سوريا في الاستراتيجية الإيرانية الجديدة... حماية طرق الإمداد ونفوذ عبر الفوضى

08/07/2026 - 23:58 PM

Your Ad Here

 

 

إيلي إ. حرب

طفت التطورات الأخيرة في سوريا وعلى حدودها المشتركة مع لبنان والعراق إلى واجهة الأحداث مع سلسلة المواقف والتحركات الميدانية وباتت تطرح اكثر من سؤال عن مآل هذه التطورات، أسبابها وخلفياتها. 

بالنسبة لإيران، لم تعد سوريا ساحة نفوذ تقليدية أو ممر لوجستي تستخدمه لإسناد حلفائها في المنطقة كما في عهد نظام الأسد، ووفق تقديرات "معهد دراسات الحرب" و"مشروع التهديدات الحرجة"، فإن طهران تواجه واقعاً سورياً جديداً تحاول التأقلم معه، بعدما فقدت جزءاً كبيراً من الأدوات التي كانت تتيح لها العمل بحرية، وبات هدف إيران منع دمشق من السيطرة على المساحات التي يمكن أن تعيد عبرها بناء شبكاتها السرية وخطوط إمدادها إلى حزب الله.

سورياً تنصب اهتمامات الحكومة الجديدة على  تثبيت سيادتها على الحدود ومنع عمليات التهريب والنشاطات المسلحة التي يمكن أن تهدد استقرارها الداخلي. فضبط الحدود مع العراق ولبنان ليس بالضرورة جزءاً من مواجهة إيران أو تنفيذ أجندة إسرائيلية وأميركية، بل يمثل محاولة لاستعادة السيطرة على أراضي الدولة وحدودها. غير أن طهران وفق مراكز ومعاهد الدراسات تنظر إلى هذه الإجراءات بطريقة مختلفة تماماً. فوقف طرق تهريب الأسلحة والمقاتلين إلى حزب الله يعني بالنسبة إليها ضرب أحد أهم خطوط الإمداد التي بنتها خلال عقود، وأي تحرك سوري لتشديد الرقابة على الحدود أو تفكيك شبكات التهريب يمكن أن يُقرأ في طهران باعتباره تهديداً مباشراً للبنية الإقليمية التي تعتمد عليها.

إشغال الداخل

في مواجهة هذا الوضع، تشير التقديرات إلى احتمال لجوء إيران ومحور المقاومة إلى إشغال الدولة السورية، عبر الخلايا السرية كأداة لتعويض خسارة النفوذ المباشر واستخدامها في الظل لتنفيذ هجمات في الداخل ( سلسلة التفجيرات وضبط خلايا) بما يجبر القوات الأمنية السورية على تحويل جزء من قدراتها من الحدود إلى المدن والمناطق الداخلية لتحقيق هدفين مزدوجين: الأول استنزاف الأجهزة الأمنية السورية وإرباكها. والثاني توسيع رقعة انتشار الأجهزة وخلق ثغرات تسمح باستمرار عمليات تهريب المعدات والأموال والأفراد عبر الحدود، وتاليا الاعتماد استراتيجياً على شبكة من الخلايا والطرق السرية والوكلاء المحليين الذين يجعلون الدولة نفسها عاجزة عن إغلاق المساحات التي تتحرك فيها إيران.

كمين لبنان

غيرأن السيناريو الأخطر وفق تقارير عدة يبقى في تطور الأمور نتيجة عملية سورية واسعة لمكافحة التهريب على الحدود اللبنانية، خصوصاً إذا استهدفت العملية شبكات أو مخازن تابعة لحزب الله أو أدت إلى مقتل عدد من عناصره. عندها قد تنتقل الأزمة من مستوى أمني سوري إلى مواجهة إقليمية أكثر اتساعاً. وفي التقديرات أن الرد سيكون من خلال الجمع بين الخلايا السرية والهجمات عبر الحدود، وربما استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف الصاروخية، فتصبح الحدود السورية اللبنانية أكثر من مجرد منطقة لمكافحة التهريب، وتتحول إلى خط تماس جديد بين مشروع الدولة السورية الساعي إلى فرض سيادته، وشبكة إقليمية تحاول الحفاظ على خطوط الإمداد التي بنتها إيران عبر السنوات الماضية.

الممر العراقي

إلا أن المشكلة قد لا تقتصر على الحدود اللبنانية. فالتقارير تشير إلى تعزيز الحكومة السورية انتشارها العسكري على الحدود مع العراق، في مقابل تعزيز ميليشيات عراقية مدعومة من إيران وحزب الله مواقعها على الحدود السورية. فالحدود بين البلدين تمثل جزءاً أساسياً من شبكة الحركة البرية التي تربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان. وبالتالي فإن تشديد الرقابة على هذه المنطقة يهدد ليس فقط عمليات التهريب التقليدية، بل قدرة إيران على الحفاظ على ممرات الحركة والإمداد عبر المنطقة. وكلما عززت الحكومة السورية سيطرتها على حدودها، تقلصت المساحة التي تستطيع إيران وحلفاؤها استخدامها لإعادة بناء شبكاتها.

في الإقليم

وفي نظرة شاملة إلى التطورات في المنطقة كلها، لا تتوقف التحركات الإيرانية عند سوريا، العراق ولبنان. ففي اليمن ينفذ الحوثيون هجمات يومية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع تابعة للحكومة اليمنية في مأرب وحضرموت. وفي العراق ولبنان، تواصل القوى المرتبطة بإيران الاحتفاظ بقدرات تمكنها من التأثير في التطورات الأمنية والسياسية.

التحركات الإيرانية أدت إلى تزايد تقارب مستوى المصالح بين عدد من دول المنطقة. سوريا بدأت بتعزيز التنسيق مع السعودية والإمارات، في وقت تعرضت فيه دول عربية أخرى لهجمات مرتبطة بإيران ومحور المقاومة. واللافت أن هذا التقارب لا يقوم بالضرورة على تحالف سياسي موحد، بقدر ما ينطلق من مصالح أمنية مشتركة في مواجهة تمدد الشبكات المسلحة العابرة للحدود. وبدلا من أن يؤدي استخدام الوكلاء إلى تفكيك خصوم إيران، يؤدي، كما يبدو، إلى دفع عدد أكبر من الدول إلى تنسيق سياساتها الأمنية والعسكرية، وإلى التعامل مع نشاطات هذه الشبكات باعتبارها تهديداً مشتركاً.

في الخلاصة: ما يحدث في سوريا أبعد من مواجهة بين الحكومة السورية وحزب الله حول التهريب. إنه جزء من صراع أوسع على شكل المنطقة بعد انهيار منظومة النفوذ التي بنتها إيران خلال السنوات الماضية. فبعد خسارة الجمهورية الإسلامية  لجزء أساس من نفوذها في سوريا باتت تلجأ إلى أدوات أكثر مرونة وأقل ظهوراً لحماية طرق الإمداد: خلايا سرية، شبكات تهريب، حلفاء محليون، ميليشيات عابرة للحدود، وقدرات صاروخية ومسيّرة يمكن تفعيلها عند الحاجة. اما في العراق ولبنان فالهدف يبقى الحفاظ على شبكات الوكلاء. وفي اليمن، الاحتفاظ بأداة ضغط على أمن المنطقة. وفي مضيق هرمز، محاولة تحويل الموقع الجغرافي إلى ورقة استراتيجية دائمة.

وهذا يعني أن المعركة الإيرانية المقبلة قد لا تكون معركة السيطرة على الأراضي، بل معركة منع الخصوم من السيطرة الكاملة عليها. فهل ستنجح الحكومة السورية، مدعومة بتعاون عربي وإقليمي متزايد في إغلاق الممرات التي شكلت لعقود العمود الفقري للنفوذ الإيراني؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment