مفيد خطّار
كلُّ أبناءٍ يفترضون وجودَ أبٍ أنجبهم، لا بالدمّ، بل بالفكر والروح. فمن هو أبو هذه الرؤية؟
أهو الحقُّ الذي ما زال الإنسان يبحث عنه؟أم هو الوهمُ الذي ارتدى ثوبَ الحقيقة؟أم أنّ الأب الحقيقي لم يُعلن ذاته بعد، لأنّ أبناءه لم يصبحوا مستعدّين لرؤيته؟
وإن كان حاضرًا، فما الذي يحول بينهم وبينه؟أهو غائبٌ حقًّا، أم أنّ الغياب يسكن عيوننا، لا حضوره؟
رؤية
الرؤية ليست فكرةً تُرفع شعارًا، بل بصيرةٌ تتحوّل إلى حياة وهي بصيرةُ الإنسان المدعوّ إلى رسالةٍ إنسانيةٍ يتجاوز خيرُها الحدود والطوائف والأعراق والمصالح. ولا تُقاس الرؤية ببلاغة أصحابها، بل بثمارها.
فما يُثمر محبّةً وعدلًا وحريةً وكرامةً للإنسان، يحمل في ذاته بذورَ الحقيقة والحياة. أمّا ما يُخلّف انقسامًا وكراهيةً وعنفًا، فمهما تجمّل بالشعارات، يبقى رؤيةً ناقصة، أو وهمًا بالغَ الإتقان.
مقدَّسة
القداسة دعوةٌ قبل أن تكون لقبًا، ومسيرةٌ قبل أن تكون منزلة.
إنّها رسالةُ محبّةٍ وعطاءٍ واحتضانٍ وإيمانٍ ورجاء، يحملها الإنسان إلى أخيه الإنسان دون تمييز.
لذلك لا يمكن للقداسة أن تسير في دروب العنصرية، ولا أن تتغذّى من الأنانية أو التعصّب أو الأوهام.
فحيث يُهان الإنسان تُجرَح القداسة، وحيث يُحَبُّ الإنسان لأنّه إنسان، يبدأ وجهها الحقيقي بالظهور.
إنّ أبناءَ الرؤيةِ المقدَّسة ليسوا جماعةً تحتكر الحقيقة، بل أناسًا جعلوا من الحقيقة طريقًا إلى المحبّة، ومن المحبّة طريقًا إلى الإنسان، ومن الإنسان طريقًا إلى الله.
فإذا توفّرت هذه الشروط في أصحاب الرؤية المقدَّسة، استحقّوا الاحترام والتقدير؛ لأنّ رؤيتهم تصبح رسالةَ حياةٍ تُنير الدروب، وتفتح أمام الإنسان آفاقَ الرجاء.
أمّا إذا كان العكس صحيحًا، فإنّنا لا ندينهم، بل نناشدهم أن يُعيدوا النظر في أوهامهم قبل أن تتحوّل إلى سجونٍ يختارون الإقامة فيها طوعًا.
فالوهم لا يطمس الحقيقة فحسب، بل قد يدفع صاحبه إلى انتحارٍ روحيٍّ وفكري؛ فيفقد القدرة على رؤية ذاته كما هي، ويرى العالم كما يشتهي، لا كما هو.
والتاريخ البشري حافلٌ بأمثال هؤلاء الوهملوجيّين؛ أناسٌ ظنّوا أنّهم يحملون الخلاص، فإذا بهم يحملون أسباب الهلاك.
كان الوهم أبًا لفكرهم، فساروا خلفه من غير أن يدركوا إلى أيّ هاويةٍ يقودهم. أمّا القداسة فظلّت بعيدةً عنهم، لا لأنّها رفضتهم، بل لأنّهم رفضوا شروطها: التواضع، والمحبّة، والحقيقة، والاعتراف بإمكانيّة الخطأ، والتوبة الصادقة.
فالقداسة لا تنمو في تربة التعصّب، ولا تُزهر في حقول الكراهية، ولا تسكن العقول التي أغلقت أبوابها أمام المراجعة والنقد.
إنّها ابنةُ الحقيقة، والحقيقة لا تخاف النُّور، بل تدعو إليه دائمًا.
لبنان... أبناءُ الرؤية أم أبناءُ الوهم؟
عانى لبنان كثيرًا من هؤلاء الأبناء الناكرين للجميل.
فمنهم مَن حاول تغيير هويّته، ومنهم مَن سعى إلى طمس رسالته وإلحاقه بمشاريع لا تشبهه، ومنهم مَن أراد أن يحمّله رسالةً وهميّةً لا تمتّ إلى جوهره بصلة.
ومع ذلك، بقي لبنان يتجاوزهم جميعًا؛ لا لأنّه الأقوى سلاحًا، بل لأنّه الأقوى رسالةً.
إنّه رسالةُ محبّةٍ وشراكةٍ وقبول، ووطنٌ لا يكتمل إلّا بجميع أبنائه.
إنّه أبٌ يحتضن عائلته، ويغفر لأبنائه جحودهم، مؤمنًا بأنّ الإنسان ليس أسير أخطائه إلى الأبد.
فإذا كان بعضهم قد مات في أوهامه، فإنّ باب العودة يبقى مفتوحًا أمامه؛ لأنّ رسالة لبنان الحقيقية لا تقوم على الانتقام، بل على المصالحة.
وكما جاء في المثل الإنجيلي:
«كان هذا ابني ميتًا فعاش، وكان ضالًّا فوُجد.»
(لوقا 15: 32)
فلبنان لا يُحفَظ بقوّة الغالبين، ولا بتفوّق فريقٍ على آخر، بل بقداسة الرؤية التي تجعل الإنسان أخًا للإنسان، والوطن بيتًا لجميع أبنائه.
تلك هي الرسالة التي حفظت لبنان عبر العصور، وهي وحدها القادرة على أن تحفظ مستقبله.
لأنّ الأوطان لا تبقى بالقوّة وحدها،بل تبقى حين يصبح الحقُّ رؤيتها، والمحبّةُ رسالتها، والإنسانُ غايتها.











08/09/2026 - 00:09 AM





Comments