا مؤثّرًا في أحد أهمّ الأحزمة البحريّة التي تصل الخليج بالمحيط الهنديّ والبحر المتوسّط.
ومن هنا يُمكن فهم القيمة المحتملة لإدخال الإمارات في الإطار الذي بدأ في مكّة. فالسعوديّة تمتلك الثقل العربيّ والخليجيّ ومكانة دينيّة وسياسيّة استثنائيّة، وتركيا تضيف وزنًا عسكريًا وجغرافيًا يصل الشرق الأوسط بأوروبا، وباكستان تضيف عمقًا آسيويًا وثقلًا عسكريًا، بينما تمنح الإماراتُ المنظومةَ شبكةً واسعة من العلاقات الاقتصاديّة والسياسيّة وحضورًا متقدّمًا في الممرّات البحريّة.
الأمر يَتّصلُ كذلك بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة. فالاتّفاقُ الجديد يعكس رغبة متزايدة لدى دول المنطقة في امتلاك قدرة أكبر على إدارة أمنها، في وقت تتراجع الثقة المطلقة بالاعتماد على المظلة الأميركيّة وحدها. وفي هذه المعادلة، تستطيع الإمارات أن تؤدّي دورًا واصلًا بين الترتيبات الخليجيّة التقليديّة والشراكات الدوليّة، بما يمنع نشوء منظومة أمنيّة مغلقة ويُعزّز فكرة الأمن الجماعيّ المرن.
لذلك، فإنّ مشاركة الإمارات في أيّ توسعة مستقبليّة لاتفاق مكّة ستكون ذات قيمة استراتيجيّة حقيقيّة. فالقضيّة تتجاوز إضافة توقيع جديد إلى الاتفاق، وتتعلّق بإدخال واحدة من أكثر الدول العربيّة قدرة على الحركة بين القوى الدوليّة والإقليميّة إلى بنية أمنيّة تتشكّل في أكثر لحظات المنطقة حساسيّةً. وإذا كان اتفاق مكّة يُمثّل محاولة لبناء مظلّة إقليميّة جديدة، فإنّ الإمارات تملك من النفوذ والجغرافيا والعلاقات ما يجعل حضورها عنصرًا أساسيًا في تحويل هذه المظلّة من إعلانٍ سياسيّ إلى إطار أوسع للأمن والاستقرار الإقليميَّين.
* صحافي مستقل مهتم بالشأن العربي والدولي
عضو نقابة محرري الصحافة اللبنانية











08/21/2026 - 15:32 PM





Comments