د. مهى محمّد مراد
في كلّ جلسة من جلسات مجلس النواب اللبناني، تتكرر الأسئلة نفسها، وتكثر النقاشات حول القوانين والاقتراحات والملفات العالقة، لكنّ السؤال الذي يجب أن يبقى في مقدمة كل هذه النقاشات هو: أين مصلحة المواطن؟ وأين مصلحة الدولة؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنّه في الواقع أصبح من أصعب الأسئلة في الحياة السياسية اللبنانية، فالسياسة في لبنانَ لم تعد دائمًا تدور حول ما يحتاجه الناس، بل كثيرًا ما تدور حول ما يريده هذا الفريق أو ذاك، وما يمكن أن يحصل عليه كلّ طرف في مقابل موقفه، خصوصًا عندما تقترب الاستحقاقات الانتخابية وتبدأ الحسابات المتعلقة بالدوائر والأصوات والمقاعد!
من هنا، يصبح من حقّ المواطن أن يتساءل عمّا يجري في الكواليس، لا من باب الاتهام، وإنما من باب القلق على دولة يُفترض أن تكون مؤسساتها فوق الحسابات الضيقة.
فملف قانون العفو العام، على سبيل المثال، ليس ملفًا عاديًا يمكن التعامل معه وكأنه مجرد اقتراح قانون آخر، إنه يمسّ حياة الناس وحرياتهم وحقوقهم، ويمسّ أيضًا حقّ المجتمع وحقوق الضحايا، ولذلك فإنّ أي قانون عفو يجب أن يكون واضحًا وعادلًا، وأن يستند إلى معايير واحدة تطبق على الجميع، لا أن يتحول إلى مساحة لتبادل المصالح أو إلى تسوية سياسية يستفيد منها طرف أكثر من طرف،
والمشكلة ليست في مبدأ العفو إذا كانت هناك أسباب قانونية وإنسانية تستدعيه، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يُستخدم بها هذا الملف، فاللبناني تعِب من القوانين التي تولد في ظروف سياسية معينة، ثم يتبين لاحقًا أنّ وراءها حسابات أبعد من النص القانوني نفسه.
أمّا السؤال الذي يطرح نفسه اليوم فهو: هل يتمّ التعامل مع هذا الملف باعتباره قضية عدالة وإنصاف، أم أنّ هناك من ينظر إليه من زاوية سياسية وانتخابية؟
وبالتالي،لا أحد يستطيع أن ينكر أن السياسة حاضرة بقوة في كل الملفات اللبنانية تقريبًا، ولا أحد يستطيع أيضًا أن يتجاهل أنّ الانتخابات النيابية المقبلة بدأت تفرض نفسها على حسابات القوى السياسية،وعندما تدخل حسابات الدوائر الانتخابية في طريقة التعاطي مع القوانين، يصبح المواطن أمام مشكلة حقيقية، لأنّ القانون عندها قد لا يعود يُناقش فقط على أساس الحاجة إليه، وإنما على أساس من سيستفيد منه ومن قد يدفع ثمنه انتخابيًا،وهنا تحديداً يجب أن نتوقف…
النائب الذي يدخل إلى مجلس النواب يفترض أنه يدخل حاملاً أمانة الناس الذين انتخبوه، وليس فقط حسابات حزبه أو تياره أو دائرته، ومن حق المواطن أن يسأل كل نائب: عندما تصوّت على قانون، هل تفكر في مصلحة الناس أم في الانتخابات المقبلة؟
السؤال قاسٍ، لكنه مشروع!
ولعلّ أكثر ما يثير القلق هو أنّ الجميع اليوم يبدو وكأنه يشدّ على مصلحته الخاصة. كل فريق يريد أن يمرر ما يخدمه، وكل طرف يبحث عن نقطة قوة يحتفظ بها في المرحلة المقبلة، وفي النهاية يجري البحث عن تقاطع مصالح يسمح بمرور هذا القانون أو ذاك. وهكذا يصبح القانون نتيجة تفاهمات سياسية أكثر مما يكون نتيجة حاجة وطنية. وهذا لا يعني أن كلّ تفاهم سياسي هو أمر سيئ، فالديمقراطية تقوم أصلًا على الحوار والتفاهم والتسويات، لكنّ التسوية تصبح خطيرة عندما تكون على حساب العدالة أو على حساب المواطن أو عندما تجعل المصلحة الخاصة أقوى من المصلحة العامة.
