الجنوب أمام مفترق خطير.. إسرائيل تصعّد بعد مقتل جنديين و"علي الطاهر" في صلب الاتصالات

08/14/2026 - 08:16 AM

Your Ad Here

 

 

 


الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف بنى عسكرية لـ"حزب الله".. و"روما 3" أمام اختبار التلال والتهدئة

 

الجنوب اللبناني - بيروت تايمز - منى حسن

دخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة من التصعيد الميداني والسياسي، مع عودة العمليات الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة عقب مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة أربعة آخرين في انفجار وقع خلال نشاط عسكري في محيط بلدة مجدل زون في قضاء صور.

وبحسب ما أعلنه الجيش الإسرائيلي، فإن الغارات التي أعقبت الحادثة استهدفت مواقع قال إنها تابعة لـ"حزب الله"، بينها مستودعات لوسائل قتالية ومقر قيادة وبنى تحتية عسكرية. وأفادت تقارير إعلامية بأن القصف طال عدداً من البلدات الجنوبية، وسط سقوط إصابات وحركة نزوح من بعض المناطق باتجاه مدينة صور.

ويأتي هذا التصعيد في وقت بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع استمرار المسار الدبلوماسي الهادف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ التفاهمات التي يفترض أن تقود إلى انسحاب إسرائيلي وانتشار أوسع للجيش اللبناني في الجنوب.
وبذلك، تبدو الساحة الجنوبية أمام معادلة دقيقة: الميدان يضغط باتجاه التصعيد، فيما تحاول الاتصالات السياسية إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.

مجدل زون تعيد خلط الأوراق

حادثة مجدل زون شكّلت نقطة تحول في المشهد الميداني، باعتبارها من أكثر الحوادث دموية بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي منذ بدء الهدوء النسبي الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار.

وأفاد الجيش الإسرائيلي بمقتل جنديين وإصابة أربعة آخرين بجروح خطيرة في الانفجار، فيما أشارت تقارير إلى أن الحادث وقع أثناء دخول قوة إسرائيلية إلى المنطقة وتنفيذها نشاطاً عسكرياً.

وفي أعقاب الحادثة، جاء الرد الإسرائيلي سريعاً عبر سلسلة غارات على مناطق جنوبية، في مؤشر إلى أن إسرائيل تتعامل مع الحادثة باعتبارها اختباراً جديداً لقواعد الهدوء القائمة.

ولا تقتصر أهمية مجدل زون على موقعها الجغرافي القريب من منطقة العمليات العسكرية، إذ سبق أن أعلن الجيش الإسرائيلي في حزيران العثور على بنى تحتية وأنفاق قال إنها تابعة لـ"حزب الله" في محيط البلدة، ما يجعل المنطقة واحدة من النقاط التي تبرر إسرائيل استمرار عملياتها العسكرية جنوباً.

"علي الطاهر".. العقدة التي تتجاوز حدود التلة

في موازاة التصعيد العسكري، تعود مرتفعات علي الطاهر في قضاء النبطية إلى واجهة المشهد، بعدما تحولت خلال الأسابيع الماضية إلى إحدى أكثر النقاط حساسية في النقاش المتعلق بالانتشار العسكري وترتيبات المرحلة المقبلة.

وتكتسب المرتفعات أهميتها من موقعها الاستراتيجي المشرف على مساحات واسعة من منطقة النبطية وإقليم التفاح، الأمر الذي يجعل وضعها العسكري مرتبطاً مباشرة بمعادلة السيطرة على الأرض جنوباً.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في 26 حزيران أنه فرض "سيطرة كاملة" على مرتفعات علي الطاهر، فيما نفى "حزب الله" ذلك، مؤكداً أن قوات إسرائيلية لم تتمركز فيها. وأظهرت التغطيات التي واكبت التطور أن الرواية حول طبيعة السيطرة الميدانية بقيت موضع خلاف بين الأطراف. لكن أهمية "علي الطاهر" لا تتوقف عند مسألة السيطرة العسكرية المباشرة، إذ باتت التلة مرتبطة بشكل وثيق بالنقاش حول من ينتشر وأين وكيف، في إطار أي ترتيبات جديدة للجنوب.

من "منطقة استراتيجية" إلى ورقة تفاوض

المعلومات المتداولة في أوساط سياسية ومواكبة للاتصالات تفيد بأن ملف المرتفعات بات جزءاً من النقاش حول المناطق التي يمكن إدخالها ضمن آلية "المناطق التجريبية"، وهي المناطق التي يفترض أن تشكل اختباراً عملياً لمدى قدرة الأطراف على تنفيذ التفاهمات على الأرض.

وكانت جولات التفاوض في روما قد تناولت آليات تطبيق اتفاق الإطار، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وترتيبات المناطق التجريبية. وبحسب تقارير عن المسار التفاوضي، يطالب لبنان بأن يكون الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش جزءاً من عملية متزامنة، فيما تركز إسرائيل على إزالة ما تعتبره بنى عسكرية لـ"حزب الله". وهنا تحديداً تكمن العقدة: هل تُسلّم المرتفعات إلى الجيش اللبناني ضمن ترتيبات متفق عليها، أم تُعالج أولاً من الجانب الإسرائيلي باعتبارها موقعاً أمنياً حساساً؟

خلاف على الأولويات

المعادلة اللبنانية تقوم، وفق المعطيات السياسية المتداولة، على أن انتشار الجيش يجب أن يكون مدخلاً إلى تثبيت سلطة الدولة وضمان الهدوء، بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من المواقع التي لا يزال يحتفظ بها. أما الجانب الإسرائيلي فيطرح أولوية مختلفة، تتمثل في معالجة المواقع والبنى التي يعتبرها تهديداً لأمن مستوطناته الشمالية، وعدم الاكتفاء بانتشار الجيش في محيط تلك المواقع.

ومن هنا، فإن "علي الطاهر" تختصر جوهر الخلاف: لبنان يريد تحويل الموقع من نقطة صراع إلى نقطة انتشار للدولة، بينما تريد إسرائيل ضمان عدم عودة أي بنية عسكرية تعتبرها تهديداً قبل تثبيت أي ترتيبات نهائية.

"روما 3" أمام الاختبار الأصعب

ومع استمرار الاتصالات، تتجه الأنظار إلى الجولة المقبلة من المفاوضات، التي يُتداول أن تكون في روما، والتي باتت توصف في الأوساط السياسية بـ"روما 3". وتأتي هذه الجولة في ظروف أكثر تعقيداً من سابقاتها، إذ لم يعد البحث مقتصراً على المبادئ العامة لوقف إطلاق النار، بل انتقل إلى تفاصيل ميدانية شديدة الحساسية، من بينها المواقع التي سيُنتشر فيها الجيش، وآلية الانسحاب الإسرائيلي، ومستوى التحقق من التنفيذ.

وكانت جولات روما السابقة قد بحثت تطبيق اتفاق الإطار، فيما أدت التطورات الميدانية الأخيرة إلى زيادة الضغوط على المسار الدبلوماسي. وأفادت رويترز بأن التصعيد الأخير وقع بالتزامن مع استمرار المحادثات في روما، ما جعل حادثة مجدل زون اختباراً مباشراً لقدرة المفاوضين على منع انهيار المسار السياسي.

الجنوب بين "المناطق التجريبية" والانتشار الكامل

وتبرز في هذا السياق بلدات ومناطق عدة كاختبار للمرحلة المقبلة، من بينها زوطر الغربية وفرون وصريفا، إلى جانب النقاش حول مناطق أخرى يمكن أن تشكل نموذجاً للانتشار التدريجي للجيش. وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تسمح، نظرياً، باختبار الترتيبات على الأرض قبل الانتقال إلى مراحل أوسع، إلا أن نجاحها يحتاج إلى شرط أساسي: وقف التصعيد بالتوازي مع تنفيذ الانسحاب والانتشار.

أما استمرار الغارات والعمليات العسكرية، فيجعل أي انتشار للجيش أكثر صعوبة، خصوصاً إذا وجد نفسه مطالباً بتثبيت الأمن في مناطق لا تزال عرضة للعمليات الإسرائيلية.

إسرائيل تضغط بالميدان

التطورات الأخيرة تظهر أن إسرائيل لا تزال تستخدم القوة العسكرية كوسيلة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي. وقد شهد جنوب لبنان في الأيام الأخيرة سلسلة غارات وقصفاً استهدف مناطق عدة، بينها البرج الشمالي والمنصوري ومحيط مجدل زون، مع تسجيل إصابات وحركة نزوح.

كما سبق أن استُهدف محيط مرتفعات علي الطاهر بالقصف، ما يعكس استمرار حضور الموقع ضمن بنك الأهداف الإسرائيلية في الجنوب. وبالتالي، فإن أي تصعيد جديد حول "علي الطاهر" قد لا يبقى محصوراً في نطاق التلة، بل يمكن أن يمتد إلى محيط النبطية وإقليم التفاح، خصوصاً إذا فشلت الاتصالات في التوصل إلى صيغة واضحة بشأن مستقبل الموقع.

واشنطن أمام مهمة صعبة

في المقابل، تبدو الوساطة الأميركية أمام مهمة دقيقة: منع انهيار التفاهمات من جهة، والحفاظ على مسار يتيح للجيش اللبناني توسيع انتشاره من جهة أخرى. وتحتاج واشنطن إلى تضييق الفجوة بين مطلب إسرائيلي يتعلق بإزالة البنية العسكرية لـ"حزب الله"، ومطلب لبناني يقوم على تثبيت وقف النار وانسحاب إسرائيل وترك الجيش يتولى مسؤولية الانتشار. وكلما طال أمد العمليات العسكرية، أصبحت مهمة الوسطاء أكثر صعوبة، لأن التطورات الميدانية قد تفرض وقائع جديدة قبل أن يتمكن المفاوضون من تثبيت أي اتفاق.

مخاوف من اتساع دائرة النار

المخاوف اللبنانية لا تقتصر على الجنوب وحده، إذ إن استمرار التصعيد يطرح سؤالاً حول قدرة الأطراف على إبقاء المواجهة ضمن نطاق جغرافي محدود. فالضربات الإسرائيلية المتواصلة، في مقابل هشاشة الهدوء، قد تؤدي إلى سلسلة من الردود المتبادلة يصعب التحكم بنتائجها، ولا سيما إذا تكررت الحوادث التي توقع قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي أو المدنيين اللبنانيين.

ومن هنا، فإن حادثة مجدل زون لا تُقرأ فقط باعتبارها حادثاً أمنياً منفرداً، بل باعتبارها مؤشراً إلى هشاشة الترتيبات الحالية وإمكان انهيارها عند أول اختبار ميداني كبير.

"علي الطاهر".. معركة على الأرض أم اختبار للدولة؟

ما يجعل مرتفعات علي الطاهر أكثر من مجرد موقع عسكري هو ارتباطها المباشر بالسؤال الأكبر المطروح في الجنوب: من يملك قرار الانتشار والسيطرة على الأرض؟ فإذا نجحت الاتصالات في وضع المرتفعات ضمن صيغة انتشار للجيش اللبناني، فقد تتحول التلة من نقطة توتر إلى نموذج لتطبيق التفاهمات.

أما إذا بقيت موضع نزاع عسكري، فإنها قد تتحول إلى واحدة من أبرز نقاط الاحتكاك بين إسرائيل و"حزب الله"، وتبقى ورقة ضغط في المفاوضات. وبين الاحتمالين، تبقى الدولة اللبنانية أمام تحدي استعادة دورها الميداني من خلال الجيش، من دون أن يتحول هذا الانتشار إلى مواجهة مفتوحة مع أي طرف.

ثلاثة مسارات أمام الجنوب

مع دخول الاتصالات مرحلة أكثر حساسية، تبدو أمام الجنوب ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

الأول: التوصل إلى تفاهم سياسي وميداني يربط الانسحاب الإسرائيلي بانتشار الجيش اللبناني، بما يسمح بإدخال "علي الطاهر" ومواقع أخرى ضمن ترتيبات واضحة.

الثاني: استمرار الوضع الحالي، مع بقاء إسرائيل في بعض المواقع وتنفيذ ضربات متقطعة، مقابل استمرار المفاوضات من دون اتفاق نهائي.

الثالث: فشل الاتصالات وتحول حادث أمني جديد إلى شرارة تصعيد واسع، خصوصاً إذا تكرر سقوط قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي أو ارتفعت الخسائر المدنية في لبنان.

الكرة في ملعب الجميع

في المحصلة، لم تعد مرتفعات علي الطاهر تفصيلاً جغرافياً في خريطة الجنوب، بل تحولت إلى اختبار لمسار كامل من التفاهمات. فالمطلوب ليس فقط تحديد الجهة التي ستنتشر في التلة، بل الاتفاق على ترتيب متكامل يضمن وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومنع إعادة إنشاء أي بنى عسكرية تهدد الاستقرار.

أما حادثة مجدل زون فقد أعادت التذكير بأن الوقت ليس مفتوحاً أمام المفاوضين، وأن أي فراغ سياسي قد تملؤه التطورات العسكرية.

وبينما تتجه الأنظار إلى "روما 3"، يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع الوساطة الأميركية تحويل التفاهمات إلى وقائع على الأرض، أم أن علي الطاهر ستبقى العقدة التي تختصر مأزق الجنوب كله؟

فالمرحلة المقبلة لن تختبر فقط قدرة الأطراف على وقف إطلاق النار، بل ستختبر أيضاً قدرة الدولة اللبنانية على توسيع حضورها، وقدرة الوسطاء على ضمان انسحاب إسرائيلي متزامن، وقدرة جميع الأطراف على منع حادث ميداني جديد من إشعال مواجهة أوسع.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment