الحلقة السادسة
___________________________________________
من يقتل الحقيقة في لبنان؟
النيابات العامة، القضاء، السياسة والإعلام... حين تصبح العدالة عالقة بين المؤسسات
علي جزائري
في لبنان، لا تحتاج الحقيقة إلى قاتل واحد كي تموت.
يكفيها أن تدخل إلى متاهة.
متاهة تبدأ أحيانًا بمحضر تحقيق، ثم تنتقل إلى النيابة العامة، ثم إلى قاضي التحقيق، ثم تصطدم بحصانة، أو بطلب رد، أو بنزاع على الصلاحية، أو بقرار إداري، أو بخلاف سياسي، أو بحرب إعلامية... ثم تمضي السنوات. وفي النهاية، قد لا يبقى من الجريمة سوى صورة الضحية. وهنا تكمن المأساة اللبنانية الحقيقية.
نحن لا نعاني فقط من جرائم لم تُكشف بالكامل، بل من نظام يجعل الوصول إلى الحقيقة بطيئًا إلى درجة تصبح معها الحقيقة نفسها مهددة بالنسيان.
الدستور يقول شيئًا... والممارسة تقول شيئًا آخر.
المفارقة أن المشكلة ليست في غياب النص.
الدستور اللبناني واضح في المادة 20: السلطة القضائية تمارسها المحاكم، والقضاة مستقلون في ممارسة مهماتهم، والأحكام تصدر وتنفذ باسم الشعب اللبناني.
إذن، على الورق، هناك استقلال.
لكن استقلال القضاء لا يُقاس بما تقوله النصوص فقط.
يُقاس بما يستطيع القاضي أن يفعله عندما يقترب من ملف حساس.
هل يستطيع التحقيق مع صاحب نفوذ؟
هل يستطيع استدعاء مسؤول كبير؟
هل يستطيع إصدار قرار من دون أن يخشى نقله أو تجميد موقعه أو فتح مسار تأديبي بحقه؟
هل يستطيع أن يعمل من دون أن تتحول القضية إلى معركة سياسية؟
هنا تبدأ المشكلة.
لأن استقلال القضاء الحقيقي ليس أن يقال للقاضي: "أنت مستقل".
بل أن تكون بنية النظام نفسها قادرة على حماية استقلاله.
النيابة العامة... البوابة الأولى
في أي منظومة عدلية، النيابة العامة ليست تفصيلًا إداريًا.
هي واحدة من أهم مفاتيح العدالة.
فهي التي تتحرك باسم المجتمع في القضايا الجزائية، وتباشر الملاحقة ضمن الصلاحيات التي يمنحها القانون. ووفق وزارة العدل اللبنانية، فإن النيابة العامة تتولى تمثيل المجتمع في إقامة الدعوى العامة، من دون أن تكون لها صلاحية إصدار الأحكام التي تبقى من اختصاص المحاكم.
لكن السؤال اللبناني الأصعب ليس فقط: ماذا يقول القانون؟
بل:
إلى أي مدى تستطيع النيابة العامة أن تعمل باستقلال عندما تكون مواقع قضائية عليا مرتبطة بآليات تعيين تتداخل فيها السلطة التنفيذية؟
وزارة العدل نفسها توضح أن النائب العام لدى محكمة التمييز يُعيَّن بمرسوم يتخذه مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل.
وهذا لا يعني تلقائيًا أن كل قاضٍ مُعيّن بهذه الطريقة يفتقد الاستقلال.
لكنّه يطرح سؤالًا مؤسساتيًا لا يجوز الهروب منه:
هل تكفي الضمانات الحالية لمنع النفوذ السياسي من التأثير في بنية العدالة؟
هذا السؤال ليس اختراعًا صحافيًا.
فاللجنة الدولية للحقوقيين دعت لبنان إلى إصلاحات واسعة لتعزيز استقلال القضاء، وانتقدت غموض معايير تعيين القضاة ونقلهم وتقييمهم، وأشارت إلى نفوذ السلطة التنفيذية والفاعلين السياسيين في النظام الحالي.
إذا كانت المشكلة مجرد سوء تفاهم، فلماذا كل هذه الدعوات للإصلاح؟
القاضي الذي يقترب كثيرًا...
في الملفات العادية، قد يبدو التأخير إجراءً.
في ملفات الاغتيالات والانفجارات الكبرى، يصبح التأخير جزءًا من المشكلة.
لأن الزمن يعمل ضد التحقيق.
الشاهد ينسى.
الوثيقة تضيع.
الذاكرة تتغير.
الأدلة تتلف.
المتهم يرحل أو يموت.
والرأي العام ينتقل إلى قضية أخرى.
وهكذا، لا يحتاج أحد بالضرورة إلى إغلاق الملف بقرار رسمي.
يكفي أن يتركه الزمن يأكله.
وهذا أحد أخطر أشكال الإفلات من العقاب: ألا يُقال للعدالة "توقفي"، بل تُترك لتتعب وحدها.
مرفأ بيروت: الدليل الحي
ليس هناك مثال أكثر وضوحًا من ملف انفجار المرفأ.
التحقيق تعرّض لسنوات من التعطيل والعراقيل القانونية والسياسية، قبل أن يستأنف القاضي طارق بيطار عمله بصورة أكثر فعالية في 2025. وفي 2026، واصل التحقيق تقدمه، فيما بقي أهالي الضحايا ينتظرون محاسبة نهائية.
هذا التطور مهم.
لكن الأهم هو ما كشفه عن طبيعة المشكلة.
فحين يحتاج تحقيق في كارثة قتلت أكثر من مئتي شخص ودمّرت أجزاء من العاصمة إلى سنوات طويلة حتى يتمكن من التحرك، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالقاضي وحده.
إنه سؤال عن النظام الذي يعمل داخله القاضي.
من يحمي التحقيق؟
من يحمي المحقق؟
من يحدد حدود الحصانة؟
من يقرر متى يصبح الإجراء القانوني حماية للحقوق ومتى يتحول عمليًا إلى تعطيل؟
هذه أسئلة يجب أن تجيب عنها الدولة، لا المقالات وحدها.
الحصانة ليست جدارًا إسمنتيًا
لا أحد فوق القانون.
لكن لا أحد يجب أن يُحاكم خارج القانون أيضًا.
وهذا التوازن هو جوهر العدالة.
الحصانة، عندما تكون مقررة قانونًا، ليست امتيازًا لحماية المذنب. وهي ليست أيضًا تصريحًا مفتوحًا للقضاء لتجاوز الإجراءات.
لكن المشكلة تظهر عندما تصبح الحصانات والإجراءات القانونية المتلاحقة قادرة عمليًا على منع التحقيق من الوصول إلى نهايته.
هنا يجب على المشرّع أن يتدخل.
ليس لإرضاء الشارع.
ولا لإرضاء الأحزاب.
بل لوضع قواعد واضحة:
متى تُرفع الحصانة؟
من يملك صلاحية التحقيق؟
ما حدود طلبات الرد؟
كم يمكن أن يستمر تعطيل الملف؟
ومن يتحمل مسؤولية التأخير غير المبرر؟
القانون الذي لا يجيب عن هذه الأسئلة يترك مساحة واسعة للتأويل، والمساحات الرمادية هي البيئة المثالية للسياسة.
الإعلام... شاهد أم محكمة؟
وهنا نصل إلى الشريك الرابع في صناعة الحقيقة:
الإعلام.
في لبنان، لا يمكن إنكار الدور الذي لعبه الإعلام في كشف قضايا وملاحقة ملفات وإبقاء أسماء الضحايا حاضرة.
لكن الإعلام اللبناني ليس بريئًا بالكامل من أزمة الحقيقة.
ليس لأنه يتعمد إخفاء الحقيقة بالضرورة، بل لأن جزءًا منه يعيش داخل الاصطفاف السياسي نفسه الذي يحكم البلاد.
تقرير على محطة قد يصبح "دليلًا" على محطة أخرى.
معلومة غير مكتملة تتحول إلى عنوان.
تسريب يتحول إلى حكم.
اتهام سياسي يتحول إلى حقيقة في وعي الجمهور.
ثم يأتي القضاء، بعد أشهر أو سنوات، ليقول إن الأمر أكثر تعقيدًا.
لكن من يسمع التصحيح بعد أن يكون الاتهام قد انتشر؟
هذه مشكلة مهنية خطيرة.
وتؤكد تقارير دولية أن الإعلام اللبناني، رغم تنوعه وانفتاحه، يعاني من ارتباط واسع بالرعاية السياسية والمالية، وهو ما قد يؤدي إلى الرقابة الذاتية أو الانحياز في التغطية.
إذن، نعم:
الإعلام يمكن أن يكون حارس الحقيقة.
لكنه يمكن أيضًا، عندما يفقد استقلاله المهني، أن يصبح جزءًا من الضجيج الذي يحجبها.
الجريمة لا تحتاج إلى مؤامرة كي تفشل العدالة
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
ليس كل ملف لم يُحسم يعني أن هناك مؤامرة.
وليس كل تأخير يعني وجود قرار سياسي بإخفاء الحقيقة.
وليس كل قاضٍ تأخر في ملف ما فاسدًا.
وليس كل صحافي منحازًا شريكًا في الجريمة.
هذه التعميمات تقتل الحقيقة بدل أن تحميها.
المشكلة الأخطر هي أن النظام نفسه يمكن أن ينتج الإفلات من العقاب من دون أن يجتمع أحد في غرفة مغلقة ويقرر ذلك.
كيف؟
قانون معقد.
إجراء طويل.
حصانة.
طلب رد.
تضارب صلاحيات.
نقص موارد.
تدخل سياسي.
إعلام مستقطب.
قاضٍ يغيّر موقعه.
حكومة تتغير.
أزمة مالية تضرب المؤسسات.
ثم سنوات تمر.
وفي النهاية، لا أحد يستطيع أن يشير إلى شخص واحد ويقول: "هذا هو الذي قتل العدالة."
لكن العدالة تكون قد ماتت بالفعل.
وهنا تقع مسؤولية السياسة
السياسي اللبناني يحب القضاء عندما يكون خصمه أمامه.
ويخاف القضاء عندما يقترب منه.
وهذه ليست تهمة لحزب بعينه.
إنها مشكلة ثقافة سياسية.
كل فريق يريد قضاءً قويًا عندما يكون التحقيق ضد خصمه، وقضاءً "متريثًا" عندما يقترب التحقيق من حلفائه.
هكذا تتحول العدالة إلى مرآة سياسية:
إن أدانت خصمي فهي عادلة.
وإن اقتربت مني فهي مسيّسة.
وهذه أخطر معادلة يمكن أن تُبنى عليها دولة.
القضاء المستقل لا يجب أن يكون مع فريق أو ضد فريق.
يجب أن يكون ضد الجريمة فقط.
والنيابة العامة ليست فوق النقد
من حق القضاء أن يُحمى.
لكن حماية القضاء لا تعني تحصينه من النقد.
القاضي يمكن أن يخطئ.
والنيابة العامة يمكن أن تخطئ.
والإدارة يمكن أن تخطئ.
والسياسي يمكن أن يخطئ.
لكن الفرق بين الدولة والفوضى هو وجود آلية تكشف الخطأ وتحاسب عليه.
لذلك، المطلوب ليس مهاجمة القضاء، بل إصلاحه.
والمطلوب ليس إسقاط النيابات العامة، بل ضمان استقلالها وشفافيتها.
والمطلوب ليس إسكات الإعلام، بل رفع مستوى مهنيته.
والمطلوب ليس إلغاء الحصانات القانونية، بل منع استخدامها كوسيلة لتعطيل المحاسبة.
الحل ليس مستحيلًا
هناك خطوات واضحة.
أولًا: استقلال حقيقي للقضاء.
يجب أن تكون معايير تعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم واضحة وموضوعية، وألا تكون رهينة الولاء السياسي. وقد دعت اللجنة الدولية للحقوقيين تحديدًا إلى معايير موضوعية وشفافة وإلى تعزيز استقلال مجلس القضاء الأعلى.
ثانيًا: استقلال النيابات العامة.
لأن النيابة العامة هي إحدى البوابات الأساسية إلى العدالة.
ثالثًا: حماية التحقيقات الحساسة.
لا يجوز أن يتحول التحقيق في جريمة وطنية كبرى إلى رهينة نزاع إجرائي مفتوح بلا سقف زمني.
رابعًا: إصلاح نظام الحصانات.
ليس لإلغاء الحقوق، بل لمنع تحولها إلى حصن دائم.
خامسًا: حماية الشهود والمحققين والصحافيين.
لأن الحقيقة تحتاج إلى من يملك الشجاعة ليقولها.
سادسًا: إصلاح الإعلام.
ليس عبر الرقابة، بل عبر المهنية: التحقق من المعلومات، الفصل بين الخبر والرأي، عدم إصدار أحكام قبل القضاء، ونشر التصحيح بالوضوح نفسه الذي نُشر به الاتهام.
الحقيقة لا تحتاج إلى بطل... تحتاج إلى دولة
ربما هذا هو الدرس الأكبر من نصف قرن من الدم.
لبنان لا يحتاج إلى قاضٍ خارق.
ولا إلى صحافي خارق.
ولا إلى سياسي خارق.
ولا إلى محقق خارق.
يحتاج إلى مؤسسات لا تعتمد على الأشخاص.
لأن الدولة التي تنتظر شجاعة شخص واحد لإنقاذ ملف، هي دولة مؤسساتها ضعيفة.
أما الدولة الحقيقية، فحتى القاضي الضعيف أمام نظام قوي يستطيع أن يعمل.
والصحافي الذي يتعرض للضغط يجد مؤسسة تحميه.
والمتهم الذي يملك نفوذًا يعرف أن القانون أقوى منه.
والضحية تعرف أن الدولة لن تنساها.
من كمال جنبلاط إلى 4 آب... ماذا تعلمنا؟
تعلمنا أن الجريمة لا تنتهي عند لحظة القتل.
هناك جريمة ثانية قد تبدأ بعدها:
قتل الحقيقة.
وتعلمنا أن العدالة المتأخرة ليست مجرد مشكلة قضائية.
إنها مشكلة سياسية وأخلاقية ومؤسساتية.
وتعلمنا أن الإعلام عندما يصبح طرفًا في الصراع، يفقد جزءًا من قدرته على لعب دوره الرقابي.
وتعلمنا أن النيابة العامة تحتاج إلى استقلال يوازي خطورة موقعها.
وتعلمنا أن القضاء لا يستطيع أن يكون مستقلًا إذا كانت بنيته نفسها معرضة للتدخل السياسي.
وتعلمنا، قبل كل شيء، أن الدولة لا تُقاس بعدد القوانين التي تملكها، بل بقدرتها على تطبيقها.
الخاتمة: من يقتل الحقيقة؟
ليس هناك جواب بسيط.
أحيانًا يقتلها السياسي عندما يحاول حماية نفوذه.
وأحيانًا يقتلها القضاء عندما يتأخر أو يعجز.
وأحيانًا تقتلها النيابة العامة عندما تتحول الإجراءات إلى جدران.
وأحيانًا يقتلها الإعلام عندما يستبدل التحقيق بالحكم المسبق.
وأحيانًا نقتلها نحن، عندما نقبل أن تصبح كل جريمة مجرد ذكرى سياسية جديدة.
لكن أخطر قاتل للحقيقة هو الاعتياد.
أن نعتاد على ألا نعرف.
أن نعتاد على أن الملفات لا تنتهي.
أن نعتاد على أن القاتل المجهول يصبح جزءًا من المشهد.
أن نعتاد على أن أهل الضحايا ينتظرون.
أن نعتاد على أن كل الرابع من آب يأتي ومعه سؤال قديم.
أن نعتاد على أن الدولة تقول: "التحقيق مستمر"، ثم تمضي السنوات.
عندها لا تعود المشكلة في جريمة واحدة.
تصبح المشكلة في الجمهورية نفسها.
فالدولة التي لا تستطيع أن تمنح ضحاياها الحقيقة، لن تستطيع أن تمنح مواطنيها الثقة.
والدولة التي لا تستطيع أن تحاسب من تثبت مسؤوليته، ستجد نفسها عاجزة عن ردع الجريمة المقبلة.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية في لبنان ليست بين فريق سياسي وآخر.
وليست بين طائفة وأخرى.
وليست بين قاضٍ ومحامٍ.
إنها معركة أعمق:
هل نريد دولة يكون فيها القانون أقوى من النفوذ، أم دولة يبقى فيها النفوذ أقوى من القانون؟
منذ كمال جنبلاط وحتى مرفأ بيروت، تغيرت الوجوه، وتبدلت التحالفات، وسقطت حكومات، وجاءت أخرى.
لكن السؤال بقي.
متى يصبح قتل الحقيقة جريمةً لا تقل خطورة عن قتل الإنسان؟
والجواب لا يكتبه السياسي.
ولا الصحافي.
ولا الشارع.
يكتبه القضاء... عندما يصبح قادرًا على الوصول إلى النهاية.
* لمتابعة الحلقات انقر على الرابط
الحلقة الاولى: https://beiruttimes.com/article/57448
الحلقة الثانية: https://beiruttimes.com/article/57480
الحلقة الثالثة: https://beiruttimes.com/article/57495
الحلقة الرابعة: https://beiruttimes.com/article/57540
الحلقة الخامسة: https://beiruttimes.com/article/57554










08/09/2026 - 10:36 AM





Comments