لبنان... نصف قرن من الحقيقة المؤجلة (5)

08/08/2026 - 07:15 AM

Atlantic home care

 

 

الحلقة الخامسة
___________________________________________

4 آب... عندما انفجرت الدولة قبل أن ينفجر المرفأ

علي جزائري 

في الرابع من آب 2020، لم يهتزّ مرفأ بيروت وحده. اهتزّت الدولة.

اهتزّت فكرة الدولة التي يفترض أن تعرف ماذا يدخل إلى مرفئها، وأين يُخزّن، ومن يملك صلاحية التصرف به، ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول الإهمال إلى كارثة.

انفجار المرفأ لم يكن مجرد حادث أمني أو صناعي. لقد كان كارثة وطنية هائلة قتلت أكثر من مئتي شخص، وأصابت آلافًا، ودمّرت أحياء واسعة من العاصمة، وشرّدت مئات الآلاف. وبعد ست سنوات، لا تزال عائلات الضحايا تنتظر العدالة.

لكن المأساة الأكبر ربما تكمن في السؤال الذي سبق الانفجار:

كيف وصلت مادة بهذه الخطورة إلى قلب العاصمة، وبقيت سنوات في المرفأ، رغم التحذيرات والمراسلات، من دون أن تتحول هذه المعرفة إلى قرار ينهي الخطر؟

هنا تبدأ مسؤولية الدولة.

وليس المطلوب، في دولة القانون، أن تُطلق الاتهامات في الهواء، ولا أن تختصر الجريمة بشخص أو مؤسسة قبل انتهاء القضاء من عمله.

المطلوب أبسط وأصعب في الوقت نفسه:

أن نعرف ماذا حدث.

نحو 2750 طنًا... والخطر كان معروفًا

المادة التي انفجرت كانت نترات الأمونيوم، وقد بقيت في المرفأ سنوات في ظروف تخزين أصبحت محورًا أساسيًا في التحقيق.

المشكلة لم تكن أن المادة ظهرت فجأة في الرابع من آب.

كانت موجودة.

وكانت السلطات المختلفة على علم بوجودها بدرجات متفاوتة، وكانت هناك مراسلات وتحذيرات وإجراءات مرتبطة بكيفية التعامل معها.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

إذا كانت الدولة تعرف بوجود الخطر، فلماذا لم تمنع الكارثة؟

إن هذا السؤال هو قلب الملف كله.

فالعدالة لا تبحث فقط عن اليد التي أشعلت النار، بل عن سلسلة القرارات والإهمالات والمسؤوليات التي جعلت وقوع الكارثة ممكنًا.

وهذه نقطة جوهرية.

قد تكون المسؤولية الجنائية في النهاية فردية، وقد تكون موزعة بين أكثر من شخص أو جهة، وقد تثبت المحاكم مسؤولية البعض وتنتفي عن آخرين.

لكن الدولة مطالبة، في كل الأحوال، بأن تكشف السلسلة كاملة.

من أدخل؟

من خزّن؟

من علم؟

من حذّر؟

من قرأ؟

من امتلك الصلاحية؟

من أهمل؟

ومن كان يستطيع أن يمنع الكارثة ولم يفعل؟

هذه ليست أسئلة سياسية.

هذه أسئلة عدالة.

الانفجار الثاني كان في القضاء

بعد ساعات من الكارثة، بدأ التحقيق.

ثم بدأت المعركة.

عُيّن القاضي فادي صوان محققًا عدليًا، ثم واجه طلبات نقل القضية وتنحّيه بعد توجيه اتهامات إلى مسؤولين سياسيين.

في شباط 2021، عُيّن القاضي طارق بيطار خلفًا له.

وكان يفترض أن يبدأ التحقيق مرحلة جديدة.

لكن ما حصل لاحقًا كشف أزمة أعمق بكثير من مجرد خلاف على قاضٍ.

فكلما اقترب التحقيق من مسؤولين سياسيين أو أمنيين بارزين، ظهرت معارك قانونية حول الصلاحيات والحصانات وطلبات الرد والتنحي.

ثم وصل الأمر إلى مرحلة أصبح فيها التحقيق نفسه مهددًا بالتوقف.

وفي عام 2023، دخل الملف مرحلة أكثر تعقيدًا عندما اتخذ المدعي العام التمييزي آنذاك غسان عويدات إجراءات ضد القاضي بيطار، فيما كان عويدات نفسه من الشخصيات التي طالها التحقيق، بحسب تقارير إعلامية عن الملف.

وهنا وصل اللبناني إلى مفارقة لا تحتاج إلى شرح: القاضي الذي يحقق في أكبر كارثة في تاريخ لبنان الحديث، أصبح هو نفسه موضوع نزاع قضائي. عند هذه النقطة لم يعد السؤال فقط: من المسؤول عن الانفجار؟

بل أصبح:

من يحمي التحقيق؟

الحصانة... أم حصانة الدولة من العدالة؟

في الأنظمة الديمقراطية، الحصانة ليست امتيازًا شخصيًا. هي آلية لحماية العمل السياسي من التعسف.

لكن عندما تتحول الحصانة إلى جدار يمنع القضاء من التحقيق في كارثة وطنية، يصبح السؤال مشروعًا حول حدودها.

وهنا يجب التفريق بين أمرين:

أن يطلب مسؤول حقه القانوني في الدفاع عن نفسه، فهذا حق طبيعي.

أما أن تتحول الإجراءات القانونية المتتالية إلى وسيلة تؤدي عمليًا إلى شل التحقيق لسنوات، فهذه مشكلة مؤسساتية تستحق النقاش.

القانون يجب أن يحمي الجميع.

لكن القانون نفسه يجب ألا يتحول إلى متاهة يستحيل معها الوصول إلى الحقيقة.

الإعلام... من السلطة الرابعة إلى جزء من المعركة وهنا نصل إلى الطرف الآخر من القصة:

الإعلام.

الإعلام اللبناني لعب دورًا مهمًا في إبقاء ملف المرفأ حيًا. صحافيون ومؤسسات إعلامية كشفوا وثائق، تابعوا التحقيق، ونقلوا معاناة الأهالي.

لكن الوجه الآخر كان حاضرًا أيضًا.

تحول الملف في بعض المنابر إلى معركة سياسية.

كل محطة تقريبًا بات لها تفسيرها.

 

* لمتابعة الحلقات انقر على الرابط

الحلقة الاولى: https://beiruttimes.com/article/57448

الحلقة الثانية: https://beiruttimes.com/article/57480

الحلقة الثالثة: https://beiruttimes.com/article/57495

الحلقة الرابعة: https://beiruttimes.com/article/57540

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment