تسريع المشاريع الاستيطانية في القدس الشرقية قبيل انتخابات الكنيست: الأبعاد السياسية والجغرافية والانتخابية

08/13/2026 - 10:26 AM

Jonathan Amireh

 

إسماعيل مسلماني *

يشكل تسريع سلطات الاحتلال الإسرائيلي لثلاثة مشاريع استيطانية رئيسية في القدس الشرقية قبيل انتخابات الكنيست تطورًا يتجاوز البعد العمراني والاستيطاني المباشر، ليعكس تداخلًا واضحًا بين الاستراتيجية الجغرافية للحكومة الإسرائيلية والحسابات السياسية والانتخابية الداخلية. وتكتسب هذه المشاريع أهمية خاصة في ظل استمرار الصراع على مستقبل القدس ومكانتها السياسية، وفي ظل سعي الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى تكريس واقع تعتبر فيه القدس الشرقية جزءًا من العاصمة الإسرائيلية، في مقابل الموقف الفلسطيني والدولي الرافض لضمها واعتبارها أرضًا محتلة.

وتتركز المشاريع التي جرى تسريعها في مناطق أم طوبا وأم ليسون وغيلو، وهي مناطق تقع ضمن المجال الجغرافي الحساس للقدس الشرقية ومحيطها. وتكمن أهمية هذه المشاريع في حجمها وفي موقعها، إذ إن توسيع المستوطنات لا يعني فقط زيادة عدد الوحدات السكنية، وإنما يؤدي أيضًا إلى إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والجغرافية للمدينة. فالتوسع الاستيطاني المتدرج يمكن أن يؤدي إلى زيادة التواصل الجغرافي بين الكتل الاستيطانية، في مقابل زيادة تجزئة الأحياء الفلسطينية وتقليص فرص نموها العمراني الطبيعي.

ومن الناحية السياسية، يصعب فصل هذا التسارع عن اقتراب موعد انتخابات الكنيست. فالقدس والاستيطان يمثلان ملفين شديدي الحساسية داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما لدى التيارات اليمينية والقومية والدينية. ومن ثم، فإن الإعلان عن مشاريع استيطانية جديدة أو تسريع إجراءات المصادقة عليها يمكن أن يستخدم باعتباره رسالة انتخابية تؤكد تمسك الحكومة بمواقف اليمين تجاه القدس والاستيطان. كما يسمح ذلك للائتلاف الحاكم بمنافسة الأحزاب اليمينية الأكثر تشددًا، التي تحاول تقديم نفسها باعتبارها الأكثر قدرة على فرض الوقائع الإسرائيلية على الأرض.

ويحمل التوقيت كذلك دلالة استراتيجية تتجاوز الانتخابات نفسها. فالانتخابات تنتهي، بينما تبقى البنية العمرانية التي تُنشأ على الأرض لعقود طويلة. ولذلك يمكن النظر إلى تسريع المشاريع باعتباره محاولة لتحقيق مكسب انتخابي قصير الأمد، بالتوازي مع إنتاج واقع جغرافي طويل الأمد يصعب تغييره في أي مفاوضات سياسية مستقبلية. وكلما توسعت الكتل الاستيطانية داخل القدس الشرقية ومحيطها، ازدادت صعوبة إعادة رسم حدود المدينة أو تحقيق تواصل جغرافي فلسطيني متماسك في إطار أي تسوية مستقبلية.

وعليه، فإن تسريع المشاريع الاستيطانية الثلاثة في القدس الشرقية يمكن قراءته باعتباره جزءًا من استراتيجية متعددة المستويات تجمع بين الاعتبارات الانتخابية والأيديولوجية والجغرافية. فالهدف لا يقتصر على بناء وحدات سكنية جديدة، وإنما يرتبط بإعادة إنتاج ميزان ديموغرافي وجغرافي يخدم الرؤية الإسرائيلية للقدس. وفي ظل اقتراب انتخابات الكنيست، تبدو القدس مرة أخرى ساحة يتقاطع فيها الصراع السياسي الداخلي الإسرائيلي مع الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي على الأرض والهوية والسيادة، بما يجعل ملف الاستيطان أحد المؤشرات المهمة على اتجاهات السياسة الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.

* مختص بالشأن الاسرائيلي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment