من غزة إلى النووي… اختبار المشروع الإيراني في مرحلة المواجهة المفتوحة

08/08/2026 - 06:05 AM

Atlantic home care

 

 

الحلقة الخامسة من سلسلة:

“إيران… بين الثورة والجغرافيا والنفوذ: كيف تشكل المشروع الإيراني؟”

 

معتز فخرالدين * 

بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة نشأة المشروع الإيراني الحديث، وكيف انتقل من خطاب الثورة وتصدير الأيديولوجيا إلى بناء منظومة نفوذ إقليمية، ثم بحثنا في العوامل التاريخية والجغرافية التي دفعت طهران إلى السعي نحو بناء عمق استراتيجي خارج حدودها، وصولًا إلى توسع حضورها في لبنان والعراق وسوريا واليمن، نصل اليوم إلى مرحلة مختلفة من مسار هذا المشروع.

فالمشاريع الإقليمية لا تُقاس فقط بقدرتها على التوسع، بل بقدرتها على الصمود عندما تتغير البيئة التي سمحت لها بالتمدد. ولذلك لم يعد السؤال الأساسي يتعلق بكيفية تمكن إيران من بناء شبكة نفوذ واسعة في الإقليم، إذ أصبح هذا الحضور أحد العناصر المؤثرة في معادلات الشرق الأوسط، بل أصبح السؤال الأكثر تعقيدًا:

هل تستطيع طهران الحفاظ على هذا النفوذ وإدارته في بيئة إقليمية ودولية تتغير بسرعة؟

فخلال العقود الماضية، اعتمدت إيران على استراتيجية تقوم على بناء شبكة من الحلفاء والقوى المحلية المرتبطة بها، بما يسمح لها بالتأثير في موازين المنطقة من دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة واسعة مع خصوم يمتلكون تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا. وقد شكّل هذا النموذج أحد أهم عناصر القوة الإيرانية بعد الحرب العراقية–الإيرانية، إذ مكّن طهران من نقل جزء من حسابات أمنها القومي إلى ساحات خارج حدودها، وبناء ما اعتبرته عمقًا استراتيجيًا يحد من تكرار تجارب التهديد الخارجي التي طبعت تاريخها الحديث.

لكن هذا النموذج، الذي منح إيران قدرة واسعة على المناورة، بدأ خلال السنوات الأخيرة يواجه اختبارًا مختلفًا. فكلما اتسعت شبكة النفوذ، ازدادت الساحات المرتبطة بها، وأصبح أي تصعيد في إحداها قادرًا على التأثير في بقية المنظومة. وتكمن إحدى المفارقات الأساسية في المشروع الإيراني في أن النفوذ الذي منح طهران قدرة أكبر على الردع، جعلها في الوقت نفسه أكثر ارتباطًا ببيئة صراعية مفتوحة وأكثر حاجة إلى إدارة توازنات معقدة.

لقد كشفت حرب غزة التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 هذه التحولات بصورة واضحة، إذ لم تعد المواجهة محصورة في إطار الحروب غير المباشرة، بل دفعت إلى إعادة النظر في قواعد الاشتباك الإقليمي، مع اتساع نطاق الصراع وتداخل ساحاته.

وهذا يقود إلى سؤال أساسي:

هل ما زالت استراتيجية الردع غير المباشر قادرة على أداء الدور الذي قامت به طوال العقود الماضية؟

أم أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة ستفرض على إيران إعادة تقييم أدواتها وخياراتها؟

غزة و”وحدة الساحات”… من الردع إلى اختبار المنظومة

دفعت حرب غزة إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الصراع الإقليمي وحدود قدرة القوى المختلفة على التحكم بمسارات التصعيد.

فعادت إلى الواجهة فكرة “وحدة الساحات”، التي تقوم على أن أي مواجهة كبرى مع إسرائيل قد لا تبقى محصورة في جبهة واحدة، بل يمكن أن تمتد إلى ساحات متعددة ترتبط بشبكة من التحالفات والقوى المحلية.

غير أن هذه الفكرة لم تكن وليدة حرب غزة وحدها، بل جاءت امتدادًا لمنطق استراتيجي إيراني تبلور على مدى عقود.

فوفق الرؤية الإيرانية، فإن حماية الأمن القومي لا تبدأ عند الحدود الجغرافية فقط، بل من خلال بناء خطوط دفاع متقدمة في بيئات سياسية وجغرافية مختلفة. ومن هذا المنطلق، تحركت قوى مرتبطة بإيران في أكثر من ساحة:

  • حزب الله على الحدود اللبنانية مع إسرائيل.
  • الحوثيون في اليمن، وما نتج عن عملياتهم من تأثير على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
  • فصائل مسلحة عراقية استهدفت مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة.

وقدمت إيران وحلفاؤها هذه التحركات باعتبارها جزءًا من دعم غزة وممارسة ضغط إقليمي على إسرائيل وحلفائها.

لكن تطورات الحرب كشفت في الوقت نفسه تعقيد هذه المعادلة.

فكلما اتسعت دائرة المواجهة، ازدادت صعوبة التحكم بمستوى التصعيد، وتحولت تعددية الجبهات من عنصر قوة إلى مصدر مخاطر يصعب ضبط تداعياتها بالكامل.

وتبرز هنا إشكالية أساسية:

فالشبكة التي بُنيت لإبعاد الحرب عن الداخل الإيراني، قد تصبح في ظروف معينة أحد المسارات التي تنتقل عبرها المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة.

سياسة الحلفاء… عندما تصبح أدوات النفوذ اختبارًا للقدرة على الإدارة

على امتداد العقود الماضية، شكّل الاعتماد على الحلفاء والقوى المحلية أحد أهم مرتكزات الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.

فهذا النموذج منح طهران قدرة على توسيع نفوذها السياسي والأمني خارج حدودها، من دون الدخول في مواجهات مباشرة طويلة الأمد مع قوى تمتلك تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا كبيرًا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وقد نجحت إيران عبر هذه الشبكة في بناء حضور مؤثر في عدد من الساحات، وأصبحت قادرة على التأثير في ملفات إقليمية تتجاوز حدودها الجغرافية.

إلا أن التحولات الأخيرة أظهرت أن هذه الاستراتيجية، رغم ما منحته من مكاسب، تواجه تحديات جديدة.

فشبكة الحلفاء التي بُنيت أساسًا لتكون أداة ردع وحماية للمصالح الإيرانية، أصبحت في الوقت نفسه جزءًا من معادلة إقليمية شديدة الحساسية، بحيث يمكن لأي تصعيد في إحدى الساحات أن يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود تلك الساحة.

وتكمن المفارقة هنا في أن أدوات النفوذ نفسها قد تتحول إلى مصدر اختبار للدولة التي تستخدمها.

فكلما ازدادت قدرة إيران على التأثير عبر حلفائها، ازدادت صعوبة التحكم بمسارات التصعيد الناتجة عن تحركاتهم.

فالقوة غير المباشرة تمنح الدولة مساحة للمناورة، لكنها تفرض عليها في المقابل تحدي الحفاظ على التوازن بين استخدام هذه الأدوات ومنع تحولها إلى عامل يستنزفها أو يوسع دائرة خصوماتها.

وقد ظهرت هذه الإشكالية بوضوح في السنوات الأخيرة في عدد من الساحات الأساسية.

سوريا… عندما يصبح النفوذ مرتبطًا بالبيئة المحلية

مثّلت سوريا لسنوات طويلة إحدى أهم حلقات المشروع الإيراني الإقليمي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل بسبب دورها في ربط ساحات النفوذ الإيرانية في المشرق.

لكن التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا وفي مقدمتها سقوط نظام بشار الأسد وقيام نظام سياسي جديد بقيادة أحمد الشرع، وهو تحول غيّر بصورة جذرية البيئة السياسية التي احتضنت لسنوات طويلة أحد أهم مرتكزات الحضور الإيراني في المشرق، وفرض على طهران إعادة تقييم موقعها وقدرتها على الحفاظ على نفوذها السابق.

 

وقد أظهرت التجربة السورية حقيقة أساسية في إدارة النفوذ الخارجي:

فمهما بلغت قوة الدولة الإقليمية، يبقى نفوذها مرتبطًا بوجود بيئة سياسية محلية قادرة على احتضانه وتأمين استمراره.

لبنان… اختبار العلاقة بين النفوذ والدولة

أما في لبنان، فقد بقي حزب الله أحد أبرز عناصر الحضور الإيراني في المنطقة، وأحد أهم أدوات الردع التي اعتمدت عليها طهران في مواجهة إسرائيل.

لكن المرحلة الأخيرة فرضت واقعًا مختلفًا. فإلى جانب الضغوط العسكرية التي تعرض لها الحزب خلال المواجهات الأخيرة، ظهرت أسئلة مرتبطة بالداخل اللبناني نفسه، ولا سيما حول علاقة الدولة بالسلاح خارج المؤسسات الرسمية، ومستقبل موقع الحزب داخل المعادلة السياسية اللبنانية.

كما أن التحولات في البيئة اللبنانية نفسها أعادت طرح سؤال التوازن بين دور الحزب الإقليمي ومتطلبات الدولة الوطنية.

وهنا لم يعد النقاش مرتبطًا فقط بحجم القوة التي يمتلكها الحزب، بل بقدرته على الحفاظ على دوره السابق في بيئة لبنانية وإقليمية أكثر تعقيدًا.

العراق… النفوذ في مواجهة سؤال السيادة

في العراق، بقي النفوذ الإيراني حاضرًا عبر علاقات سياسية وأمنية متعددة، مستفيدًا من الروابط التاريخية والجغرافية والمصالح المشتركة.

لكن العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة المرتبطة بالخارج أصبحت جزءًا أساسيًا من النقاش العراقي حول السيادة ومستقبل الدولة.

فالتحدي لا يتعلق فقط بحجم النفوذ الإيراني، بل بمدى قدرة هذا النفوذ على التعايش مع بناء مؤسسات دولة مستقلة وقادرة على اتخاذ قراراتها.

اليمن… من الساحة المحلية إلى الحسابات الدولية

أما اليمن، فقد تحول الملف الحوثي إلى قضية تتجاوز حدود الصراع المحلي، بعدما ارتبط بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية الأوسع.

وقد منح هذا الملف إيران ورقة ضغط مهمة، لكنه في الوقت نفسه رفع مستوى الاهتمام الدولي به، وجعل كلفته السياسية والأمنية تتجاوز الإطار المحلي.

في ضوء ذلك، لا يبدو أن السؤال الأساسي أمام إيران هو التخلي عن سياسة الاعتماد على الحلفاء، فالواقع يشير إلى أن هذه الشبكة ستبقى جزءًا مهمًا من عقيدتها الاستراتيجية.

لكن الإشكالية الأهم تتمثل في قدرة هذه الأدوات على إدارة مرحلة انتقلت فيها المنطقة من الصراع غير المباشر إلى احتمالات احتكاك أكثر مباشرة بين الدول.

أما الاختبار الحقيقي أمام طهران اليوم فلم يعد مرتبطًا بقدرتها على بناء النفوذ، فقد حققت تقدمًا كبيرًا في هذا المجال، بل بقدرتها على إدارة هذا النفوذ في بيئة إقليمية أصبحت أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة.

إيران والمحيط العربي… هل يمكن بناء علاقة مختلفة؟

إذا كان المشروع الإيراني قد نجح في ترسيخ حضور واسع في عدد من ساحات الشرق الأوسط، فإن أحد أصعب اختباراته في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بعلاقته بالولايات المتحدة أو إسرائيل، بل بطبيعة علاقته بمحيطه العربي، ولا سيما دول الخليج.

فخلال السنوات الماضية، لم تعد المنافسة بين إيران وبعض الدول العربية مقتصرة على الخلافات السياسية أو التنافس على النفوذ، بل امتدت إلى البعد الأمني بصورة مباشرة.

فقد تعرضت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة تبنتها جماعة الحوثي في اليمن، كما شهدت الساحة العراقية عمليات استهدفت مصالح مرتبطة بعدد من الدول العربية.

وامتد القلق إلى دول عربية أخرى مع اتساع نطاق التوتر الإقليمي، وما رافقه من أحداث عسكرية وأمنية مرتبطة بالساحات المتوترة.

وبغض النظر عن اختلاف المواقف بشأن المسؤولية المباشرة عن كل حادثة، فإن النتيجة السياسية كانت واضحة:

فقد ترسخ لدى عدد من العواصم العربية شعور بأن أمنها الوطني بات يتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالصراعات الإقليمية، وبالأنشطة التي تقوم بها القوى المرتبطة بإيران في عدد من الساحات.

ويطرح ذلك سؤالًا أساسيًا:

كيف يمكن لإيران أن تبني علاقة مستقرة مع جوارها العربي، في وقت ما زالت فيه آثار هذه المواجهات حاضرة في الحسابات الأمنية والسياسية لهذه الدول؟

فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على موازين القوة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى مستوى من الثقة والقدرة على بناء تفاهمات طويلة الأمد.

ولهذا فإن مستقبل الدور الإيراني في المنطقة لن يتوقف فقط على حجم النفوذ الذي تمتلكه طهران، بل كذلك على قدرتها على طمأنة محيطها العربي بأن هذا النفوذ يمكن أن يتحول من مصدر قلق إلى عنصر من عناصر التوازن الإقليمي.

فالدولة التي تسعى إلى دور طويل الأمد لا تحتاج فقط إلى امتلاك أوراق الضغط، بل تحتاج أيضًا إلى بناء علاقات تسمح لها بأن تكون قوة مؤثرة ومقبولة في محيطها.

وهذا يمثل أحد أكبر الاختبارات التي تواجه المشروع الإيراني في المرحلة المقبلة.

البرنامج النووي… بين التكنولوجيا ومعادلة القوة

يشكل البرنامج النووي الإيراني أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط، لأنه لم يعد منذ سنوات مجرد قضية تقنية تتعلق بالتخصيب أو آليات الرقابة الدولية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة القوة الإقليمية والدولية.

وتؤكد طهران باستمرار أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، وأن من حقها، بصفتها دولة طرفًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، امتلاك التكنولوجيا النووية المدنية وتطويرها ضمن الأطر التي يجيزها القانون الدولي.

وترى إيران أن تطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية يمثل جزءًا من استقلالها الوطني، وأن الضغوط المفروضة عليها تعكس محاولة لمنعها من امتلاك أدوات القوة التي تمتلكها دول أخرى.

في المقابل، ترى الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الغربية والإقليمية أن الملف النووي لا يمكن فصله عن مجمل الاستراتيجية الإيرانية، بما يشمل القدرات الصاروخية، وشبكة الحلفاء، واتساع النفوذ الإقليمي.

فالقلق الأساسي لدى خصوم إيران لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي بحد ذاته، بل بإمكانية اجتماع عدة عناصر للقوة الاستراتيجية في يد دولة واحدة تمتلك موقعًا جغرافيًا حساسًا وشبكة نفوذ إقليمية واسعة.

ولهذا فإن جوهر القلق الدولي لا يرتبط فقط بإمكانية امتلاك سلاح نووي، بل بقدرة إيران على الوصول إلى مرحلة الدولة القادرة على إنتاجه عند اتخاذ القرار السياسي بذلك، وهي ما يعرف بمفهوم القدرة على الاقتراب من العتبة النووية.

وتحوّل الملف النووي بذلك إلى جزء من سؤال أكبر:

أي نوع من القوى تريد إيران أن تكون؟

هل تريد أن تكون دولة إقليمية كبرى تستخدم قدراتها لحماية مصالحها ضمن قواعد النظام الدولي؟

أم تريد بناء نموذج قوة يقوم على تغيير موازين المنطقة عبر أدوات الردع والضغط؟

وبغض النظر عن اختلاف الإجابات بين إيران وخصومها، فإن البرنامج النووي أصبح أحد عناصر معادلة القوة الإيرانية، إلى جانب الموقع الجغرافي، والقدرات العسكرية، والبرنامج الصاروخي، وشبكة الحلفاء.

لكن هذه العناصر نفسها تطرح إشكالية أساسية:

فالأدوات التي تمنح الدولة قدرة أكبر على حماية مصالحها قد تتحول في الوقت نفسه إلى عوامل تزيد من مخاوف الآخرين، وتدفعهم إلى بناء تحالفات مضادة أو اعتماد سياسات أكثر تشددًا تجاهها.

لذلك فإن مستقبل الملف النووي لن يتحدد فقط بالتطورات التقنية، بل بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة الصراع السياسي والاستراتيجي المرتبط به.

فالبرنامج النووي أصبح جزءًا من معركة أوسع حول شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وحول موقع إيران داخله.

فالقضية لم تعد فقط امتلاك التكنولوجيا النووية، بل موقع إيران في ميزان القوى الإقليمي والدولي.

والتحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بقدرة إيران على تطوير أدوات القوة، بل بقدرتها على تحويل هذه الأدوات إلى استقرار سياسي طويل الأمد، بدل أن تصبح سببًا في استمرار حالة المواجهة المفتوحة.

المفارقة الاستراتيجية… عندما أعاد صعود إيران تشكيل البيئة الإقليمية

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، احتلت مواجهة إسرائيل موقعًا مركزيًا في الخطاب السياسي الإيراني، وأصبحت القضية الفلسطينية أحد أبرز عناصر السياسة الخارجية لطهران، سواء عبر الخطاب السياسي أو من خلال دعم القوى التي تعتبر نفسها جزءًا من محور مواجهة إسرائيل.

لكن تطور الأحداث خلال العقود الماضية أفرز مفارقة استراتيجية تستحق التوقف عندها.

فمع توسع النفوذ الإيراني في عدد من الدول العربية، بدأت بعض دول المنطقة تنظر إلى إيران باعتبارها تحديًا أمنيًا متزايدًا، الأمر الذي دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، وفتح الباب أمام أشكال جديدة من التعاون والتنسيق مع إسرائيل في ملفات أمنية وسياسية كانت، حتى وقت قريب، شديدة الحساسية.

ولا تكمن المفارقة في تراجع أهمية القضية الفلسطينية، فهي بقيت وما زالت قضية مركزية في الوعي العربي والإسلامي، بل في أن التحولات الجيوسياسية دفعت بعض الدول إلى إعادة تعريف مصادر التهديد والأولويات الأمنية.

فلم تعد إسرائيل في نظر بعض العواصم تمثل التهديد الوحيد أو الأول، بل أصبحت تُنظر إليها أحيانًا كشريك محتمل في مواجهة ما تعتبره هذه الدول تمددًا إيرانيًا في المنطقة. ولا يعني ذلك أن هذه المقاربة حظيت بإجماع عربي، أو أن الصراع العربي الإسرائيلي فقد جذوره التاريخية، لكنه يعكس حقيقة مهمة:

أن الفراغات الإقليمية لا تبقى فارغة، وأن تراجع قدرة النظام العربي على إنتاج توازنات مستقلة سمح لقوى إقليمية أخرى، ومنها إيران وتركيا وإسرائيل، بمحاولة إعادة تشكيل موازين المنطقة وفق مصالحها ورؤاها الخاصة.

وهنا تظهر نتيجة استراتيجية لافتة:

فالمشروع الإيراني الذي جعل من مواجهة إسرائيل أحد أبرز شعاراته السياسية، ساهم، من حيث النتائج السياسية لا من حيث النوايا المعلنة، إلى جانب عوامل أخرى دولية واقتصادية وأمنية، في خلق بيئة إقليمية دفعت بعض الأطراف إلى التقارب مع إسرائيل انطلاقًا من حسابات أمنية جديدة. وهذه إحدى القواعد الأساسية في دراسة العلاقات الدولية:

فالسياسات لا تُقاس فقط بالأهداف التي تعلنها الدول، بل أيضًا بالنتائج التي تنتج عنها على أرض الواقع.

بين الردع والاستنزاف… إلى أين يتجه المشروع الإيراني؟

بعد أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية، أصبح من الصعب تقييم المشروع الإيراني من خلال ثنائية النجاح أو الفشل فقط.

فقد استطاعت طهران بناء حضور إقليمي واسع، وتحولت إلى لاعب أساسي في عدد من ملفات الشرق الأوسط، مستندة إلى مزيج من الموقع الجغرافي، والقدرات العسكرية والصاروخية، والتطور في المجال النووي، وشبكة العلاقات والنفوذ التي راكمتها خلال العقود الماضية.

لكن هذا النجاح يواجه اليوم اختبارًا مختلفًا. فالبيئة الإقليمية التي سمحت لإيران بتوسيع نفوذها لم تعد كما كانت، كما أن كلفة الحفاظ على هذا النفوذ أصبحت أكثر حضورًا على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.

كذلك فإن التحولات التي شهدتها بعض الساحات، ولا سيما سوريا ولبنان، أعادت طرح أسئلة حول قدرة طهران على الحفاظ على مستوى التأثير نفسه الذي امتلكته في مراحل سابقة.

ولا يرتبط هذا التحدي بالعوامل الخارجية فقط، بل يرتبط أيضًا بقدرة الداخل الإيراني على تحمل كلفة الدور الإقليمي، وتحقيق توازن بين الطموحات الخارجية ومتطلبات الاستقرار الداخلي. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال المركزي الذي يواجه المشروع الإيراني ليس:

هل تمتلك إيران عناصر القوة؟

فالتجربة خلال أكثر من أربعة عقود تشير إلى أن إيران استطاعت بناء منظومة واسعة من أدوات التأثير والردع.

لكن السؤال الأكثر تعقيدًا هو:

هل تستطيع طهران تحويل هذه الأدوات إلى مشروع إقليمي مستدام، أم أن عناصر القوة التي بنت نفوذها ستتحول تدريجيًا إلى مصادر ضغط واستنزاف تحد من قدرتها على الاستمرار؟

إيران بعد أربعة عقود… قوة إقليمية أم مشروع استنزاف؟ وهذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الحلقة السادسة والأخيرة، حين نقيّم الحصيلة النهائية للمشروع الإيراني، ونسعى للإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية:

• ما الذي حققته إيران؟

• ما الذي خسرته؟

• وما حدود قدرتها على الانتقال من منطق الثورة وتوسيع النفوذ إلى منطق الدولة وإدارة علاقات إقليمية أكثر استقرارًا؟

 

* كاتب وباحث سياسي 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment