بري لكليرفيلد: مفتاح الاستقرار وقف الاعتداءات والانسحاب إلى الحدود الدولية
عين التينة – بيروت تايمز – منى حسن
في توقيت بالغ الحساسية، وعلى وقع استمرار الخروقات الإسرائيلية في الجنوب وتعثر تحديد موعد الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية أميركية، تكثفت الاتصالات السياسية والعسكرية في بيروت مع وصول رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، الذي عقد لقاءين مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، بعد اجتماعه برئيس الحكومة نواف سلام، بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى والوفد المرافق.
وتكتسب جولة كليرفيلد أهمية خاصة، باعتبارها تأتي في مرحلة تحاول فيها واشنطن الانتقال من الإطار السياسي للتفاهمات اللبنانية–الإسرائيلية إلى آليات تنفيذية على الأرض، ولا سيما ما يتصل بالمناطق التجريبية، وانتشار الجيش اللبناني، والانسحاب الإسرائيلي، وآلية المراقبة، إضافة إلى ملفات الحدود والأسرى والمحتجزين.
وتأتي هذه التحركات في وقت لا يزال فيه موعد الجولة الثامنة من المفاوضات في روما غير محسوم، فيما سبق أن أشارت تقارير إلى أن واشنطن تسعى إلى الدفع باتجاه تطبيق عملي للتفاهمات، بدءاً من المناطق التجريبية. وكانت مصادر إعلامية قد أفادت بأن انتقال الإشراف على الوضع في الجنوب إلى مجموعة التنسيق العسكري MCG4L يرتبط بهذا المسار التنفيذي.
بري: إسرائيل لم توقف خروقاتها واعتداءاتها
وخلال اجتماعه مع كليرفيلد، شدد الرئيس نبيه بري على أن إسرائيل لم توقف خروقاتها واعتداءاتها على لبنان والجنوب منذ تشرين الثاني 2024، معتبراً أن الاعتداءات مستمرة بصورة ممنهجة، من خلال تدمير القرى وتجريف الحقول والمساحات الزراعية وحرق المناطق الحرجية، فضلاً عن استهداف المناطق التراثية والإرث الحضاري.
وأكد بري أن مفتاح الاستقرار في لبنان والمنطقة يبقى بإلزام إسرائيل وقف حربها والانسحاب إلى الحدود الدولية، في رسالة واضحة بأن أي ترتيبات أمنية أو ميدانية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الانسحاب ووقف الاعتداءات.
وتنسجم هذه المواقف مع موقف لبناني سبق أن ركز على ضرورة ترجمة أي تفاهم إلى خطوات عملية، وفي مقدمها تثبيت الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته على الأراضي اللبنانية.
عيسى: الأجواء إيجابية والمفاوضات ستستكمل
من جهته، وصف السفير الأميركي ميشال عيسى الأجواء بعد اللقاء بـ**«الإيجابية»**، مؤكداً أن المفاوضات ستستكمل، لكنه أشار إلى أن موعد الجولة المقبلة لم يُحدد حتى الآن.
وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تدعم أي عملية عسكرية إسرائيلية على مرتفعات علي طاهر، قال عيسى لأحد الصحافيين: «لا أدري، ربما أنت تعرف أكثر مني»، في موقف لم يحسم بصورة مباشرة الموقف الأميركي من التطورات المرتبطة بهذه المرتفعات الاستراتيجية.
وتكتسب مرتفعات علي طاهر أهمية إضافية في سياق النقاش حول المناطق التجريبية، بعدما برزت في الأسابيع الماضية كإحدى النقاط الحساسة في الترتيبات الميدانية المقترحة للجنوب.
وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن خشية لبنانية من استهداف المرتفعات، في وقت ارتبطت فيه الترتيبات التجريبية الأولى بمنطقة زوطر في النبطية، مع بحث إمكانية انتقال النموذج لاحقاً إلى مناطق أخرى.
المناطق التجريبية: «أولاً علينا تحديد وضع المناطق الحالية»
وحول المناطق التجريبية وما إذا كانت هناك مناطق أخرى مطروحة، قال عيسى: «أولاً علينا تحديد وضع المناطق الحالية، وبعدها تأتي المناطق الأخرى».
ويعكس هذا الموقف أن مسألة توسيع نطاق المناطق التجريبية لا تزال مرتبطة بنتائج التطبيق الأول، وبمدى قدرة الأطراف على تثبيت ترتيبات ميدانية واضحة تضمن انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الهدف من هذه المناطق هو اختبار آلية الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني تحت إشراف أميركي، قبل الانتقال إلى مناطق إضافية.
لا دول محددة بعد لآلية المراقبة
وفي ما يتعلق بالدول التي يمكن أن تشارك في آلية المراقبة، كشف عيسى أن واشنطن تجري اتصالات مع مجموعة من الدول، قائلاً: «هناك لائحة من الدول نتكلم معها، ولكن لم يتم حتى الآن تحديد أي دولة».
ويشكل هذا الملف أحد أبرز عناصر الترتيبات التنفيذية، إذ إن نجاح أي انسحاب أو انتشار للجيش يحتاج إلى آلية مراقبة واضحة ومتفق عليها بين الأطراف، وهو ما لا يزال قيد البحث.
عيسى: زيارة كليرفيلد لشرح «ما يحصل على الأرض»
وعن أسباب زيارة الجنرال كليرفيلد إلى بيروت، أوضح عيسى أنها تأتي بهدف «توضيح الأمور كما هي، وخصوصاً لبري، وشرح ماذا يحصل على الأرض». ويعكس ذلك طبيعة المهمة التي يقوم بها كليرفيلد، والتي تتجاوز الجانب العسكري البحت إلى متابعة تنفيذ الترتيبات الميدانية المنبثقة من التفاهمات السياسية، والتنسيق بين المسارات العسكرية والسياسية.
وكان كليرفيلد قد ترأس في وقت سابق آلية الإشراف على وقف الأعمال العدائية، وناقش مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل الوضع الأمني والتطورات الإقليمية وسبل تطوير عمل الآلية ودعم دور الجيش اللبناني.
كليرفيلد وسلام: وقف التدمير وتوسيع المناطق التجريبية
وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد استقبل السفير عيسى والجنرال كليرفيلد والوفد العسكري المرافق، حيث تناول البحث الشق العسكري من الإطار التفاوضي والتطورات الميدانية في الجنوب.
وشدد سلام على ضرورة وقف إسرائيل عمليات التدمير في الجنوب، وتوسيع نطاق المناطق التجريبية، ووضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وتأتي هذه المطالب في وقت تحاول فيه الحكومة اللبنانية الدفع باتجاه تحويل التفاهمات إلى خطوات ملموسة على الأرض، بحيث لا تبقى المناطق التجريبية مجرد ترتيبات نظرية، بل مدخلاً إلى انسحاب إسرائيلي فعلي وانتشار للجيش اللبناني وعودة الأهالي إلى بلداتهم.
شروط إسرائيلية تعقّد ملف المناطق التجريبي
وتزامنت جولة كليرفيلد مع استمرار التعقيدات المرتبطة بالمناطق التجريبية، وسط شروط ومواقف إسرائيلية من شأنها الحد من إمكانية التوسع سريعاً في هذا المسار.
وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن أن إسرائيل تدرس انسحاباً جزئياً من منطقة في جنوب لبنان، على أن يدخل الجيش اللبناني إليها تحت إشراف أميركي، فيما لم تكن المنطقة قد حُسمت في حينه.
وبذلك، تبدو مهمة كليرفيلد في بيروت مرتبطة بمحاولة تضييق مساحة الخلاف بين الأطراف، وخصوصاً في الملفات الأكثر حساسية: الانسحاب الإسرائيلي، انتشار الجيش اللبناني، المناطق التجريبية، آلية المراقبة، والحدود.
روما تنتظر التوافق على التنفيذ
وفي موازاة الحركة الأميركية في بيروت، يبقى الاستحقاق الأبرز هو تحديد موعد الجولة الثامنة من المفاوضات في روما. فعدم تحديد الموعد حتى الآن يعكس استمرار وجود نقاط خلافية تحتاج إلى معالجة، فيما تحاول واشنطن دفع الأطراف من مرحلة النقاش السياسي إلى مرحلة التنفيذ الميداني.
وعليه، فإن نتائج زيارة كليرفيلد لن تُقاس فقط بما حملته لقاءاته مع بري وسلام، بل بمدى قدرة الوساطة الأميركية على إنتاج تفاهم عملي حول المناطق التجريبية والانسحاب وآلية المراقبة، وصولاً إلى تحديد موعد الجولة المقبلة.
وبينما يتمسك لبنان بوقف الاعتداءات والانسحاب إلى الحدود الدولية، تسعى واشنطن إلى تثبيت ترتيبات ميدانية تدريجية يمكن البناء عليها، فيما تبقى إسرائيل صاحبة شروط ميدانية قد تعرقل توسيع التجربة.
وفي هذا المشهد، تبدو زيارة كليرفيلد محاولة أميركية لـضبط المسار العسكري على الأرض ومنع انهيار المسار التفاوضي، في وقت يبقى فيه الجنوب اللبناني الاختبار الفعلي لأي تفاهم سياسي مقبل.













08/14/2026 - 08:08 AM





Comments