أما في الملف القضائي، فالمسألة أكثر حساسية، الأحكام والقرارات القضائية التي صدرت في الآونة الأخيرة أثارت، ولا تزال تثير، الكثير من الجدل والأسئلة لدى الرأي العام، ومن الطبيعي أن يسأل المواطن عن مدى استقلال القضاء، وعن المعايير التي تُعتمد في التعامل مع الملفات المختلفة، خصوصًا عندما يشعر بأنّ هناك تفاوتًا في طريقة مقاربة القضايا.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز أن نضع كلّ حكم قضائي في خانة التسييس لمجرد أننا لا نوافق عليه، فالقضاء يحتاج إلى احترام، ولكنه يحتاج قبل ذلك إلى استقلال حقيقي يحميه من التدخلات والضغوط السياسية.
فالعدالة لا تكون عدالة إذا شعر المواطن أنها تتغير بحسب الظروف السياسية، وإذا كانت هناك أخطاء قضائية حصلت في مراحل سابقة، فإنّ المطلوب ليس الانتقام منها بخطأ جديد، بل تصحيحها عبر القانون والمؤسسات وحق الدفاع وطرق المراجعة القضائية، وإذا كانت هناك أخطاء سياسية ارتكبتها القوى التي تدير البلد، فعليها أيضًا أن تتحمل مسؤوليتها، لأنّ الدولة لا يمكن أن تستمر في معالجة أخطائها القديمة بأزمات جديدة. والحقيقة هنا أنّ السياسيين ليسوا وحدهم من يدفع ثمن أخطائهم،
فالمواطن هو الذي يدفع الثمن الأكبر،فهو الذي ينتظر في المحاكم، وهو الذي يعيش تحت ضغط الأزمات، وهو الذي يدفع ثمن ضعف الدولة، كما أنّه هو الذي يتأثر بكلّ قانون جديد، وبكلّ قرار سياسي، وبكلّ تسوية تجري بين القوى المختلفة.
أما السياسي، فقد يستطيع أن يعيد ترتيب أوراقه، وأن يغيّر تحالفاته، وأن ينتظر الاستحقاق الانتخابي المقبل، أما المواطن فلا يملك كل هذه الخِيارات، ولهذا فإنّ المطلوب اليوم ليس المزيد من الصفقات السياسية، ولا المزيد من القوانين التي تُصاغ على مقاس المرحلة، بل العودة إلى فكرة بسيطة جداً: الدولة أولًا والمواطن أولًا.
وإذا كان قانون العفو ضروريًا، فليكن قانونًا عادلًا لا يميز بين الناس، وإذا كانت هناك أخطاء قضائية، فلتُصحح وفق القانون، وإذا كانت هناك أخطاء سياسية، فليتحمل أصحابها مسؤوليتها، وإذا كانت هناك قوانين تحتاج إلى تعديل، فلتُعدّل لأنّ لبنان يحتاج إليها، لا لأنّ الانتخابات تقترب!
لقد سئم المواطن اللبناني من أن يشعر بأنّ كل شيء في البلد له حساب، إلا مصلحته… حتى القانون بات يُقرأ أحيانًا من زاوية مَن يربح ومَن يخسر، ومَن يستفيد في هذه الدائرة أو تلك، ومَن يستطيع أن يحصد أصواتاً أكثر في الانتخابات المقبلة.
لكنّ المجلس النيابي ليس ساحة انتخابية دائمة، فهو مؤسسة تشريعية يفترض أن يكون همها الأول حماية الناس وتنظيم حياتهم وحماية الدولة. "والنائب ليس نائباً عن نفسه، ولا عن حزبه فقط، ولا عن مصالح مجموعته، بل هو نائب عن الشعب اللبناني"
لذلك، فإنّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول كل جلسة نيابية إلى مناسبة جديدة لتبادل المصالح، فيما يبقى المواطن خارج القاعة، ينتظر أن يتذكره أحد.
لقد آن الأوان لأن يكون هناك خط فاصل بين السياسة ومصلحة الدولة.
من حق السياسي أن يخوض الانتخابات، ومن حقه أن يحسب حساب دائرته، ومن حقه أن يعمل لمصلحة مشروعه السياسي، لكن ليس من حقه أن يجعل الدولة رهينة لهذه الحسابات.
فالانتخابات تأتي وتذهب، والنواب يتغيرون، والتحالفات تتبدل، أما الدولة فتبقى، والمواطن يبقى، والقوانين التي تُقر اليوم قد يدفع ثمنها اللبنانيون لسنوات طويلة.
ومن هنا، فإن المطلوب من مجلس النواب في هذه المرحلة ليس فقط أن يمرر القوانين، وإنما أن يسأل قبل تمرير أي قانون: هل هذا القانون يخدم لبنان فعلًا؟ وهل يحمي المواطن؟ وهل يحقق العدالة؟ وهل سيبقى صالحًا بعد انتهاء الانتخابات؟











08/13/2026 - 10:20 AM





Comments