م. ربيع معين سليمان
في طرابلس والشمال عموماً، تقوم الدولة عبر الأجهزة الأمنية بعملٍ مشكورٍ وإن جاء متأخراً بالحد من انتشار الدراجات النارية والتوكتوك غير المرخصة والتي تسبب الازدحام المروري الذي بات لا يطاق ، كما تسبب الكثير من الحوادث الخطيرة والمميتة على امتداد مساحة الشمال ، إضافة إلى قيام العديد من راكبي الدراجات النارية بألعاب بهلوانية خطيرة ، ولما تسببه من ازعاج وتلوث يطال المناخ والبشر على حد سواء ...
هذه الحملة باتت ضروريةً بعد تكرار الحوادث المميتة والخطيرة والشكوى المستمرة من الأهالي الذين يطالبون بتحقيق شروط السلامة والهدوء ... وقد لاقت الحملة تأييداً عند المتضررين من الحوادث والفوضى والضجيج ، ومن انفلات الواقع في قطاع النقل .. ومن الذين يعانون من غياب سلطة الدولة عن الشارع..
لكن الدولة كانت قاسية جداً في تطبيق هذا الحملة بحيث لم تعطِ إنذاراً جدّياً ، ولم تعط الفرصة اللازمة للقيام بترخيص هذه الآليات ، وقامت بمصادرةٍ شديدةٍ لم تراعي فيها احتياجات الناس وراكبي الدراجات والآليات حيث شهدت الحملة عمليات صدمٍ وانتزاعٍ لتلك الآليات من راكبيها ، حتى لو كان فيها عائلات ونساء وعجزة ، وأوقفت الكثير ممن كانوا يكسبون قوتهم اليومي وينفقون على عائلتهم وذويهم ... والسؤال الذي نسأله بمحبة ...
* لماذا سمحت الدولة أصلاً باستيراد هذه الآليات من دراجاتٍ ناريةٍ وتكتوك طالما أنها تدرك خطورتها ولا تسمح بتشغيلها ، أو لايمكن ان تعطي لها تراخيص العمل اللازمة ..
* إذا كانت الدولة تقوم بهذه الحملة من باب الحرص على سلامة المواطنين .. فلماذا لا تقوم بالقسم الواجب عليها من تزفيت الطرقات وتسكير الجور وتركيب الشاخصات وعاكسات الضوء وتشغيل الإنارة وووو... قبل أن تطالب المواطنين بما يجب عليهم .
* لماذا لا تقوم الدولة بتخصيص قسم من الطرقات لسير هذه الآليات حتى لا تكون سببا في الحوادث المرورية مع السيارات ووسائل النقل الكبيرة .
* أليس من الواجب أن تقوم الدولة بواجبها ومسؤولياتها ثم تحاسب المقصّرين والمخالفين .
* إذا كان الهدف من الحملة هو فرض هيبة الدولة فلماذا لا تقوم الدولة بفرض هيبتها على سارقي المال العام والمحرّضين على السلم الأهلي ... لماذا لا تفتح الدولة الملفات الاقتصادية الكبيرة من الكسّارات والأملاك البحرية والفيول والمناقصات وكارتلات النفط وشركة الكهرباء ووزارة الطاقة ووو ... وغيرها الكثير من تفاصيل الفساد التي باتت مكشوفة أمام الجميع ..
هل تعجز الدولة عن كل هذه الملفات لأن أصحابها هم من أثرياء وسياسيي البلد وأصحاب النفوذ الذين لا يمكن المساس بهم ويملكون الخطوط الحمراء التي تمنع الاقتراب منهم وفتح ملفاتهم ..
هل تستعيض الدولة عن فتح تلك الملفات التي يمكن أن تعالج قسماً كبيراً من عجز الموازنة وتؤمن مداخيل لدعم الاقتصاد وتمويل عملية النمو وتسديد الرواتب ومستحقات العلاج الطبي وغيرها من مشاريع النمو في البلاد ... لأنها لا تجرؤ على ذكر اسم أصحاب هذه المشاريع أو الاقتراب منهم ...
نحن كلنا مع استعادة وفرض هيبة الدولة ..
ونحن كلنا مع الدولة القوية التي تحمي البلاد والعباد وتؤمن للمواطنين الاستقرار والعيش بكرامة ..
لكننا قبل ذلك ، مع الدولة العادلة التي تطبق القانون على الجميع ، القوي قبل الضعيف ؛ وتطبق مبدأ المحاسبة على الغني قبل الفقير ؛ ولا تخاف من فتح ملفات الفساد مهما كان نفوذ أصحابها ..
نحن مع الدولة التي تقول أن سلطة القانون فوق الجميع ، وأن هيبة الدولة أقوى هن هيبة الأشخاص ، وأن الفساد عدوّ البلاد الأول ولا حصانة لفاسدٍ تحت سقف الوطن ..
أما إذا كان الموضوع استنسابياً فنحن ننحاز إلى فقراء الوطن الذين سُلبت أموالهم ولم يبق سوى القليل الذي اضطرهم للعمل في ظروفٍ قاسية على وسائل عملٍ لا تؤمن لهم شروط السلامة الكاملة .
نحن مع البسطاء الذين ليس لديهم ضمان صحيّ ، ولا برنامج أمانٍ يؤمن لهم كرامة العيش ، والذين لم تعمل الدولة على تأمين فرص عمل لهم .
نحن ننحاز ضد الفاسدين الكبار الذين سرقوا أموال المودعين ، وسرقوا قبلها ثروات البلد بواسطة النفوذ والقوة ، ولا زالوا يسرقون خيرات الوطن بواسطة الصفقات والنفوذ ...
نحن مع هيبة كاملة للدولة ، يخضع لها الجميع ، وتطبق مبدأ التصاعديّة في الجباية والمحاسبة ..
نحن نريد الدولة التي تفرض قوة العدالة وحكمة المساواة .
نحن نحترم الدولة التي تطبّق قانون المحاسبة على كبار النَّهًبَة ، قبل أن تطبّقه على صغار الكَسَبَة .
نحن نرفع القبعة للدولة حين تفرض هيبتها ، لكننا نرفع الرأس الذي يحمل القبعة للدولة التي تفرض هيبتها على القويّ قبل الضعيف ، على الغنيّ قبل الفقير .










08/13/2026 - 18:00 PM





Comments