كتبت الدكتورة علياء إبراهيم محمود
في صباحاتٍ مضى عليها أكثر من نصف قرنٍ، حين كان الزمن ينساب بهدوءٍ على إيقاع البساطة، كان للصوت سحرٌ وأثرٌ لا يُمحى؛ لا في روحي وقلبي وحدي، بل في وجدان أجيالٍ كاملة تربّت على صوت "الراديو". وما كان لهذا الصندوق الخشبي إلا سحرٌ آسر، حين كانت تنبعث منه نبراتٌ تتجاوز مسامع الأذن لتتغلغل في أعماق الروح.
في تلك الصباحات، وبينما تتسلل أشعة الشمس الدافئة إلى غرفنا، كنا نلتف حول المذياع؛ لا لنقضي وقتاً عابراً، بل لنفتح ذراعَينا للوقت نفسه، يملؤنا بالدهشة، ويغذي خيال أطفالٍ كانوا يترقبون دقات الساعة بلهفةٍ وشغف، حتى يملأ الأرجاءَ صوتُ امرأةٍ لا نعرف ملامح وجهها، لكننا نحفظ دفء حضورها حين تجمعنا حول برنامجها الخالد: "غنوة وحدوتة".. ومن هنا، كانت تنطلق رحلتنا اليومية إلى عوالم لا حدود لها.
كانت صاحبة ذلك الصوت هي فضيلة توفيق أو "أبلة فضيلة".
ولم تكن "الأبلة" مجرد صوت إذاعي عابر؛ بل كانت، كما أرادت لنفسها بوعيٍ وحب، الأخت الكبرى.. فكلمة "أبلة" في أصلها تعني الأخت الكبرى التي ترعى، وتحنّ، وتُعلّم. اختارت هذا الدور بمسؤوليةٍ تربوية عميقة، فاحتضنت أجيالاً برنين صوتها، وروت خيالهم دون أن تُعلّق لافتةً للوعظ المباشر.
لم يكن "غنوة وحدوتة" مجرد برنامج أطفالٍ صباحي، بل كان ظاهرةً تربويةً فريدة، وأرضاً خصبة للنمو اللغوي والوجداني والنفسي للطفل. تجاوز صداه حدود مصر إلى قلوب أطفال الوطن العربي بأكمله، في زمنٍ كانت فيه الإذاعة المصرية هي المنبر الأول، وكانت لهجتها جسراً موسيقياً مألوفاً يعبر الحدود دون تأشيرة أو جواز سفر. كنا حينها أطفالاً لم ندرك بعد الفاصل بين الحقيقة والخيال؛ نفتح قلوبنا للدنيا ببراءة، ونصدق الحدوتة من أول كلمة.
وكانت أبلة فضيلة تخاطب كل واحدٍ منا بمفرده: تحكي وتصمت، وتبتسم؛ تجسد بصوتها نصوصاً نسجها كبار الكُتّاب—مثل عبد التواب يوسف ونادر أبو الفتوح وغيرهما—فتبعث الحياة في الكلمات.
حرص هؤلاء الكُتّاب الرواد على نسج منظومة قِيَمية بالغة الرقي؛ لم تكن تدور حول الأوامر والنواهي، بل ركّزت على غرس عزّة النفس، والأمانة، وإتقان العمل، وقيمة الكلمة والوفاء بالعهد، والشجاعة الأدبية في الاعتراف بالخطأ، ونبذ الطمع والأنانية، والانتصار للحق، مع إشعال حب القراءة وعمارة الأرض، والاعتزاز بالوطن وبالهوية. ولم تكن هذه القيم تُلقن بقوالب جافة، بل كنا نعيشها عبر الحدوتة؛ نتوحد مع أبطالها، ونحب الصدق لشجاعة صاحبه، وننفر من الأنانية لخذلان صاحبها، فتسربت الفضائل إلى أرواحنا بسلاسة، كأنها جزءٌ أصيل من فطرتنا وتكويننا.
وهنا بالذات تتجلى عبقرية الحكاية المسموعة التي تؤكدها اليوم أبحاث علم الأعصاب ونمو الطفل: فالاستماع المجرد للصوت يستفز دماغ الطفل ليخلق صوره الذهنية الخاصة عبر ما يُعرف بـ (عين العقل)، فيرسم ملامح الشخصيات والبيوت والألوان بحرية كاملة، وهو ما يبني شبكات عصبية معقدة تعزز التفكير الإبداعي ومرونة التخيل. في المقابل، فإن فرض الصورة البصرية الجاهزة عبر الشاشات يُعطل هذه الحركة الذهنية الخلّاقة، ويضع عقل الصغير في قالب مقيد. لقد كان الراديو يعطينا الكلمة والنغمة، ويترك لأرواحنا أن تبني عوالمها الخاصة دون وصاية بصرية.
ولم تكتفِ أبلة فضيلة بتنمية الخيال وبناء الوجدان عبر الحدوتة، بل فتحت أبواب الاستوديو للأطفال ليجلسوا وجهاً لوجه أمام قامات مصر والعالم العربي ورموزه الكبرى؛ من أديب نوبل نجيب محفوظ، وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، إلى الشاعر كامل الشناوي، والكاتب أنيس منصور، والعالم د. مصطفى محمود، ورائد الفضاء د. فاروق الباز، وغيرهم من بناة الفكر والفن والعلم؛ فلم تحصر مفهوم "النجومية" في بريق الفن وحده، بل سمحت للطفل أن يرى في العالم والأديب والمفكر قدوةً حقيقية تستحق الإلهام والاقتداء.
كان المشهد عبقرياً في بساطته وعمقه: أطفال صغار يطرحون أسئلتهم العفوية الخالصة على هؤلاء العمالقة، فيستمع الكبار بكل تواضع وحب، ويجيبون بلسانٍ يخاطب مدارك الطفل؛ لغرس القدوة الحية في وجدان النشء مبكراً.
ولا أنسى أبداً تلك اللحظة الاستثنائية التي جمعتني بها في ممرات مبنى ماسبيرو—ربما قبل اعتزالها بقليل—حين اقتربتُ منها لأقول بملء قلبي: "حضرتك هرم مصري عظيم". فرأيتُ دموعها تترقرق في عينيها؛ دموع امتنان ونقاء لإنسانة أخلصت لرسالتها حتى النبض الأخير. وتكرر هذا المشهد الوجداني حين استمعتُ إليها ضيفةً على إذاعة الشارقة؛ كانت الاتصالات تتدفق من مختلف الجنسيات واللهجات العربية، واعترافاتهم الصادقة تتوحد في جملة واحدة: "نحن تربينا على صوتكِ يا أبلة فضيلة".
فهل كان ذلك أدب أطفالٍ بالمعنى الأكاديمي الدقيق؟ ربما لم يُؤطر بتلك المصطلحات حينها، لكنه كان أدباً متجاوزاً لعصره، يرسخ أرقى مفاهيم الاتصال الإنساني؛ محتوى شديد العمق، وُصل إلينا عبر الراديو—ذلك الوسيط المبهر في عصره—لكنه كان بالغ الأثر والتأثير.
اليوم، ونحن نكتب القصص لجيلٍ رقمي جديد، أو نصنع المحتوى المسموع والمرئي، أو نبتكر الأنشطة التفاعلية عبر القصة، قد نظن خطأً أننا بحاجةٍ إلى أدواتٍ معقدة وتقنيات مفرطة لنلفت انتباه الطفل. لكن التجربة والحقيقة تؤكدان أننا نحتاج أولاً وأخيراً إلى السر الذي امتلكه الرواد: بابا شارو، وأبلة فضيلة، وسناء منصور، وعمو حسن،وماما نجوى.. إنه الصدق. أن تحكي للطفل بقلب المحبّ الواعي لاكتشافاته واحتياجاته، وأن نثق في خياله دون أن نأسره داخل صور نمطية معلبة؛ فالكلمة الصادقة والنبرة المخلصة تظلان دوماً أبقى وأقوى من أي شاشةٍ براقة أو منهجٍ جاف.
قد يسألني القارئ ونحن نتأمل هذا الإرث الجميل: "في ظل هيمنة الشاشات وسيادة الصورة السريعة، هل لا يزال الصوت والكلمة قادرين على تشكيل وجدان الطفل في عالمنا الصاخب؟"
أجيب بكل تجرد ومحبة: لست أملك يقيناً مطلقاً حول شكل التحديات، لكنني أؤمن إيماناً راسخاً بأن بذرة الصدق التي زرعها كبار الأدباء عبر صوت أبلة فضيلة—الذين وإن غابوا عنا، فبصمتهم حية في الوجدان—قادرةٌ دوماً على الحياة، ما دامت هناك قلوبٌ تكتب وتحكي للأطفال بحب.
في هذه اللحظة بالذات، أشعر بتلك الطفلة في داخلي، ما زالت تطرب لصدى ذلك الصوت الدافئ، وتبتسم بامتنانٍ عميق كلما ترددت في مسمعها تلك الأغنية الخالدة، التي كتبها المبدع صلاح جاهين، ولحنها العبقري سيد مكاوي:
"يا ولاد يا ولاد. تعالوا تعالوا..
علشان نسمع أبلة فضيلة..
راح تحكي لنا حكاية جميلة..
وتسلّينا وتُهنينا..
وتسمّعنا كمان أسامينا..
أبلة.. أبلة فضيلة.."
تلك الأغنية، ببساطتها العذبة ولحنها المحفور في الذاكرة، كانت وما زالت بوابة العبور إلى عالم الجمال والتربية الراقية؛ العالم الذي أهدتنا إياه أبلة فضيلة -رحمها الله-، والتي كنا ننتظر معها ختام كل رحلة لنردد خلفها بابتسامة طفولية مطمئنة: "وتوتة توتة.. خلصت الحدوتة."










08/19/2026 - 23:01 PM





Comments