غسان صفير *
في بلدٍ يُطلب فيه من المواطن أن يعيش بأقل من الحد الأدنى، وأن يدفع ثمن الكهرباء والدواء والتعليم والإستشفاء من جيبه، وأن يواجه بطالةً تسرق من الشباب أعمارهم، ومن الوطن مستقبله، تبدو هناك فئة واحدة إستطاعت أن تنجو من الأزمة... بل أن تجعل منها مناسبة لتحسين شروط العيش.
إنهم نواب الأمة.
هؤلاء الأشاوس الذين يجتمعون تحت قبة البرلمان، يفترض أنهم جاءوا ليشرّعوا ويراقبوا ويحاسبوا، وليصنعوا القوانين التي تحمي المواطن وتفتح أبواب الإقتصاد والعمل. لكن السياسة، في جوهرها، ليست مسرحاً للكلام؛ إنها مسؤولية عن حياة الناس. والدولة لا تُقاس بما تقوله مؤسساتها عن نفسها، بل بما تفعله هذه المؤسسات في حياة مواطنيها. وهنا تكمن المفارقة اللبنانية.
فلبنان لا يعاني نقصاً في القوانين بقدر ما يعاني نقصاً في الدولة الفاعلة، ولا تنقصه الخطب بقدر ما تنقصه الإصلاحات. إقتصاد مأزوم، مؤسسات مترهلة، شباب يهاجرون، وبطالة تثقل المستقبل، فيما طبقة واسعة من اللبنانيين تكافح يومياً للحفاظ على الحد الأدنى من كرامتها. وفي المقابل، تستمر إمتيازات أهل السلطة وكأن الأزمة حدثت في بلد آخر.
ليس ما يحصل عليه النائب مجرد راتب أساسي؛ هناك مخصصات وتعويضات وإمتيازات صحية وعينية، تتحمل الخزينة العامة وصندوق تعاضد مجلس النواب جزءاً مهماً من أعبائها. وفي وقتٍ فقد فيه اللبنانيون جزءاً كبيراً من قدرتهم الشرائية ومدخراتهم، إرتفعت مداخيل المسؤولين ومخصصاتهم إلى مستويات تقارب خمسة آلاف دولار أو تتجاوزها عند احتساب مختلف التعويضات والمنافع.
لا أحد يحسد النائب على أجره
المشكلة ليست في أن يتقاضى النائب مالاً، بل في أن يتقاضى مالاً كثيراً من دولةٍ فقيرة، من دون أن يرى المواطن إنتاجاً يوازي هذا الإنفاق.
في الفلسفة السياسية، السلطة ليست إمتيازاً بل عقداً. والممثل العام لا يملك موقعه، بل يستعيره مؤقتاً من الناس. وكل وكالة، حين تنفصل عن المسؤولية، تتحول من خدمة عامة إلى إمتياز خاص. وهنا يصبح الفشل أكثر من مجرد تقصير؛ يصبح خللاً في معنى التمثيل نفسه.
فالسلطة، حين تنفصل عن المسؤولية، لا تعود خدمةً عامة بل تتحول إلى إمتياز. وحين يغيب الحساب، يصبح المنصب غايةً بحد ذاته، ويصبح الفشل قابلاً للتعايش معه، بل قابلاً لإعادة إنتاج نفسه في كل دورة إنتخابية. وهكذا لا يعود الخطر في أن يكون لدينا مسؤولون لا ينجحون، بل في أن يتحول عدم النجاح إلى أمرٍ طبيعي، والمحاسبة إلى إستثناء.
عندها تصبح الديمقراطية مجرد آلية لتجديد الوجوه نفسها، لا وسيلة لتغيير الواقع. ويصبح المواطن، من حيث لا يدري، شريكاً في إستمرار ما يشكو منه.
لكن المسؤولية لا تقع على النواب وحدهم.
المسؤولية تقع أيضاً على شعبٍ سمح، على مدى عقود، بتحويل النائب من وكيل عن الناس إلى زعيم فوق المساءلة. شعبٌ يغفر الفشل لأن صاحبه من طائفته، ويبرر العجز لأن صاحبه من فريقه، ثم يعود يوم الإنتخابات ليمنح الوكالة نفسها لمن أثبت أنه لا يستحقها.
الإنتخابات ليست موسم صور وشعارات وولائم. إنها لحظة استرداد للوكالة وممارسة للحق في الحساب.
النائب ليس سيداً على الناس، بل وكيلٌ عنهم. ومن لا ينجح في مهمته لا يستحق تمديد الوكالة.
نريد مجلساً نيابياً لا يقيس نجاحه بعدد القوانين التي مرّت بين يديه، بل بعدد الأزمات التي استطاع أن يخففها عن الناس، وبعدد الفرص التي خلقها، وبمقدار ما أعاد إلى المواطن من ثقةٍ بوطنه ودولته.
فالتمثيل النيابي ليس إمتيازاً يُورث، ولا ولاءً يُكافأ، ولا شعاراً يُرفع. إنه أمانة مؤقتة يمنحها الناس لمن يثقون به، ويحق لهم أن يستردوها حين يخونها الأداء.
في يوم الحساب، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يمثّل؟ بل ماذا مثّل؟ ومن أي زعامة جاء؟ بل ماذا قدّم؟
أعطوا أصواتكم لمن يستحقها، واسحبوا الوكالة ممن بدّدها. لقد طال نوم اللبنانيين، حتى أصبح الإمتياز إستحقاقاً، والفشل وجهة نظر، والمحاسبة حلماً.
آن الأوان أن يصحو الشعب من غيبوبته.
فالأوطان لا تنهض بالتصفيق، ولا تُصلحها الخطب.
والبلد الذي لا يحاسب ممثليه، لا يحق له أن يشتكي من حاله.
#النائب_وكيل_وليس_زعيم
#بس_هيك
* باحث وكاتب لبناني مهتم بالشؤون السياسية والاستراتيجية، وله مقالات ومشاركات في ندوات فكرية وسياسية تتناول الشأن اللبناني العام وقضايا الإصلاح وبناء الدولة، وهو من ضمن فريق عمل المركز الدولي للابحاث السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى نشر مقالات رأي عبر بعض المنصات الإعلامية مثل بيروت تايمز.










08/08/2026 - 13:59 PM





Comments