حين يُنتِجُ الوهمُ مُنقذًا

08/16/2026 - 18:37 PM

Arab American Target

 

 

مفيد خطَّار 

ليس كلُّ مَن يظهر في لحظة الخوف منقذًا، وليس كلُّ مَن يرفع صوته في زمن الضياع يعرف الطريق.

فالوهم، حين يشتدّ، يبحث لنفسه عن وجهٍ يعلّق عليه آماله. يصنع من شخصٍ عاديٍّ منقذًا، ومن موقفٍ عابرٍ رسالةً، ومن القدرة على الصراخ قدرةً على الخلاص. وهكذا لا يعود الناس يرون الإنسان كما هو، بل كما يريد خوفهم أن يراه.

المنقذ الحقيقي لا يحتاج إلى أن يصنع حول نفسه هالةً من القداسة، ولا إلى أن يقنع الناس بأن مصيرهم متوقف عليه. فهو يعرف أن الإنسان لا يُخلَّص بإلغاء إرادته، ولا بتحويله إلى تابعٍ ينتظر الأوامر، بل بإعادته إلى نفسه، وإلى حريته، وإلى مسؤوليته.

أما المنقذ الذي ينتجه الوهم، فيحتاج دائمًا إلى أتباعٍ يؤمنون به أكثر مما يؤمنون بأنفسهم. قوته لا تأتي من الحقيقة، بل من حاجة الآخرين إليه. وكلما ازداد الخوف، ازداد لمعانه؛ وكلما ضعفت القدرة على السؤال، ازداد حضوره.

وهنا تكمن المفارقة:

قد يبدأ الرجل منقذًا في عيون الناس، ثم يتحول إلى سجينٍ للصورة التي صنعوها له. يصبح مطالبًا بأن يبقى قويًّا دائمًا، مصيبًا دائمًا، منتصرًا دائمًا. فإذا أخطأ، بحثوا له عن عذر، وإذا فشل، اتهموا الحقيقة، وإذا سقط، بحثوا عن وهمٍ جديد يبرر سقوطه.

لكن المنقذ الحقيقي يعرف أنه ليس منقذًا مطلقًا.

هو إنسان. يخطئ، ويتعب، ويتردد، ويحتاج إلى مَن ينقذه أحيانًا من نفسه.

ولذلك لا يقول للناس: «اتبعوني»، بل يقول لهم: «افتحوا أعينكم». لا يطلب منهم أن يضعوا مصيرهم بين يديه، بل يدعوهم إلى أن يتحملوا مسؤولية مصيرهم بأنفسهم.

فالخطر ليس في وجود من يساعدنا، بل في أن نبحث عن شخصٍ يلغي مسؤوليتنا. وحين نعجز عن حمل مسؤولية حريتنا، يصبح الوهم أكثر إغراءً من الحقيقة؛ لأن الوهم يريحنا من السؤال، بينما الحقيقة تُحمّلنا المسؤولية.

لذلك، قد يكون أخطر أنواع المنقذين هو ذلك الذي يأتي في اللحظة التي نكون فيها مستعدين للتخلي عن حريتنا مقابل الأمان.

هناك، يبدأ الوهم. وهناك، يولد المنقذ المزيّف. أما المنقذ الحقيقي، فلا يأتي ليأخذ مكانك، بل ليعيدك إلى مكانك.

لا يأتي ليعيش حياتك بدلًا منك، بل ليوقظ فيك القدرة على أن تعيشها. ولا يأتي ليكون أنت، بل ليذكّرك بأنك أنت.

لأن الإنسان الذي يحتاج دائمًا إلى منقذٍ خارجي، قد لا يكون قد وجد خلاصه بعد؛ أما الإنسان الذي اكتشف مسؤوليته وحريته، فقد بدأ بالفعل طريق الخلاص.

فليس كلُّ مَن أنقذَك من الخوف قد أنقذك من الوهم؛ فقد يكون المنقذ الحقيقي هو مَن أنقذك من حاجتك إلى المنقذ.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment